بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
المقارنة بين النكبتين الفلسطينية والسورية لها حدودها أيضا
  18/02/2016

المقارنة بين النكبتين الفلسطينية والسورية لها حدودها أيضا

المقارنة بين النكبة الفلسطينية والنكبة السورية لها ما يسندها، وهي تفتح بالتأكيد المجال لفهم أعمق لطبيعة هاتين النكبتين. لكنها مقارنة لها حدودها أيضاً، لا بل أن ادراك حدود هذه المقارنة ضرورة أساسية للاستفادة منها، لما فيه الوصل بين عذابات الشعبين البلاد-شاميين، الفلسطيني والسوري، ولما فيه اعادة تأسيس فكرة حركة التحرر الوطني في النطاقين الفلسطيني والسوري.
التطورات الأخيرة، ميدانياً وسياسياً، للكارثة السورية، تدفع أكثر من ذي قبل للتمييز بين النكبتين مع المقارنة بينهما ورؤية المشترك بالطبع.
فبالنسبة للحجم البشري للتهجير الحاصل للسوريين، تعتبر النكبة السورية نكبة فلسطينية مضاعفة أضعافاً عديدة، وبالنسبة للحجم الزمني لشلال الدم، فاقت فظائع الحرب السورية كل ما سبق في المنطقة، وان كانت مغرية هنا مقارنة النزيف الدموي في حرب نظامية بالأساس، هي الحرب العراقية الإيرانية – انما المتوسعة تنكيلاً عرقياً ومذهبياً في الداخل العراقي، مع النزيف الدموي في حرب أهلية بالأساس، انما مؤطرة بالتدخلين الإيراني ثم الروسي، وبتدفق عشرات آلاف الجهاديين من الجهة المقابلة.
ولا شك ان الادغام بين النكبتين يسفه الادعاءات القومية والممانعجية للنظام السوري وحلفائه الاقليميين، واظهار عناصر الشبه مع الدولة الصهيونية من شأنه شرح آلية هذا النظام كاستعمار داخلي للشعب السوري، وكنظام لاوطني بامتياز وليس كاستبداد وطني.
لكن المقارنة يبقى لها حدودها، وان لم يجر توضيح هذه الحدود ستضيع الغاية منها والفائدة. الاختلاف الأساسي بين النكبتين ان نظام الاحتضار البعثي لن تكون له أي من عناصر استقرار المجتمع الاستيطاني والدولة الاستعمارية في التجربة الصهيونية. مثلما ان تغيير الوقائع الديموغرافية الاثنو-مذهبية في سوريا لا يمكنه ان يحول الاقلية اكثرية والاكثرية اقلية، وكذلك الاختلاف الاثني بين السوريين رغم كل التناحر الدموي يبقى له حدوده، ولا يمكن بأية حال اعتباره مجرد تكرار للتناقض بين «الآتي من ما وراء البحار» وبين السكان الأصليين.
هذا النظام نجح في التحول من نظام محتضر إلى نظام احتضار دموي مزمن. نجح بسبب من جملة عوامل، منها انه نظام بني على قاعدة ان سوريا هي مجتمع حرب اهلية دائم لكن المطلوب توجيهها لتكون حرب اهلية من جانب واحد قدر الامكان، وحين لم تعد كذلك حاول ما في وسعه تحويلها إلى حرب اهلية بادارته وحين لم يستطع ادارتها لوحده استنجد بحلفائه مهما كانت شروط هؤلاء الحلفاء. صحيح ان عمر هذا الاحتضار الدموي بالسنوات يقاس، وان خمس سنوات مرت على اندلاع المواجهة تساوي ولاية رئاسية كاملة في بلدان عديدة، وصحيح ان مناخا دولياً دفعته حسابات عديدة، منها في سياق مكافحة الإرهاب، ومنها في سياقات اخرى، للتراجع عن هدف اسقاط نظام آل الاسد، لكن كل هذا لا يعطي هذا النظام عناصر الاستقرار الكيانية التي يحوزها النموذج الاسرائيلي. هو نظام نجح في الافلات من الترقبات المستعجلة لسقوطه، لكنه نظام يحسب استمراريته يوماً بيوم، وكل حديث عن «تمديد» لبشار الاسد يتخطى التمديد له يوماً بيوم هو حديث في غير محله.
بقدر ما تستطيع القوى المواجهة لهذا النظام ان تحول فكرة السلام إلى عنصر في صالحها، وان ترفع شعار سوريا للسوريين وسحب كافة القوى الاجنبية من سوريا، وعودة اللاجئين، بقدر ما انها تستطيع ان تضغط بالاتجاه المعاكس للمناخ الاحباطي الاقليمي او الدولي الذي يريد التأشير إلى انه يمكن للنظام ان «يعوم» من جديد. هو نظام في الاصل لم يسقط، وهو نظام لا يمكن ولو تدخل الكوكب كله ضد الشعب السوري ان يقف مجدداً على قدميه، علماً ان المبالغة بتصوير الكوكب كله كمتآمر على الشعب السوري او متخاذل ليس ايضا مطابقا للواقع ولا يخدم قضية تحرر وسلام وعودة السوريين.
تقسيم سوريا إلى «سوريا نافعة» تحت غلبة علوية – شيعية، والى سوريا نصف ريفية نصف صحراوية تتناحر فيها التنظيمات الجهادية السنية وتنحر هو رغبة مفضوحة عند كثيرين من أنصار «النظام». لكن هذه الرغبة لا يمكن ان تتحقق بالاسناد الجوي والصاروخي الاجنبي وحده، ولا بالاستفادة – ولو كانت استفادة قصوى، من أزمة القوى المواجهة للنظام الأسدي نفسها. هي رغبة تشترط لتحقيقها ان يكون الوجود الاجتماعي الحاضن للنظام والميليشيات المعاونة له مشابهاً للطابع الصناعي الحداثي لمجتمع المهاجرين اليهود في فلسطين الانتدابية، «الييشوف». لكن المجتمع المؤيد للنظام ليس كذلك، ولا يختلف في محددات انتظامه وتعبئته كثيراً عن المجتمع النقيض للنظام، هناك «تماثلية تناحرية» مستعرة في هذه الحرب، وهناك محاكاة لأساليب التدبير الكولونيالي، لكن تحقيق هذا في معناه المنهجي الأشمل هو بكل بساطة مستحيل، وهذه الاستحالة بالتحديد هي خشبة الخلاص الأساسية للشعب السوري، إذا ما استطاعت حركة تحريره الوطنية ان توجد نفسها، بالتقاطها!
٭ كاتب لبناني
وسام سعادة
القدس العربي

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات