بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
هل النظام السوري نظام العلويين؟ الجزء الثاني
  27/02/2016

هل النظام السوري نظام العلويين؟ الجزء الثاني
علاء الدين الخطيب

يعتمد معظم الكلام المتداول في سوريا منذ عقود على أن النظام السوري هو نظام علوي على حجة أساسية هي: “الديكتاتور من الطائفة العلوية والعلويون مسيطرون على الجيش والأمن وأجهزة الدولة”. كانت هذه المقولات منتشرة بالشارع السوري منذ الثمانينات سرا. ومع فجر الثورة السورية في 2011 خرجت للعلن وبقوة كبيرة صاحبها تركيز إعلامي هائل عربي وغربي وسوري معارض وهجوم كبير على صفحات الفيسبوك.
كنا قد بينّا بالجزء الأول من المقال بنية النظام السوري وفق قوائمه الأربعة في هرم السلطة (الجيش والأمن والدولة والمال). وأن هذا النظام استخدم ثلاث وسائل أساسية في ترسيخ حكمه: استمالة الزعماء الدينيين والقبليين والماليين، ترسيخ التفرقة الطائفية والقومية، واليد الحديدية. بهذا الجزء –كي لا نطيل-لن نتطرق للبواعث النفسية والاجتماعية لمقولة أن النظام السوري نظام علوي. لكننا سنذهب باختصار في حسابات رقمية بسيطة تثبت أن الملايين من السوريين بمن فيهم العلويون الذين يصدقون هذ الفكرة هم على خطأ كبير. خطأ بالتحليل يجري للأسف استغلاله من قبل كل الأطراف المتصارعة فوق الأرض السورية لتحييد الإرادة الشعبية السورية. ولن ندخل بمماحكات لا نهائية حول أسماء الضباط والمسؤولين وأهمية كل واحد والحوادث والقصص التي حصلت مع الناس. فحتى في البلاد الديمقراطية العريقة ليس أيسر من انتشار أحكام خاطئة على الوضع السياسي والاقتصادي بين غالبية الشعب.
بالحسابات والأرقام
لن نعود لنقول أن سكان سوريا كانوا 17 مليونا في 1980 فلننطلق من 2010. عدد سكان سوريا كان حوالي 23 مليون إنسان. حسب معظم التقديرات (لا وجود لإحصائيات رسمية طبعا) يشكل العلويون حوالي 10% كحد أقصى من سكان سورية يعني حوالي 2300000 إنسان. لنبدأ بعض الحسابات البسيطة:
· نصفهم مثل أي مجموعة بشرية ذكور ونصفهم نساء. أي أن عدد الذكور بينهم حوالي مليون ومئة ألف.
· من هم بين سن ال18 وال50 سنة حسب وسطي سورية حوالي 50% أي حوالي 600 ألف رجل.
· لنأخذ أقصى التقديرات الممكن قبولها بصعوبة كبيرة حول نسبة العلويين بالجيش ولتكن 50%. وبما أن تعداد الجيش السوري تقديريا كان 300 ألف جندي في 2010 فهذا يعني وفق هذه الفرضية أن عدد العلوية في الجيش العامل هو 150 ألفا.
· من يتبنى هذه الأرقام بالجيش يضيف أنهم يشكلون 90% من أجهزة الأمن بمختلف فروعها. لنفترض أقصى الممكن الصعب بأنهم 70%. وبما أن تعداد قوى الأمن يُقدر بحوالي 100 ألف، فهذا يعني أن عددهم 70 ألفا. أي ما تبقى من الرجال العلويين بسن العمل هو حوالي 380 ألفا.
· وفق نفس هذا التطرف بالتقديرات، ولكي يتم حبك القصة جيدا. يقولون إنهم نصف الجهاز الوظيفي الحكومي بسورية. بلغ عدد موظفي الدولة بسورية في 2010 تقديريا حوالي مليونين ونصف موظف. وإذا خفضنا الرقم الشائع وافترضنا أن نسبة العلويين تبلغ 40% فهذا يعني أن عددهم يصل ل800 ألف موظف. هذا يعني أن 420 ألفا من النساء العلويات موظفات من أصل 600 ألف امرأة علوية بين سني ال18 وال50 سنة.
بالنتيجة لم يبقى هناك علويون ليكونوا طلاب جامعة أو سائقي تاكسي أو people moneyفلاحين أو مهنيين أو تجار أو عاطلين عن العمل أو سيدات منزل بدون عمل. وإذا تذكرنا أن أكبر كتلة حكومية وظيفية هي في دمشق وحلب وتستأثر على الأقل بنصف موظفي الدولة أي أن 400 ألف منهم يعيشون بحلب ودمشق مع عائلاتهم وبفرض العائلة مكونة بحدها الأدنى من خمس أشخاص فهذا يعني أن مليونين علوي يعيشون بدمشق وحلب، يعني لا وجود لهم بمناطق ما يسمى جبال العلويين.
من الواضح حسابيا أن الشائعات السارية بين الناس تقوم على تناقل القصص التي تناسب المزاج العام الموجود بالبلد خلال العقود الأربعة الماضية. وحتى جزء كبير من العلويين لم يمانعوا هذه الشائعات على أساس “صيت غنى ولا صيت فقر”.
أين هي الفائدة المصلحية للسلطة
هنا يظهر جليا ركاكة ادعاء أن النظام السوري نظام علوي. فأي سلطة تسعى للمصلحة، والمصلحة الأساسية والتي بسببها تقوم كل صراعات الدنيا والتاريخ هي المال. فالسؤال الحقيقي: هل فقراء بقية الطوائف بسورية وبالذات السنة أكثر فقرا من فقراء العلويين؟ من الواضح بالتجوال البسيط في الأحياء والقرى المعروفة بنسب سكانها طائفيا أن الفقر هو نفسmaslahaه بين الجميع. السؤال الأهم: هل حصل نقل للثروة خلال 30 سنة كما يدعون من حكم العلويين من الطبقة الغنية السنية التاريخية إلى العلويين؟ أيضا أي جولة بأسواق دمشق وحلب وحماة وحوران وكل محافظات البلد تبين أن كبار الأغنياء والتجار ما زالوا بغالبيتهم من أهل السنة. أما في مجال الصناعة فلعل التذكير بعدد المصانع التي هربت من سوريا من لتركيا وللبنان والأردن بعد 2011 ومن هم أصحابها يبين أن تتركز الثروة.
لنتكلم عن دمشق:
يتجمع نسبة كبيرة من العلويين في دمشق في بعض المناطق مثل مزة 86 والسومرية وعش الورور وبعض القابون والدويلعة. أي زائر من المريخ يمشي بدمشق ويمر بهذه المناطق فأول سؤال سيسأله “أي فقراء يعيشون هنا؟”. طبعا المتعصبون للتفسير الطائفي لا يعدمون حجة بأن سكان هذه المناطق قبلوا بالفقر وشروط الحياة السيئة عشقا بالأسد وحكم العلويين. وهذا كلام لا يستحق مجرد النقاش.
طبعا لا نقول أن لا وجود للأغنياء بين العلويين. لكن نسبتهم لم تطغى على الاقتصاد السوري لتغير طبقة الرأسماليين السوريين حتى مع احتساب كل ثروة عائلة مخلوف أخوال الأسد. البعض للأسف يحاجج أن العلويين كانوا لقرون طويلة من أفقر السوريين خلال الحكم العثماني ويعتبر أن تحسن أحوالهم المادية نسبيا هو إدانة بحقهم متجاهلا حقيقة قانون التطور التاريخي لأي بلد بالعالم. أيضا هذا كلام لا يمكن مناقشته لأن المؤمن به يستحيل أن يغير عقله إن كان به بعض التعقل.
هل كل هؤلاء الملايين على خطأ وهم مجمعون على أن النظام السوري نظام علوي؟
قد يبدو الجواب مستفزا ومتعاليا: نعم، هم على خطأ. وهذا الجواب ليس تعاليا ولا تسفيها لرأي الملايين. لكنها للأسف سنة التاريخ. فلو لم تكن الملايين على خطأ بالعديد من أفكارها لما كان هناك أصلا حكم ديكتاتوري شمل كل دول العالم منذ آلاف السنين، وشمل السوريين والعرب بعد عهد الاستقلالات. فلا يمكن لديكتاتور ظالم أن يحكم شعبا واعيا بالحقيقة والحقوق. لكن حتى بالدول الديمقراطية مثل أوروبا الغربية حيث نسب التعليم والثقافة والقراءة ومستوى الحرية والحياة هو الأعلى بالعالم يمكن بكثير من الأحيان تسيير الملايين تحت ظلاwisdom of crowdل أفكار ومفاهيم خاطئة. منها مثلا: “المسلمون مشاريع إرهابيين” “سبب الأزمة الاقتصادية بأوروبا هو المهاجرين الأجانب” “منح تريليونات الدولارات لكبريات المؤسسات المالية عامي 2009 و2010 هو لمصلحة عامة الشعب الذي دفع هذه التريليونات”.
هذا التصديق يتضافر تماما مع كلام الناس. وكلام الناس لا يحب المعضلات الصعبة. فمن الأسهل عليهم تحميل الذنب على شيطان ما عبقري يضع خططه منذ قرون وقرون من أن يناقشوا العوامل التاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية التي أدت لهذه الحالة. وبما أن دور النخبة العربية شبه معدوم أمام سيطرة المال السياسي على الإعلام فلا يوجد أصلا من يوضح للناس الحقائق.
لا ننسى أن ملايين البشر قبل 100 سنة فقط كانت تصدق أن مرض الصرع هو جني أو شيطان حلّ بجسد الإنسان، والأهم أن كل البشر ولما قبيل القرن العشرين كانت مقتنعة أن الحاكم سلطان مطلق ولا حقوق للأفراد أمامه. ونحن كشعوب ثرنا طلبا للحرية بشكلها السياسي لكننا لم نثر فكريا وعقائديا على بقايا الموروث التاريخي الثقيل حول استسهال التعميم من منطلق “الناس على دين أمرائها”.
لكن لا بد من التأكيد أن الفكرة ليس تعميما أعمى كما يفعل النظام الديكتاتوري الذي يستند على حجة أن الشعب لا يعرف مصلحته لأنه جاهل. الملايين قد تخطيء بحكمها على قضية ما، لكنها أيضا قد تصيب. الحكم والمعيار هو نوع القضية موضع الحكم، وظروف محاكمة الموضوع، والسياق الموضوعي للمشكلة الأساس، وأخيرا التحليل العلمي العقلاني للحالة بشكلها وجوهرها. وهذا بالواقع هو دور النخبة الفكرية التي من المفترض أن تقترح على الناس التوجه الصحيح.
هل العلويون كتلة متجانسة عن غير السوريين
العلويون هم من أقل الطوائف بسوريا خضوعا لسلطان الدين ولموروث الأعراف الطائفية. فهم ليسوا حتى عقائديا مثل الإمامية الإثنى عشرية يدينون للفقيه. بل أقرب للسنة من حيث ضعف سيطرة رجل الدين عليهم. والأهم بتاريخ سوريا الحديث ما شهده العلويون من صراعات بين زعمائهم يكاد يكون أكثر من أي طائفة أخرى. فهم ليسوا كتلة بشرية مغلقة ترفض الانصهار أو الاندماج مع الآخرين وغالبية السوريين لمسوا هذا بحياتهم اليومية. فأكثر الطوائف الدينية تداخلا بالعلاقات العائلية هم السنة والعلويون مقارنة بتداخل المسيحيين مع المسلمين، والدروز مع غيرهم. باختصار لا تقوم الطائفة العلوية على عقيدة الانعزال الطائفي، ولا تملك أصلا مشروعا عقائديا يسعى لتأسيس الدولة العلوية مثلهم مثل كل أقليات سوريا من دروز أو اسماعيلية أو مسيحية أو أرمنية أو شركسية.

(أرجو قراءة دراسة “هل الإسلام دين إرهاب على هذا الرابط للتوسع في منهجية قراءة الجموع البشرية الصحيحة وخطورة الأحكام التعميمية).

الخاتمة
إذا ما هو النظام السوري الحاكم؟ هو باختصار نظام سوري ديكتاتوري شمولي ظالم يشمل أقلية من كل طوائف وقوميات وقبائل الشعب السوري. وقد أوقع ظلمه وقسوته على الجميع من السوريين بدون تمييز حسب الطائفة أو القومية أو المنطقة. أدت الظروف والصدفة التاريخية في الستينات لصعود حاكم ديكتاتور من الطائفة العلوية فتم إضافة سبب لظلم الديكتاتور هو ما اعتاد السوريون عليه تاريخيا من تصنيفات دينية وطائفية وطبقية ومناطقية. فلو حكم سوريا بالسبعينات رئيس سني أو درزي أو مسيحي أو من أي جماعة كان لما اختلف الوضع السوري حاليا كثيرا، والدليل الواضح أن حكام 22 بلدا عربيا هم عرب سنة ورغم ذلك تعيش شعوبهم نفس المأساة السورية.
يحتاج ما حصل بعد الثورة لمقال ثالث ضمن نفس السياق نناقش به الموضوع بحيادية وعقلانية بعيدا عن هيجان العواطف وسيطرة المرويات وتعميمات الخبرات الشخصية الجائرة بالإضافة للحرب الإعلامية الهائلة الهادفة لتعميق الشقوق الطائفية والقومية بسوريا. إنقاذ مستقبل سوريا يستحيل أن يمر عبر تحميل الذنب لطائفة كاملة أو قومية أو مدينة أو طبقة اقتصادية بالمجتمع، أي هروب من مواجهة أسباب المأساة السورية بتعليقها على رقبة بضعة ملايين من الشعب السوري هو بالواقع انهزام مريع أمام النظام السوري الحاكم وهو أهم مسببي المأساة السورية وأمام الصراع الدولي فوق الجسد السوري والذي لا يعبأ بآلهة وأنبياء البشر ودمائهم قدر اهتمامه بالحسابات البنكية.
هذا المقال ليس لنقاش لانهائي حول الخبرات الشخصية وتعداد الأسماء. فالله أعدل من أن يخلق إنسانا ما بعائلة وطائفة ما ليكون بحكم انتمائه لها شريرا.

للعودة للجزء الأول من المقال انقر هنا

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات