بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
العروبة الشقية للبعثَين
  28/02/2016

العروبة الشقية للبعثَين
دلال البزري



حَكمَ حزبا البعث، العراقي والسوري، على أساس انهما قوميان عربيان: "أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة". عروبة تتفوق على "الإشتراكية" و"العلمانية" في أصناف التوصيفات الأيديولوجية، والعواطف التعبوية، والذرائع السياسية. السوريون اليوم، وقد تحرّر لسانهم بعد ثورتهم على واحد من هذين البعثين، يرددون بأن "القومية العربية" التي عاشوا في سجنها لمدة نصف قرن، كانت فكرة غريبة عن واقعهم. اليوم فقط، بعد السقوط التنظيمي للبعث العراقي لما ناله من "إجتثاث"، وفي سوريا، بعدما أصدر بشار الأسد قراراً بـ"حلّ القيادة القطرية لحزب البعث"... صار يمكننا أن نقول، مع أولئك السوريين المنتَفِضين، بأن تلك العروبة التي سكنت يومياتهم بقشرتها السميكة، كانت عروبة تجريدية، شاسعة، بعيدة، لا تمت بصلة، لا بيومياتهم ولا بخطط قياداتهم الملهَمة.
كانت عروبة التنازع بين الأشقاء: منذ البداية، حاملو لواء "الأمة الخالدة" كرهوا بعضهم البعض حتى الموت. نصف قرن بعثي، أو أقل بقليل، كان العراق وسوريا خلاله "أشقاء" أعداء. لم يتمكنا من أن يهضما بعضهما، فتنافسا على مجالاتهما القومية المفترضة، وتقاتلا أمنيا واستخباراتيا؛ وكل مرة باسم عروبة عنيدة، وثّابة، منتصرة. عروبتهما المتوسعة حتى حدود مصر، جعلتهما، هما والقذافي وياسر عرفات، يقودون أشرس الحملات عام 1978، ضد إتفاقية السلام التي وقعها السادات مع اسرائيل بتأسيسهم "جبهة الصمود والتصدي"، الصاخبة والصارخة؛ ومأخذهم الوحيد عليها انها كانت "سلاما منفرداً"، أي سلام لم يأخذ بالإعتبار حقوق العرب الآخرين المحتلة أرضهم. ولكن هذا التنصّل المصري من الحقوق العروبية، شجعهما على خطوات "قومية" وصفوها بـ"الثورية" وقتها، لأنها تدافع، على طريقتهما، عن الأمة العربية؛ فخرج مع هذا الدفاع كل المخزون اللغوي الإنشائي العروبي، كل البلاغة الممكنة، حتى رسخت تلك العروبة بصفتها "الفكر السياسي" للمنطقة.
فكانت أبرز الغنائم القومية، تلك الحرب البلهاء التي خاضهما صدام حسين طوال ثماني سنوات من ثمانينات القرن الماضي ضد إيران الإسلامية الناشئة؛ ومن بعدها غزوه للكويت، لجعلها "محافظة عراقية"... ودائما باسم قومية عربية، دفعت مريديه الكُثر، المدفوعي الأجر أو المصدّقين، إلى منحه لقب "بيسمارك العرب". أما البعث السوري، فكانت حصته "القومية" هي لبنان، "وصايته" القومية عليه، وحدته القومية معه، وكل الترهات التي رافقت ثلاثة عقود من قتل لبنان وإخضاعه إلى مشيئة حاكميه "العروبيين". وكانت أولى الطلّات "العروبية" تلك، إشراف جيش البعث على حصار مخيم تل الزعتر الفلسطيني في بداية الحرب الاهلية اللبنانية عام 1976. ومذ ذاك، لم تتوقف أصناف "المبادرات" العسكرية، أو الأمنية" المشابهة؛ وكانت كلها تجد لنفسها شرعيةً في "المصلحة القومية العليا لكل من سوريا ولبنان".
ولكن في نهاية عهديهما، أخذ "البعثان" شيئا فشيئا يتشبّهان بأنور السادات، صاحب اختراع "الرئيس المؤمن": صدام حسين استنجد بالرموز الإسلامية في العلَم كما في الفعاليات والتنظيمات، وأخذ يلتقط لنفسه صورا وهو راكع، يصلي ويتضرع الى الله. بشار أيضاً لم يختلف كثيرا، بسجوده الاعلامي وتجميعه للرموز الإسلامية، ودعمه، الأمني خصوصا، لتنظيمات وجمعيات إسلامية تحوم حولها الشُبُهات.
خيرة ضباط البعث العراقي، وعلى رأسهم عزة الدوري، كانوا من مؤسسي "داعش"؛ هذا التواطوء البعثي الإسلامي ما زال قائما، وربما بلغ حدّ عدم التمييز بين البعثيين وبين "الجهاديين" الأصليين. البعث السوري كان أكثر دهاء، واشتغل على مستويات عدة: من جهة، يطلق سراح سجنائه الجهاديين، لا يقترب من صوبهم إلا رفعاً للعتب، ويساعد العالم كله على استخدامهم كذريعة لإنقاذ سلطته العزيزة، ليكرّس بذلك تحالفه الموضوعي معهم. ولكنه، من جهة أخرى، يقيم تحالفا عضويا مع أصولية إسلامية أخرى، ينسّق مع ميليشياتها المتعددة الجنسيات، لبنانية عراقية افغانية إيرانية، حول كيفية مقاتلة السوريين، أبناء جلدته المفترضين، ويضعون فوق رأسهم ريشة الهوية المذهبية الشيعية الأصولية، التي لا تقل "جهادية" عن الجهاديين السّنة، الداعشيين؛ ولكنها تتفوق عليها الآن بأنها تحت قيادة أصحاب قومية فارسية مندفعة، متكبرة، و"حصيفة"؛ قومية تخص أولئك القادة وحدهم، ولا تعني الميليشيات المؤتمرة بأمرهم، حاملة الهوية الشيعية، الكاسرة للعروبة وللأوطان، بصفتها عصبية وثيقة، جامعة لمن يمتثل لوليهم الفقيه، حامي المصلحة القومية الفارسية العليا.
هكذا تُرتسم اللوحة وتُختصر: حزبان قوميان، حكما عقودا من الزمن، انتهى بهما المطاف انهما تحولا إلى فرع رئيسي من فروع الجهادية الإسلامية: الأول حكم عليه سياقه ان تكون هذه الجهادية إسلامية سنّية. والثاني، كان مآله ومصدر حمايته إسلامية شيعية. والجهاديتان هدمتا الفكرتين البعثتين الملحقتين بالقومية والعروبة: أولها "الاشتراكية"، التي صُرعت قبل أن تموت مع اقتصاد الحرب المتوحش. الثانية هي "العلمانية"، وتقويضها على يد الجهادية السنية، وكل "الجهاديات"، لا يحتاج إلى حجة؛ تجد تلويناته في الفظاظة الصريحة للعراقيين، مقارنة بفطْنة والسوريين ومكْرهم، العائدين ربما الى تداخل تركيبتهم وتعقدها. مكر يسمح، مثلاً، للبعثي السوري بأن يسمي "المعارضة" التي يتبناها بالمعارضة "الديموقراطية والعلمانية"... أوجه المخادعة لا تنبض عند العروبي البعثي السوري. ولكن المهم بالنسبة إليه، بعدما بلغت قوميته العربية حد الإرتهان لقومية فارسية ذات أيديولوجية أصولية، ان قوميته البعثية أفلحت في مجال غير قومي، مجال طائفي أصولي، هو النظير رقم واحد للأصولية السنية.
لماذا؟ ما الذي يغير حزبين قوميين، فينقلهما، تدريجياً أو مباغتة، وبوتائر مختلفة، من راية الوحدة إلى رايات التفتّت الطائفي والإلتحاق بواحدة من الأصوليتين؟
الإجابة على هذا التساؤل تستدعي "أسباباً" باتت مكرّرة: أسس هذه العروبة نفسها؛ سياقاتها الجيو سياسية، بين إيران وإسرائيل؛ تركيبة المجتمعات، عصيانها على الوحدة وتمسكها بعصبياتها، الما دون عروبية، بل الما دون "قطرية"؛ تسلطية العروبيين، ومن بعدها استبداديتهم و "مآثر" أجهزتهم الامنية؛ العلاقة الملتبسة بين العروبة والإسلام، خصوصا لدى منظّريهم الكبار، مثل ميشال عفلق، الذي أسلم في نهاية حياته؛ طبيعة ثقافتنا الحاملة لشتى الأوصاف السلبية... وكلها "أسباب"، يسهل إدراجها تحت أي عنوان آخر، مثل العلمانية أو الإشتراكية.
ربما "الأسباب" ليست فاعلة في وعينا، أو لم تَعُد تفيدنا، كما كانت تفعل. ربما نحتاج إلى سؤال آخر. أو لا نحتاج أصلاً إلى سؤال. كل ما يلحّ علينا الآن هو الوصف، ثم الوصف، وقد يأتي معه السؤال السؤال.
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات