بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
ليس أمام بوتين وأوباما سوى التضحية بالأسد
  01/03/2016

ليس أمام بوتين وأوباما سوى التضحية بالأسد




د.عماد بوظو

 

 كانت الحسابات الروسيّة مع بداية الثورة السوريّة تقوم على حتميّة انتصار نظام الأسد على الاحتجاجات الشعبيّة السلميّة مهما اتّسعت و تطوّرت طالما لا يوجد أي تدخّل خارجي. و لذلك تركّزت الأولويّات الروسيّة على إفشال أي مشروع في مجلس الأمن أو أي قرار قد يتّخذ ذريعة لهذا التدخّل، كما قامت في نفس الوقت بتقديم كل أشكال المساعدات العسكريّة و الإقتصاديّة لنظام الأسد ليستمرّ بالوقوف على قدميه .

وفي 7 فبراير/شباط 2012، زار وزير الخارجيّة الروسي سيرغي لافروف مع رئيس الاستخبارات الخارجية الروسية، ميخائيل فرادكوف، دمشق، والتقيا مع الأسد، و إتّفق الطرفان على الإستراتيجيّة العامّة للتعامل مع الثورة السوريّة تقوم من الناحية العسكريّة على تطبيق سيناريو غروزني أي التدمير الشامل لأي منطقة أو بلدة أو حي تصدر منه أي حركة تمرّد بينما تتكفّل روسيا في هذا الوقت بمنع الأمم المتّحدة من إتّخاذ أي موقف حتّى ولو رمزي لإدانة نظام الأسد ، كما تقوم الحكومة السوريّة بإجراءات شكليّة توحي و كأنّ هناك عمليّة إصلاح سياسي و قيل أنّ المبعوث الروسي إقترح أن يتم إغراء أحد المعارضين ليقوم بدور رئيس للوزراء !!.

كانت معلومات بوتين و مستشاريه و مخابراته : أن جيش الأسد من أقوى الجيوش في الشرق الأوسط بتعداد قريب من ثلاثمئة ألف عسكري مع سيطرة مطلقة لعائلة الأسد على هذا الجيش نتيجة تركيبته الطائفيّة الّتي تم بناءها خلال السنوات الأربعين الماضية ، فمن المستحيل حسب رأيهم على أي حركة شعبيّة داخليّة أن تشكّل خطرا على إستقرار نظام الأسد . في عام 2012 كانت الثورة السوريّة قد شملت كامل التراب السوري، كما كان المحيطون بالرئيس أوباما يدفعونه للعب دور إيجابي لإنهاء المأساة السوريّة إبتداءا بوزيرة الخارجيّة كلينتون لوزير الدفاع غيتس و رئيس الإستخبارات باتريوس و في محاولة لإمتصاص هذا الموقف الضاغط على الرئيس أوباما وافق الروس في 30 حزيران 2012 على بيان جنيف و الّذي يقوم على تأسيس سلطة حاكمة إنتقاليّة تشرف على عمليّة التحوّل الديموقراطي .

و لكن عندما إطمأنّ الروس فيما بعد أنّ الإدارة الأمريكيّة في الولاية الثانيّة للرئيس أوباما من بداية عام 2013 ليست في وارد التدخّل في سوريا عادوا لمخطّطهم القديم بالقضاء على الثورة و الإبقاء على الأسد ، و لم يعودوا بحاجة لمداراة موقفهم أو إخفاؤه ، كما أدركوا أنّ أي سلطة جديدة في سوريا لن تكون على علاقة حسنة معهم . فكانت بالمحصّلة الأعوام 2013 - 2014 - 2015 هي فترة التخّل الروسي المباشر لإنقاذ الأسد حتّى وصلت في النهاية إلى درجة إرسال قوات عسكرية روسيّة لسوريا في إيلول 2015 و كان الموقف الروسي المعلن طوال هذه السنوات أنّ بشّار الأسد هو الرئيس الشرعي لسوريا، و أنّ ذهابه يعني تفكّك الدولة السوريّة حسب إدّعائهم ، كما قاموا بتنظيم مؤتمرات في موسكو لتفصيل "معارضة" تناسبهم و تناسب تابعهم في دمشق لتكون واجهة لإصلاح سياسي وهمي .

بعد عدّة أشهر إكتشف الروس أنّه لا يكفي أن يتّفقوا مع الأمريكيّين حتّى تصبح كل الأمور بمتناول اليد، و بدأت المؤشّرات المتسارعة على تراجع الموقف الروسي من الموضوع السوري بعد أن أدركوا لا واقعيّة المراهنة على إنتصار الأسد و خصوصا مع عدم قابليّة هذا النظام الديكتاتوري لأي درجة من المرونة. بدأت بتصريحات مندوب روسيا في الأمم المتّحدة بأنّ على النظام السوري الإستماع إلى النصائح الروسيّة إذا أراد "خروجا مشرّفا" من الأزمة، و عبارة خروج مشرّف ملفتة للنظر لما تحمله من احتمالات، أعقبها مباشرة عدّة مقالات في روسيا اليوم و هي "القناة الإعلاميّة الرسميّة الناطقة بلسان السلطة الروسيّة" و من مقالاتها: "كش ملك" مع خلفيّة لرقعة شطرنج مع ملك ميّت و موضوع المقال متى ستتم الإشارة من موسكو بإنهاء الأزمة السوريّة عبر إنتقال السلطة ، ثمّ تصريحات بوتين نفسه بأنّ سبب التدخّل في سوريا هو حماية الأمن القومي الروسي من الإرهاب العالمي الّذي قد ينتقل لروسيا نفسها و عدم ذكر المحافظة على النظام السوري لا من قريب و لا من بعيد كتمهيد حتّى لا تبدو الصفقة الأمريكية الروسية بالتخلّي عن الأسد كخسارة لبوتين، و ليكملها أحد الصحفيّين الروس بالقول إنّ بشّار الأسد عندما يحاول توريط روسيا بمواقف لا تريدها عبر إصراره على التمسّك بالسلطة مثل ذيل الكلب الّذي يريد التحكّم بالكلب !!. بالإضافة لتصريح أحد القادة العسكريّين الروس بأنّهم إكتشفوا بعد تدخّلهم المباشر في سوريا أنّ لدى النظام السوري الكثير من التناقضات الّتي لم يكونوا يعرفونها سابقا.

كانت مؤشّرات التغيير الروسي كثيرة حتّى وصلت إلى وجود تسريبات لا ندري مدى مصداقيّتها عن إقالة أو استقالة لافروف، وإذا تحقّقت فإنّها تعني تحميله مسؤوليّة سياسة المراهنة على انتصار الأسد . بالمحصّلة هناك ما يوحي بأنّ بوتين أدرك استحالة انتهاء المعضلة السوريّة مع وجود الأسد .

أمّا من ناحية الرئيس أوباما فمن التقاليد السياسيّة الأمريكيّة أنّ يترك كل رئيس بعد نهاية حكمه إرثا يذكره له التاريخ كمحصّلة لإنجازاته. و قد بدأت حملة أوباما الإنتخابيّة تحت شعار التغيير لعدم توريط أميركا بمغامرات عسكريّة خارجيّة و المساعدة على حل المشاكل الدوليّة كما حصل على جائزة نوبل للسلام بعد تسعة أشهر فقط من استلامه منصبه و دون أن يقوم بأي إنجاز في هذا المجال . كانت محاولته الأولى "كوسيط سلام" الّتي لم يكتب لها النجاح باتّجاه القضيّة الفلسطينيّة و الّتي اصطدمت بتعنّت اليمين الإسرائيلي و نتانياهو تحديدا و كان مصيرها الفشل، و كانت خطوته الثانية هي الإنسحاب المبكّر من العراق و الّتي إعتبرها كثير من الأمريكيّين و العرب و العراقيّين خطوة متسرّعة أدّت إلى سيطرة إيران على العراق مع كلّ المضاعفات الّتي ترتّبت على ذلك ، فتوجّه نحو المشروع النووي الإيراني و قدّم تنازلات كبيرة في تسوية تهدف لتجميد هذا المشروع بين 10 و 15 سنة فقط، و قد اعتبر أغلب الخبراء والسياسيّين والدول الإقليميّة الاتّفاق ضعيفا وحتّى غير مقبول، أمّا من ناحية القضيّة السوريّة فقد صمّ أذانه عن نصائح مستشاريه و أغلب السياسيّين من الحزبين الجمهوري و الديموقراطي الّذين نبّهوه إلى أنّ عدم القيام بأي شيئ هو خيار خاطئ و ستكون له مضاعفات خطيرة ، و أصرّ على موقفه الّذي انتهى إلى كل ما نراه أمامنا اليوم من مآسي و كوارث، و عندما اقتربت ولاية الرئيس أوباما الثانية من نهايتها بدأ الحديث عن ما سيتركه هذا الرئيس من أثر له يذكره التاريخ، فقالت صحيفة النيويورك تايمز إنّ ما سيكتبه التاريخ عن أوباما هو عار سوريا و ليس الإتّفاق النووي، و يكتسب هذا الموضوع أهميّة خاصّة عندما نذكر أنّ أوباما هو أول رئيس أميركي من أصول إفريقيّة ممّا يشكّل ضغطا مضاعفا عليه للقيام بشيئ ما في الأشهر المتبقيّه له في الرئاسة .

إذا ليس أمام بوتين و أوباما إلّا طريقة واحدة للتكفير عن ما ارتكبوه بحق سوريا خلال السنوات الخمس الماضية و هي القيام بكل ما يستطيعون للتوصّل إلى تسوية تضمن حلّا مقبولا للموضوع السوري و من ثم يحاولون إعادة عرض مواقفهم و الّتي أدّت لكل الكوارث و كأنّها كانت تهدف من البداية للوصول لهذا الهدف و لكن تبقى مشكلتهم هي أنّ كل ما فعلوه و لم يفعلوه خلال هذه السنوات الخمس الماضية موثّق يوما بيوم.
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات