بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
من «ثورة» تجاوزها الواقع إلى حركة التحرر الوطني
  08/02/2016

من «ثورة» تجاوزها الواقع إلى حركة التحرر الوطني


وسام سعادة


ثمة قضية وطنية سورية، أو هكذا يفترض أن يكون. ما الذي يعنيه ذلك بالتحديد؟ يعني أن الصراع الأهلي، وما يشبك به من تدخلات أجنبية، قد تخطى، منذ سنوات، قضية حق الشعب السوري في اختيار نظام الحكم الذي يريده، باتجاه اعادة طرح شرط وجود هذا الشعب نفسه، أي حقه في تقرير المصير. القضية السورية هي قضية حق الشعب السوري في تقرير مصيره.
يعني ذلك أن مفهوم «الثورة السورية» إذا ما أريد ربطه بقضية حق الشعب السوري في تقرير نظام الحكم الذي يريده صار مفهوماً من الطبيعي أن يتجاوزه الواقع، باتجاه اعادة تنبيت مفهوم «حركة التحرر الوطني». سوريا الراهنة بأمس الحاجة لاعادة التقاط مفهوم حركة التحرر الوطني ولاعادة التقاط مفهوم الوطنية كشيء ينبغي تحقيقه استرداداً بسحبه من براثن الامبريالية، نعم الامبريالية هذا المفهوم الذي يزداد راهنية، رغماً عن سذاجة الليبراليين العرب الذي أعتقدت بأن ثرثرتها الخاوية تؤمن مستلزمات تسريحه.
الشعب السوري ليس ممنوع فقط من ايجاد نظام الحكم الذي يريده. هو ممنوع من أن يكون مثل بقية الشعوب الأخرى على كوكب الأرض. ومعظمها لم يختر نظام الحكم الذي يريده، وبعضها يقاسي ما كان يقاسيه الشعب السوري نفسه من ديكتاتورية وطغيان قبل انطلاقة الثورة، لكن الشعب السوري يواجه ما هو أكثر كارثية: ليس الاستبداد بحد ذاته، ولا الطغيان، وانما نظام استطاع تحويل احتضاره إلى شيء حيوي، إلى نظام احتضار دموي مزمن، ويتمكن عند كل منعطف من تأمين الوقود المحلي أو الاقليمي أو الدولي لاستمراره على هذا الشكل التدميري لسوريا المجتمع والكيان.
«الثورة السورية» بالمعنى الأول، المتصلة بحق الشعب في اختيار نظام الحكم الذي يريده صارت وراءنا. وهذا ما يدركه النظام باعتماده حجة بلاغية يتيمة لا يردد سواها، ومختصرها أنا ديكتاتوري ومن يعارضني ديكتاتوري لكن اما أعجز مني واما أكثر رجعية. وهذا ما تدركه عواصم القرار عندما تستبعد الحديث الجدي عن انهاء حكم آل الأسد. لكن، الاصرار في المقابل على الموقف الآخر، الموقف الذي لا يزال ينظر إلى القضية السورية كقضية حق اختيار نظام الحكم، هو اصرار تائه زمنياً. النظام لن يرحل إلا بانتقال السوريين من عقلية «الثورة» لاختيار نظام الحكم الذي يريدونه إلى عقلية «حركة التحرير الوطني» التي تعيد الكرة إلى الملعب الاول: ليس الصراع على النظام، على جهاز الدولة، بل الصراع من أجل حصول تأمين انسحاب كافة القوى الأجنبية من سوريا، سواء كانت تتبع مباشرة لدول، أو تتبع لهذه الدول مواربة، أو كانت منظمات متطرفة ودموية عابرة للحدود.
بالتوازي، وحده الانتقال من عقلية «الثورة السورية» وشعاراتها التي صار تداولها الآن نوستالجياً أكثر منه راهنياً إلى منظار حركة التحرر الوطني للشعب السوري، بامكانه اعادة تركيب اجماعين وطنيين: واحد يتصل بانسحاب غير السوريين من الصراع السوري، بدلاً من محاولة كل طرف ان «يعزم» رعاته على سوريا لمواجهة رعاة الطرف الآخر، وثان يتصل باعلان «السلام» كهدف سياسي ثوري بامتياز يعني جميع السوريين. السلام زائد انسحاب غير السوريين من سوريا: هذان هدفان يدشنان حركة تحررية وطنية حقيقية.
لقد وصلت التمردية المذهبية في سوريا إلى طريق مسدود، فشلت في ان توحد الانسجة الاكثرية من المجتمع السوري بوجه النظام الذي ازداد تفاخراً بطابعه الفئوي الاقلوي. «انوعدت» من الغرب والعرب لكن حلفاء النظام كانوا فاعلين أكثر. والأهم: هذه التمردية المذهبية الأكثروية عاجزة بحكم طبيعتها عن الطرح الجدي والشامل للشعارين الضروريين الآن، انسحاب غير السوريين والسلام، وما يتبعهما طبعاً من عودة اللاجئين.
لقد وصلت هذه التمردية المذهبية إلى طريق مسدود، في وقت وصل فيه واقع الاضطهاد الفئوي لأكثرية السوريين، والدعم الخارجي لهذا الاضطهاد إلى حالة قصوى، لا يمكن مواجهتها بنوستالجيا شعارات من قبيل «الله يحيي الجيش الحر» لوحدها. لا يمكن مواجهتها إلا بالتقاط عصب السياسة، وخلق الاحراج الحقيقي للنظام، لكن فقط عند التحديد النظري إلى ان مرحلة «اي نظام نريد» لم تعد هي المطروحة، وانما حق الشعب في تقرير المصير، وشروط ذلك: انسحاب غير السوريين من سوريا، التفاوض على السلام، اي تجميد الواقع الحربي كما هو الآن كبداية، بصيغة وقف اطلاق نار توسع وتحصن شيئاً فشيئاً، والتأسيس على ذلك عودة للاجئين. أما الطرح البديل: معالجة تدخل بتوهم نجاعة تدخل آخر فهو الكارثة الذهنية عينها!
٭ كاتب لبناني
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات