بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
بطحة فودكا لنتنياهو وقرآن كريم لخامنئي
  26/11/2015

بطحة فودكا لنتنياهو وقرآن كريم لخامنئي
سهيل كيوان

أهدى الرئيس الروسي بوتين نسخة خاصة وقديمة جدا من القرآن الكريم للسيد علي خامنئي، هذا الإهداء فيه رمزية وإيحاء، أراد بوتين من خلاله القول إنه لا يكن عداء للمسلمين والإسلام ما داموا طيبين وليسوا إرهابيين، وإن روسيا والجمهورية الإسلامية حليفان، ليس في المصالح الاقتصادية فقط، بل أن هناك عمقا روحيا أيضا لهذا التحالف، وهذا يعني أن غارات طائرات روسيا على شعب سوريا حلال، لا يقصد منها سوى محاربة الإرهاب، وإن كان ضحايا الكثير منها من المدنيين!
لا أحد ينكر أن روسيا دولة عظمى، ومن الواضح أن بوتين رجل قوي ويسميه البعض القيصر الجديد الذي يريد إعادة مجد روسيا القيصرية، ولكن روسيا القيصرية أفضل بكثير من روسيا بوتين، أولا من ناحية الإرث الثقافي الذي قدمته للبشرية، من كبار الأدباء مثل دوستويفسكي وتولستوي وبوشكين وليرمانتوف وغوغول وتورغينيف وتشيخوف وغيرهم الكثير، ومن موسيقيين عالميين مثل تشايكوفسكي صاحب بحيرة البجع وكورساكوف صاحب موسيقى شهرزاد، وغيرهما، ثم الإرساليات الروسية إلى المنطقة العربية، التي جاءت لخدمة المسيحيين الأرثوذكس في بلاد الشام (باتفاق مع الدولة العثمانية) فأقامت الكنائس وفيها المدارس والعيادات الطبية، فاستفاد منها أهل البلاد من مسيحيين وغير مسيحيين، مثلهم بهذا مثل البعثات التبشيرية المسيحية من مذاهب أخرى مثل البروتستانت والكاثوليك من ألمان وطليان وإنكليز وأمريكان وغيرهم الكثير في بلاد الشام بشكل خاص، حيث شهد التعليم في الحقبة العثمانية في البلدان العربية تراجعا فاقتصر على تدريس الدين الشفوي بمعظمه، وتراجعت اللغة العربية بصورة خطيرة، بينما ازدهر بناء قصور الولاة على النمط العثماني والحمامات والخانات والتعامل باللغة التركية في مرحلة التتريك، تخللت هذا حروب على النفوذ بين مختلف دول أوروبا والإمبراطورية العثمانية، وتحالفات واتفاقيات متقلبة، فلا الأعداء ثابتين ولا الأصدقاء.
بعد روسيا القيصرية جاء الاتحاد السوفييتي، وشهدت هذه الحقبة قوة عسكرية ضخمة وضعفا كبيرا في المجال الأدبي، حيث تركز الأدب على مديح النظام الاشتراكي الحزبي، وفُرض على الكتاب والشعراء والفنانين ما سمي بالأدب والفن الملتزم ذي الاتجاه واللون الواحد، وبرزت في هذه الحقبة روايات الحرب العالمية الثانية وقبلها قصص الثورة البلشفية وأبرزهم شولوخوف صاحب رواية الدون الهادئ وفي الشعر ماياكوفسكي الذي يقال إنه انتحر احتجاجا على البيروقراطية بعد اختناق روحه، وكان الكاتب غير الموالي للبلشفية يعتبر مرتدا ويُحارب ويُحرم.
إلا أن السوفييت حاولوا تصدير الأفكار الشيوعية والاشتراكية من خلال استيعاب عشرات آلاف الطلاب من دول العام الثالث وتعليمهم على حسابهم، فوصل عدد الطلاب في مرحلة ما إلى 60 ألف طالب كل سنة، وتلقينهم من خلال هذا إلى جانب العلوم والطب والفكر الإشتراكي الشيوعي، كي يعودوا معبأين به إلى بلدانهم، وبالفعل كان لهؤلاء تأثير في بعض البلدان في أفريقيا وأمريكا اللاتينية، وفي بعض الأحزاب في البلدان العربية، إلا أن الضربة القوية للسوفييت كانت بعد تورطهم في احتلال أفغانستان، الأمر الذي مزق هيبتهم وأضعفهم وأنهكهم اقتصاديا وعسكريا. إضافة للفساد وسوء الإدارة والقمع الذي أنهك المنظومة الاشتراكية كلها التي تمردت على المركز (موسكو) حتى تفككت، وكان هدم سور برلين وتوحيد ألمانيا مرحلة جديدة ونقلة سياسية واقتصادية في العصر الحديث وبداية مرحلة جديدة.
فلاديمير بوتين الرئيس السابق لجهاز المخابرات الروسي القمعي الشهير الكي- جي- بي، والرجل الأقوى في روسيا منذ العام 2000، إما كرئيس لروسيا، أو كرئيس لوزرائها، لم يرسل الإرساليات لافتتاح المدارس وهذا لم يعد مطلوبا، ولم يستوعب عشرات آلاف الطلاب من العالم العربي والإسلامي، ولا يشع على العالم أدبا وموسيقى وفنونا، لم يعد لديه سوى تصدير السلاح ومافيات التجارة في الرقيق الأبيض، في فلسطين مثلا بات الروس من يهود وغير يهود هم الأكثر عنصرية، ولبوتين مع قادتهم مثل ليبرمان ومع رئيس حكومتهم نتيناهو علاقة خاصة جدا.
بوتين سكر بخمرة القوة، ويريد فرض قيصريته بقوة السلاح التي ستثبت له فشلها، يهدي بطحة فودكا لبيبي نتنياهو على خلفية التنسيق في الأجواء السورية مع إسرائيل وفرنسا وغيرها من دول غربية، ويهدي باليد الأخرى للسيد علي خامنئي قرآنا على خلفية التنسيق ذاته مع القوات الإيرانية المحتلة في سوريا!
كل هذا يجري تحت مسمى محاربة إرهاب الجماعات الإسلامية المتطرفة، حتى باتت هناك فرضية تكاد تصبح قاعدة بأن العلماني مهما كان فهو أفضل من المتدين!
الواقع ليس كذلك، وكونك علمانيا لا يعني أنك ملتزم بالقوانين نفسها التي وضعتها العلمانية لنفسها، فأين العلمانيون من حقوق الإنسان التي نصت عليها معاهدة جنيف!
أين العلمانية من العدل لشعب خرج مطالبا بحقوقه فذُبح! وهل يقدم نظام الاستبداد الأسدي الذي تدعمونه الحد الأدنى من حقوق الإنسان الذي تتحدثون عنه!
أين العلمانيون من العلمانية التي تُحمّل طفلة فلسطينية تُعدم ميدانيا بعد إصابتها، وذلك لأنها قاومت الاحتلال بمقص! أمريكا العظمى رمز الحرية، تقف إلى جانب المحتل ضد طفلة حملت مقصا! كيري يدين الأطفال ويبرّئ الاحتلال!!
أين روسيا وفرنسا وأمريكا وإيران المسلمة من أطفال سوريا الذين أحرقتهم الغارات مثل ليمار الطعاني وعائلتها في درعا والآلاف مثلها! لماذا يتباكى العلمانيون على ضحايا إرهاب داعش ولا يبكون على ضحايا القصف الجوي من المدنيين! إن معاداة المظاهر الدينية من لحية وحجاب والتهكم عليها وعلى أصحابها ليست بأي حال شهادة تفوق أخلاقي لصالح العلمانية والعلمانيين! بالضبط مثلما أن الجبّة واللحية والصلاة والدمغة على الجبين والمسبحة والعمامة بيضاء أو سوداء أو خضراء لا تعني التفوق الأخلاقي على العلماني أو حتى اللاديني! فالمقياس الحقيقي هو ما تفعله اليدان وينطق به اللسان.
ما أتمناه أن يكون إسقاط الطائرة المتقدمة جدا (السوخوي 24) صفعة توقظ بوتين من خمرة الوهم بأن القوة قادرة على كل شيء! وأن تكون مدخلا للتوصل إلى تفاهمات أكثر جدية لوقف النزيف على الأرض السورية! وبداية استيعاب بوتين بأن الأسد ليس الحصان الذي يراهن عليه حتى النهاية، بل عليه أن يسعى في تعجيل نهايته، لوقف تدهور الوضع إلى ما هو أخطر بكثير ليس فقط لشعوب سوريا وتركيا والمنطقة، بل لشعب روسيا العظمى نفسها كذلك.
سهيل كيوان

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات