بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
حوار مع المعارض والكاتب السوريّ الدكتور حازم نهار
  24/12/2015

 

مجلة صوَر تحاور المعارض والكاتب السوريّ الدكتور حازم نهار

الصراع على مناطق النفوذ وإثبات الوجود والقوّة لهما الدور الرئيس فيما يجري في سوريا

حاوره: معاذ حسن


إذا بدأنا حوارنا من التغيّرات الراهنة على الخارطة السياسية والعسكرية فمن الطبيعيّ أن نجد عدداً من التحليلات والتأويلات في قراءة المشهد، وهنا أقصد بالتحديد تداعيات التدخّل الروسيّ في المنطقة. وفي هذا الصدد ثمّة جملةٌ من المعطيات أودّ منكم التعليق عليها ليتّضح المشهد أكثر:
1ـ تراجع الهيمنة الأمريكية في القضايا العالمية.
2ـ النظام الروسيّ وحضوره كدولةٍ عظمى.
3ـ قلب روسيا لميزان القوّة العسكريّ بما يتناسب مع مصالحها في المنطقة.
4ـ الإسلام السياسيّ كعدوٍّ قديمٍ لروسيا.
5- انعكاس التدخل الروسيّ على الدور الإيرانيّ في مجريات الأحداث.

على العكس مما هو شائع، لا أعتقد أن الهيمنة الأميركية تراجعت في العالم، لكن هناك سياسةً جديدةً لأميركا في ظلّ إدارة أوباما، كانت واضحةً منذ أعلن برنامجه الانتخابيّ لولايته الأولى، خصوصاً أنه جاء عقب جورج بوش الابن الذي خاض حروباً استباقيةً فاشلةً في مناطق عدّةٍ من العالم. وقامت هذه السياسة الجديدة على الانسحاب من بؤر التوتر تلك، أي العراق وأفغانستان. لذلك كان من المهمّ إدراك أن أميركا لن تتدخل عسكرياً بوضوحٍ في سوريا، خصوصاً لمصلحة الثورة. مع ذلك لا يعني هذا التراجع العسكريّ الظاهريّ للدور الأميركيّ تراجع الاهتمام الأميركيّ بالعالم أو تراجع الهيمنة الأميركية. ولنلاحظ أن إدارة أوباما قد حققت مثلاً، في زمنٍ قصيرٍ، جملةً من المصالح الأميركية الكبيرة عبر سياستها الحالية بالابتعاد عن التدخل المباشر، ودون خساراتٍ مباشرة: نزع السلاح الكيماويّ السوريّ، تقييد الملف النوويّ الإيرانيّ، تحقيق أمن إسرائيل لفترةٍ طويلة، وضع روسيا في مواجهاتٍ سياسيةٍ وعسكريةٍ في مناطق متعدّدةٍ ولأمدٍ غير معروف، نشر حالةٍ من سباق التسلح في مناطق متعدّدةٍ (إيران-الخليج مثلاً) تدرّ أموالاً على أميركا، ضرب تطلعات شعوبٍ عديدةٍ نحو بناء أنظمةٍ ديمقراطيةٍ قد تكون خطراً على مصالح أميركا وحلفائها.


أما بالنسبة إلى روسيا فهي، في الحقيقة، ليست دولةً عظمى. روسيا ليست الاتحاد السوفياتي. هي دولةٌ "عالمثالثية" كبيرةٌ وقوّيةٌ، إن صحّ التعبير، تحاول، مع القيصر بوتين، أن تظهر وكأنها دولةٌ عظمى. وأرقام الاقتصاد والتنمية والتعليم والإدارة والمعيشة تؤكّد ذلك.
صحيحٌ أنه هناك مصالح لروسيا في المنطقة، لكنها لا تفسّر السياسة الروسية ضيقة الأفق التي حاولت جاهدةً، ولا تزال، المحافظة على نظامٍ متهالكٍ فات أوانه. وكان بإمكانها أن تقدّم مبادراتٍ مبكّرةً مقبولةً من الشعب السوريّ وتحقق مصالح روسيا في الوقت ذاته، لكن السياسة البوتينية تقوم على محاولة مدّ القامة الروسية إلى أقصى مدىً ممكن، ولو على أسسٍ هشة، والظهور بمظهر الدولة العظمى من جهةٍ، ومحاولة الحصول على مصالح أخرى في مناطق أخرى من العالم، عن طريق المقايضة في سوريا، من جهةٍ ثانية. وهذا كله يجري على حساب الشعب السوريّ.
عملت روسيا، طوال السنوات الماضية، على المحافظة على النظام السوريّ. ومؤخراً فرضت وجودها العسكريّ في سوريا، والذي لا اسم له بالطبع سوى العدوان الروسيّ، بهدف تغيير ميزان القوى لمصلحة النظام بعد التراجع العسكريّ الكبير لقوّاته وميليشياته. وهو الأمر الذي يسمح لها بتحقيق عدّة أهدافٍ؛ أولها منع قيام منطقةٍ آمنةٍ في شمال سوريا بدعمٍ تركيٍّ، يمكن للمعارضة أن تنطلق منها، وثانيها الدخول في تسوياتٍ ومقايضاتٍ مع أميركا والغرب عموماً، وثالثها درء خطر الجماعات الجهادية الإسلامية. خصوصاً أن روسيا محاطةٌ بعددٍ من الدول الإسلامية التي كانت تابعة للاتحاد السوفياتيّ السابق، وهناك تجربةٌ روسيةٌ مريرةٌ لا تزال في أذهان القادة الروس عندما أسهمت مثل هذه الجماعات في إسقاط الاتحاد السوفياتيّ بدعمٍ أميركيٍّ وسعوديّ.

هذا الخطر الذي تمثله الجماعات الإسلامية المتطرّفة خطرٌ حقيقيٌّ على الجميع، خصوصاً شعوب المنطقة. لكن ينبغي هنا إبراز ملاحظتين مهمتين؛ الأولى أن ولادة هذه الجماعات جاءت نتيجة تكاتف عدّة عناصر، يأتي في طليعتها وجود نظامٍ (إرهابيٍّ) كالنظام السوريّ، ودفاع روسيا وإيران عنه، وعدم اكتراث أميركا بمسار الحوادث في سوريا، أما الملاحظة الثانية فهي أنه لا صدقية لهذا الشعور بخطر الجماعات المتطرّفة ما لم يتمّ الإقرار بخطر بقاء سلطة الحكم في سوريا، على الأقلّ من ناحية تشكيل سابقةٍ خطرةٍ بسماح العالم لطغم حكمٍ إرهابيةٍ بالاستمرار، وفرض منطق القوّة في العلاقات الدولية كأساسٍ وحيدٍ، بما يدمّر منظومة الشرعية الدولية ويخلق حالةً من الفوضى تقوم على أن صاحب القوّة يستطيع في الأحوال كافةً فرض وجوده والإفلات من العقوبة.
هناك تقاطعاتٌ واختلافاتٌ بين روسيا وإيران، فهما متفقتان على تعديل ميزان القوى لمصلحة النظام السوريّ، وعلى استمراره مع تعديلاتٍ طفيفةٍ تسمح لمعارضةٍ هشّةٍ وغير مؤثرةٍ بالمشاركة الصورية في الحكم، لكنهما تختلفان في الآليات، فإيران ترى ذلك من خلال إنشاء ميليشياتٍ سوريةٍ مذهبيةٍ، ومشاركة ميليشياتٍ طائفيةٍ من لبنان والعراق في الدفاع عن النظام السوريّ، وجميعها تنظيماتٌ إرهابيةٌ داعشيةٌ لكن بمذهبٍ دينيٍّ مختلف، بينما ترى روسيا أن الآلية من خلال دمج جميع القوى في جيش النظام. وهذا الاختلاف لا بدّ سينتج تبايناتٍ في الواقع الميدانيّ، خصوصاً أن البيئة الموالية للنظام أقرب إلى القبول بالدور الروسيّ من الإيرانيّ.

العنوان العريض حول التنسيق الروسيّ الإسرائيليّ هو تجنّب وقوع صدامٍ بين طائرات البلدين في الأجواء السورية... ما الذي يدور تحت الطاولة برأيك، في ضوء ما قاله "أفرايم هليفي"، رئيس الموساد السابق، بأن روسيا لن تستطيع إنقاذ نظام الأسد؟ وأيضاً ما صرّح به نتنياهو، أثناء لقائه الأخير بالرئيس الروسيّ بوتين: سنواصل الدفاع عن خطوطنا الحمراء وأقترح أن لا يختبرنا أحد.

أيّ وجودٍ عسكريٍّ جديدٍ في بلدٍ مثل سوريا لا بدّ أن يكون برضىً إسرائيليّ، ولأهدافٍ لا تصطدم مع السياسة الإسرائيلية، وإلا لوجدنا سلوكاً إسرائيلياً مختلفاً. إسرائيل تتحسّس مصالحها وتوازنات القوى في المنطقة جيداً، فهي مستعدّةٌ للتدخل العسكريّ في حالاتٍ قد تبدو بسيطةً جداً مقارنةً بالوجود العسكريّ الروسيّ في سوريا، كأن تردّ عسكرياً وبقوّةٍ كردّة فعلٍ على سقوط قذيفة هاون في الجولان. لذلك لا بدّ أن تسبق الوجود الروسيّ في سوريا تفاهماتٌ روسيةٌ إسرائيلية، وأن يستتبعه تنسيقٌ بين الجانبين حول حدود التدخل وغاياته وآلياته، خصوصاً من الناحية العسكرية.
كما تسعى إسرائيل دائماً إلى أن تكون داخل المجتمع الدوليّ وفي أزماته ومشكلاته، تعويضاً عن شرعيةٍ مفتقدة، وعن رفضٍ مزمنٍ لها في المنطقة، وفي كثيرٍ من الأحيان تكون التصريحات الإسرائيلية لخدمة هذا الغرض. مع ذلك لا بدّ من الانتباه إلى أن إسرائيل تخشى في لحظات ضعف النظام السوريّ أن يسعى إلى خلط الأوراق في المنطقة، كأن يفتح معركةً معها، وهنا ستتصرّف إسرائيل بوصفها إسرائيل، أي ستقوم بالردّ بغضّ النظر عن الأطراف الأخرى ومصالحها. يضاف إلى ذلك أن قضية الجولان حاضرةٌ في عمق الصراع على سوريا وفي سوريا، والتصريحات الإسرائيلية تصبّ أحياناً في خانة التلميح إلى أن إنقاذ النظام السوريّ غير ممكنٍ من دونها، وهذا معناه ضرورة التعامل معها، سواء عسكرياً فيما يتعلق بالجبهة الجنوبية أو سياسياً بعقد صفقةٍ سرّيةٍ أو علنيةٍ حول الجولان، وربما فلسطين.

مما لا شكّ فيه أن بوصلة الحروب وغرف عملياتها تستأذن الاقتصاد في كلّ شيء.. حبّذا لو قدّمتَ لنا قراءةً سريعةً لمصالح الأطراف التي تدخّلت في إدارة الصراع على الساحة السورية؟


لا أعتقد أن الاقتصاد كان عنصراً رئيسياً في خلفية المواقف الإقليمية والدولية تجاه الوضع في سوريا، خصوصاً في البدايات، فالصراع على النفوذ السياسيّ والإمساك بالقوى الفاعلة كان لهما الدور الأكبر. لكن ربما في ما بعد أصبح للعوامل الاقتصادية دورٌ عندما أصبحت المشكلة السورية مشكلةً عالمية، وتحوّل الصراع من صراع شعبٍ ضد طغمةٍ حاكمةٍ إلى صراعٍ إقليميٍّ على سوريا وفي سوريا.
كانت هناك مصالح اقتصاديةٌ لتركيا وقطر مثلاً في سوريا قبل الثورة في عام 2011، وكان بإمكان الدولتين الحصول على منافع اقتصاديةٍ كبيرةٍ فيها بوجود النظام السوريّ. وحاولت الدولتان، طوال ستة أشهرٍ على الأقلّ بعد انطلاق الثورة، دفع النظام نحو القيام بعددٍ من الإصلاحات في ظلّه، أي مع استمراره. أما السعودية والكويت فقد ظلتا تقدّمان المساعدات المالية للنظام طوال السنة الأولى من الثورة. وطوال عامي 2011 و2012 كانت مواقف السعودية باهتةً وغير حاسمة، وحدث التبدّل بعد إدخال النظام السوريّ لإيران وميليشياتها إلى سوريا.
اليوم أصبح للعوامل الاقتصادية دورٌ مؤثر. فخفض أسعار النفط –مثلاً- كان لأهدافٍ سياسيةٍ، إذ تريد أميركا والسعودية من ورائه الضغط على السياسة الروسية، وردّت روسيا بالتدخل العسكريّ في سوريا أملاً في تغيير الأسعار، إلى جانب أهدافٍ أخرى بالطبع. على العموم تبقى المصالح الاقتصادية في حاجةٍ إلى دراسةٍ دقيقة، مع قناعتي أن الصراع على مناطق النفوذ وإثبات الوجود والقوّة لهما الدور الرئيس في ما يجري في سوريا.

بالنسبة إلى الأصوليات الدينية كلاعبٍ أساسيٍّ على الأرض، كيف يمكن للدولة الحديثة الديمقراطية احتواء هذه الأصوليات في ظلّ حضورها الأيديولوجي المتطرّف وامتلاكها قوّةً عسكريةً واقتصاديةً فاعلةً على الأرض؟.. أم أنكم تنظرون إليها كظاهرةٍ فقط؟ وإذا كانت كذلك فما هي عوامل زوالها؟

تنمو الأصوليات الدينية في بيئة العجز والفشل وانسداد الآفاق السياسية وانعدام الأمن والآمال في تحسّن المعيشة الاقتصادية، لكن عندما تعود الأمور إلى السياسة سيتضاءل دور هذه الأصوليات بالضرورة. ومن المهمّ الاقتناع بأنه مهما طال وقت الحروب فإنها تبقى في الحصيلة مؤقتةً، بينما السياسة هي التي تتصف بطابعٍ استمراريّ.
كلّ خطوةٍ نخطوها باتجاه الدولة الوطنية الديمقراطية الحديثة تبعدنا خطواتٍ عن التطرّف بأشكاله كافة، الدينيّ والطائفيّ والعرقيّ، وكذلك التطرّف الذي يرتدي لبوساً علمانياً كاذباً وهشاً، لأن هذا النمط من الدولة هو الوحيد القادر على خلق شعبٍ جديدٍ، متماسكٍ على الرغم من تنوّعه على المستويات كافة، والشعب هو الوحيد القادر على هزيمة التطرّف من كلّ لون.
تستطيع القوّة العسكرية أن تفرض حقائق ووقائع سياسيةً بشكلٍ مؤقت، أما البناء والاستمرارية فيحتاجان إلى السياسة والإدارة والاقتصاد، فضلاً عن الحاجة إلى إجماعٍ وطنيٍّ وشعبيّ. وهذا كله غير متوافرٍ، ولا يمكن أن يتوافر لدى الأصوليات من أيّ نوع، الدينية والمذهبية والعرقية والأيديولوجية.

في الحديث عن التقسيم، لا شكّ في أن حضوره الحاليّ في المجتمع بات واضحاً بحسب الانتماءات العرقية والطائفية والأيديولوجيّة، ما قولكم في تداعياته وأبعاده إن أصبح واقعاً مفروضاً على الخارطة السياسية والجغرافية؟

على الرغم من الحديث الواسع على المستويات كافةً، داخلياً وخارجياً، حول التقسيم، لا أظن أن هذا الأمر وارد. فليس من مصلحة الدول الإقليمية والكبرى تقسيم سوريا، اللهم ما عدا إسرائيل وإيران في حال وصل النظام السوريّ إلى السقوط فعلياً. فتقسيم سوريا يعني إعادة تشكيل خارطة المنطقة كلها، تركيا والعراق والأردن، وربما يكون للأمر انعكاساته على لبنان ودول الخليج، خصوصاً السعودية، وحتى إيران يمكن أن ينالها بعض الأثر.
في الداخل السوريّ لا توجد حظوظٌ للتقسيم أيضاً، لا جغرافياً ولا ديموغرافياً، فضلاً عن أنه لا توجد إرادةٌ أو رغبةٌ مجتمعيةٌ حقيقيةٌ في التقسيم. وما نسمعه اليوم من أصواتٍ مطالبةٍ به لا تعدو كونها أصواتاً مؤقتةً بحكم الوضع المعقد والتنافر السياسيّ والقلق الدائم، ففي لحظةٍ سياسيةٍ أخرى مستقرّةٍ سيكتشف الجميع عدم إمكانية التقسيم ومخاطره على الجميع.

بالعودة إلى التدخّل الروسيّ في سوريا، ما هي أغراضه غير المباشرة، إذا وضعنا نصب أعيننا أن التدخّل العسكريّ الحاليّ ليس لحسم المعارك الدائرة، وصلاحياته محدودةٌ في مساعدة الأسد على الحسم وخروجه منتصراً في الميدان العسكريّ؟

جاء التدخل الروسيّ لمنع انهيار النظام السوريّ بعد الخسائر التي مني بها جيشه وميليشياته، ولمنع إنشاء المنطقة الآمنة برعايةٍ تركية، وبعد الضيق الذي أصاب موالي النظام من إيران ومجموعاتها الطائفية التي لا تختلف عن تنظيم "داعش" في الحصيلة.
أيّ حربٍ تخوضها أيّ قوّةٍ هي، في الحصيلة، من أجل فرض حلٍّ سياسيٍّ يلائمها. وروسيا تسعى من تدخلها إلى فرض الحلّ السياسيّ الذي تراه يتوافق مع مصالحها، لكنها تدرك أن الانتصار العسكريّ الشامل غير ممكنٍ، وأن الباب مفتوحٌ في الحصيلة على تسوياتٍ سياسية، وهي تسعى في هذه التسوية إلى ضمان نفوذها في سوريا والمقايضة في مناطق نفوذٍ أخرى في العالم.
أعتقد أن عقدة أيّ تسويةٍ في سوريا، منذ البداية وحتى اليوم، هي "دور الأسد ومصيره". وأرى أن روسيا، بعد وجودها العسكريّ المباشر، لا مشكلة لديها في رحيل الأسد تدريجياً، خصوصاً أنها تنظر إلى نفسها على أنها عنصر أمانٍ للبيئة الموالية للنظام، على العكس من إيران. ستُحلّ هذه العقدة باعتقادي، عاجلاً أم آجلاً، لناحية رحيل الأسد، فاستقرار الوضع غير ممكنٍ دون ذلك، لكن بعد ضمان طبيعة النظام السياسيّ الجديد في سوريا.

بعيداً عن تعريفات السياسة بين فنّ الممكن ولعبة المصالح وما إلى ذلك من مضمونٍ يحوي مفهوم الشطارة.. لقد أدّى الفشل السياسيّ للمعارضة إلى غياب الاحترام والصدقية لدى السوريين تجاه من يمثل المستوى السياسيّ لثورتهم على اختلاف التسميات والمحاولات. وسؤالي هنا، هل لدينا أيّ احتمالاتٍ لملء هذا الفراغ؟ وربما سأسأل: ما المناخ المطلوب لولادة قوّةٍ سياسيةٍ وطنيةٍ حقيقيةٍ فاعلة؟

كما قلت في مرّاتٍ عديدةٍ، لم يكن للسياسة أيّ حضورٍ في تعاطي القوى المسمّاة "معارضة سورية" مع المجتمع الدوليّ أو حتى في توجيه خطابٍ وطنيٍّ إلى الشعب السوريّ. فكنا محشورين بين اتجاهين؛ معارضةٌ أيديولوجيةٌ باهتةٌ ومتعاليةٌ وانتهازيةٌ في بعض المواقف ومهزومةٌ سلفاً، ومعارضةٌ غوغائيةٌ شعبويةٌ لا تتقن أيّ مستوىً في العمل السياسيّ.

بوضوحٍ وصراحةٍ أقول إن الخطوة الأولى نحو بناء قوىً سياسيةٍ وطنيةٍ حقيقيةٍ هي إدارة الظهر بشكلٍ نهائيٍّ للقوى القديمة، والقطيعة مع ثقافتها السياسية التي هي جزءٌ أصيلٌ من ثقافة الاستبداد، بل لدى معظمها ركائز الخطاب السياسيّ ذاته للطغمة الحاكمة، وبعضها الآخر بنى سياسته كلها على ركائز ثأريةٍ وانتقاميةٍ مخيفةٍ وغير مطمئنة.
الخطوة الثانية هي الإقرار بأهمية ذهاب الشباب السوريّ في اتجاه السياسة والعمل السياسيّ، والمساهمة في بناء قوىً سياسيةٍ وطنيةٍ، غير أيديولوجيةٍ وغير مذهبيةٍ أو عرقية، قوىً تضع بناء الدولة الوطنية الديمقراطية الحديثة أساساً ومنطلقاً، وتحدّد فضاء عملها السياسيّ بحدود سوريا الجغرافية كما هي معرّفةٌ في الأمم المتحدة لا أكثر ولا أقل. وفي أثناء ذلك لا بدّ من الاستفادة من دراسة تجربة القوى السياسية في سوريا ومعرفة نقاط ضعفها وقوتها.
هناك وجهة نظرٍ شائعةٌ تقول إن الوضع الحاليّ غير ملائمٍ للعمل السياسيّ، وأنا ضدّ هذه الرؤية، فالسياسة هي الحياة، وهي مطلوبةٌ في جميع اللحظات، ومن دونها لا يمكن بناء بوصلةٍ لأيّ عملٍ واقعيٍّ يتعلق بالدول والمجتمعات.

أثبتت الجغرافيا البشرية في سوريا ركاكة شعار "الشعب السوري واحد". أيضاً إذا ذهبنا بالتفاؤل إلى حضور سوريا كدولة مواطنةٍ ديمقراطيةٍ مدنيةٍ، كيف هو الشكل الجيوبوليتيكيّ اللازم والمراحل التي يتطلّبها ليتجلّى مفهوم الدولة بعيداً من الانتماءات العرقية والطائفية والأيديولوجيات المتأصّلة في المجتمع؟.. إضافةً إلى ذلك، هل من الممكن أن نتطرّق إلى مفهوم ولادة الدولة الحديثة في ظلّ الشرخ المزمن للتعايش بين أبناء الوطن الواحد؟

الشعب مقولةٌ سياسيةٌ وليست معطىً ناجزاً. فالشعب يُصنع صناعةً، وتقع المهمة الأساسية في صناعته على عاتق الدولة الوطنية أو الدولة العمومية، أو الدولة الحيادية التي ليس لها لونٌ عرقيٌّ أو دينيٌّ أو أيديولوجيّ، دولة جميع المواطنين. وقد ظهر أن الدولة السورية، عبر نصف قرنٍ من سيطرة الطغمة الحاكمة، لم تخلق شعباً سورياً بل مجموعاتٍ سوريةً على أساسٍ عرقيٍّ أو طائفيّ، جمعت بينها بقوّة الأمن والاستبداد لا غير.
لم نكن شعباً بالمعنى السياسيّ، لكن بإمكاننا أن نكون. والمهمة الأساسية والأولى اليوم في هذا الصدد هي بناء الدولة الوطنية الديمقراطية الحديثة، الدولة الوحيدة التي يمكن أن ينتمي إليها الجميع ويدافع عنها الجميع. أما هذه الدولة المطلوبة فهي رهنٌ بوجود قوّةٍ أو كتلةٍ سياسيةٍ وطنيةٍ تفرض وجودها على المجتمع الدوليّ وتحظى بإجماعٍ شعبيّ، ومن دونها لن يكون هناك استقرارٌ في سوريا.

هل لكَ أن تقدّم لنا نظرةً استقرائيةً حول النقاط التالية:
1ـ مسار العمل العسكريّ وارتباطه بعقم التسويات السياسية.
2ـ التبعية الاقتصادية لسوريا بعد انتهاء العمل العسكريّ، وأنت تعلم جيداً ارتباطها بالقرار السياسيّ.
3ـ أبعاد التهجير القسريّ على الهوية السورية، وبالأخصّ لاجئي أوروبا.
4ـ ملامح سوريا في نهاية هذا المطاف.


لا أحد يستطيع اليوم أن يتكهّن بمصير الوضع في سوريا. فالوضع المعقد من جهة تعدّد القوى المتدخّلة في الوضع السوريّ إقليمياً ودولياً، وتشتّت الشعب السوريّ، وعدم وجود نخبةٍ سياسيةٍ وطنية؛ كلّ ذلك يجعل المسارات غير واضحة، ويزيد نسبة الخطر، ويطيل أمد المعاناة السورية.
يمكن القول إن هناك عدداً من النقاط الواضحة التي يُفترض استحضارها في البال عند وضع استراتيجيةٍ وطنيةٍ من أجل المستقبل انطلاقاً من اللحظة الراهنة:

الأولى: لا إمكانية لحسمٍ عسكريٍّ واضحٍ في ظلّ موازين القوى الحالية، فالقوى الإقليمية والدولية المؤيدة لكلّ طرفٍ لن تسمح بانتصار الطرف الآخر. وهذا ستكون نتيجته استمرار التدمير والقتل، والمزيد من تفسخ المجتمع السوريّ.
الثانية: لا توجد أيّ رغبةٍ عالميةٍ أو إقليميةٍ، حتى لدى الأطراف التي تقف ضدّ النظام السوريّ، في السماح للجماعات الإسلامية المتطرّفة باستلام زمام الأمور في سوريا.
هاتان النقطتان مهمتان لبناء استراتيجيةٍ وطنيةٍ سوريةٍ فاعلة، على الرغم من تحكّم العامل الخارجيّ الكبير في الوضع الداخليّ، وهذا معناه ضرورة إيلاء السياسة والعمل السياسيّ أهميةً كبرى، فإسقاط النظام السوريّ سياسياً أهمّ بما لا يقاس من إسقاطه عسكرياً. هل هذا وهم؟ في اعتقادي إن بناء كتلةٍ سياسيةٍ وطنيةٍ واضحةٍ ومتماسكةٍ معناه الواضح والصريح هو سقوط النظام السوريّ، وحتى لو كانت هناك معارك عسكريةٌ ضروريةٌ فإن بإمكان هذه الكتلة السياسية وحدها فحسب أن تدير المعركة العسكرية على نحوٍ منتجٍ وبخسائر أقلّ.
أما الهوية السورية فلا خوف عليها من تزايد الهجرة. الخوف كلّ الخوف يأتي من الفشل في بناء هذه الكتلة السياسية الوطنية، لأن المهمة المركزية لهذه الكتلة هي بناء الدولة الوطنية الديمقراطية الحديثة، الدولة القادرة على تحقيق إجماعٍ شعبيٍّ، وبناء شعبٍ جديدٍ، وهويةٍ وطنيةٍ جديدة.

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات