بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
الثورة السورية بعامها السادس: خذلان دولي لا يطفئ نبضها
  15/03/2016

الثورة السورية بعامها السادس: خذلان دولي لا يطفئ نبضها
عبسي سميسم


تدخل الثورة السورية عامها السادس في الوقت الذي تجري فيه مفاوضات غير مباشرة بين ممثلين عن جمهورها، مع ممثلين عن نظام بشار الأسد، الذي قامت الثورة ضده، وذلك بهدف الوصول إلى حل سياسي برعاية أممية، يصرّ ممثلو الثورة على أن ينتهي بهيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات لا وجود لرئيس النظام السوري بشار الأسد فيها، بالإضافة إلى تعديل دستور البلاد وإقامة انتخابات تشريعية برقابة أممية. فيما اعتبر وفد النظام أن ذهابه إلى جنيف هو للتفاوض على حكومة وحدة وطنية برعاية النظام، مبيناً قبيل ذهابه للمفاوضات أن الحديث عن "مقام" الرئاسة خط أحمر، مستمداً قوته من التخاذل الدولي تجاه الثورة السورية، وتسليم ملفها لروسيا التي تسعى بكل الوسائل السياسية والعسكرية لأن يكون الحل السياسي هو إعادة إنتاج للنظام القائم.
وفي الوقت الذي سادت فيه حالة من الإحباط لدى جمهور الثورة نتيجة التراجع في مواقف معظم الدول الداعمة لها وتحقيق النظام تقدّماً ميدانياً بعد تأمين غطاء جوي روسي غير مسبوق، انتفضت معظم المدن والبلدات السورية بتظاهرات حاشدة، خرجت من بين أنقاض المدن التي دمرها النظام، واستعادت الشعارات الأولى التي خرجت من أجلها الثورة، لتحيي الأمل من جديد بأنها مستمرة، وأن حالة الكمون التي مرت بها التظاهرات لم تغيّر بتوجهات جمهورها، خصوصاً في المناطق التي سيطرت عليها بعض التنظيمات الإسلامية التي تمتلك أيديولوجيا خاصة بها لا علاقة لها بأهداف الثورة، والتي أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن تلك التنظيمات لم تستطع أدلجة تلك المناطق.

وقد أدى الموقف الدولي المتخاذل تجاه مطالب السوريين بالحرية والكرامة، نتيجة المصالح الدولية المتشعبة في سورية، إلى انعدام القدرة على تشكيل أدوات ضغط كافية على النظام، الذي استطاع التكيف مع حرب طويلة الأمد، ساهمت بمزيد من القتل والدمار ليصل القتلى إلى أكثر من 200 ألف والمهجرون لأكثر من عشرة ملايين، عدا عن مئات الآلاف من الجرحى، وعشرات آلاف المعتقلين، كما تسببت بتدمير معظم البنى التحتية لمؤسسات الدولة.
منذ انطلاق الثورة السورية، في مثل هذا اليوم من العام 2011، شهدت المواقف الدولية تبدلات جاءت في معظمها لصالح استمرار النظام، الذي لم تتوافر، حتى الآن، الإرادة الدولية لإزالته، على الرغم من كل ما ارتكب من جرائم.
وكان الموقف الأميركي هو أكثر المواقف التي أثرت سلباً على مسار الثورة بسبب التبدلات والانعطافات الكثيرة فيه، خلال السنوات الخمس الماضية من عمر الثورة، فقد حافظ الموقف الأميركي على تردده وسلبيته، مفسحاً في المجال لصعود قوى أخرى إقليمية ودولية، واحتلالها الدور الأبرز في التأثير على مسار الأحداث السورية.
وخلال السنوات الماضية، لم يتطور هذا الموقف أيّ خطوة إلى الإمام، بل تراجع على مستوى الخطاب السياسي، من المطالبة برحيل بشار الأسد باعتباره فاقداً الشرعية، (وفق ما ظل يردد المسؤولون الأميركيون خلال الأشهر الأولى للثورة)، إلى القبول ببقاء الأسد خلال ما يُسمى بالمرحلة الانتقالية التي لا أحد يستطيع أن يعرف متى تبدأ ومتى تنتهي.
هذا الموقف المتردد في دعم الثورة بوصفها تحرك شعبي يطالب بالحرية والديمقراطية ضد نظام ديكتاتوري مستبد، كان أقرب في حقيقته إلى التآمر، وقد اتضح في نهاية المطاف أنه يلتقي مع الموقف الروسي، أو حتى الإيراني، في منع انتصار الثورة السورية، والبحث عن "حل سياسي" يبقي "مؤسسات الدولة"، مع فارق واحد أن روسيا وإيران تريدان الإبقاء على نظام الأسد، أو ما يشبهه، بينما تفضل واشنطن والغرب بقاء الأسد إلى حين إنجاز "المهمة" في تدمير البلاد وتمزيقها، ومن ثم استبداله بنظام ضعيف يتم توليفه في مطابخ أجهزة الاستخبارات الدولية، بعيداً عن إرادة الشعب الثائر، والأهم بعيداً عن الفصائل الإسلامية التي تخشى واشنطن ومعها روسيا من تسلمها السلطة.

والواقع أن ذريعة التخوّف من الفصائل الإسلامية، كانت حاضرة بقوة في مجمل السياسة الغربية والأميركية تجاه الثورة السورية. وبهذه الذريعة لم يتم، حتى الآن، تزويد المعارضة بأيّ أسلحة نوعية، كاسرة لموازين القوى مع النظام، خصوصاً المضادة للطيران. كما أن أسباب التردد في زيادة الدعم للمعارضة، تُعزى دائماً إلى أن قوى المعارضة غير جاهزة لتسد الفراغ الناتج عن سقوط النظام، وأن القوى الإسلامية المتطرفة سوف تستولي على السلطة، وهي ذريعة مردودة لأن هذا التردد والتخاذل في دعم الثورة كان قائماً في الواقع منذ البداية، وقبل ظهور الفصائل الإسلامية المتشددة. ولعل البرنامج الأميركي الضعيف، والذي سرعان ما سقط سقوطاً ذريعاً، لتدريب وتسليح ما يسمى بالمعارضة المعتدلة، يكشف عن عدم جدية واشنطن في دعم هذه المعارضة أو تمكينها من إسقاط النظام.
ويرى كثير من المتابعين أن السياسة الأميركية، والغربية، بوجه عام، تجاه الثورة السورية، تقوم على عدم تمكين أي طرف من تحقيق انتصار ساحق على الطرف الآخر. ويأتي في هذا السياق السماح لبعض الدول الإقليمية بتسليح محدود للمعارضة، أي عدم تمكن النظام من سحقها، وبالمقابل فإن هذا الدعم لا يصل إلى مستوى تمكين المعارضة من الانتصار على النظام.

ولا شك أن أحد العوامل الحاسمة في الموقف الأميركي هي المصالح الإسرائيلية. ومن الطبيعي أن يكون الاحتلال الإسرائيلي سعيداً بتحطيم الجيش السوري، وتخريب البلاد، من دون أن يراق دم جندي واحد من جيشه، وهو يراقب عن كثب سير المعارك، ليس على حدوده فقط، بل في مجمل الأراضي السورية، ويرسل طائراته لقصف أي هدف يرى أنه قد يشكّل في مرحلة ما خطراً عليه.
ولعل طريقة تعامل إدارة أوباما مع قصف النظام لمنطقة الغوطة في ريف دمشق بالسلاح الكيمياوي، يشير إلى أنها كانت مهتمة في الحقيقة بتخليص إسرائيل من السلاح الكيمياوي الذي يملكه نظام الأسد، أكثر من اهتمامها بالقصاص من هذا النظام الذي خرق "الخط الأحمر" للرئيس الأميركي، باراك أوباما، الذي كان قال إن استخدام الكيمياوي سيُواجَه حتماً بردّ عسكري من جانب واشنطن.
أما الدول الإقليمية الأساسية الداعمة للثورة (تركيا والسعودية وقطر)، فقد حاولت في بداية انطلاق الثورة حثّ النظام على إجراء تغييرات سياسية والاستجابة لمطالب المتظاهرين، وحين لم يستجب النظام لمطالبها انحازت لمطالب الثورة واتخذت مواقف ضد النظام بدءاً بقطع العلاقات معه، كما ساهمت الدول العربية منها بإقناع معظم الدول العربية باتخاذ مواقف داعمة للثورة من خلال جامعة الدول العربية.
وعلى الرغم من تقديم تلك الدول كل أنواع الدعم السياسي والعسكري للثورة السورية، إلا أن هذا الدعم كان محكوماً بمجموعة من العوامل التي منعت ترجمته إلى إحراز نصر حاسم على النظام، كان أهمها الضغط الأميركي على تلك الدول ومنعها من تقديم سلاح نوعي يُمكّن المعارضة من تحقيق نصر ميداني حاسم، وذلك بسبب الإصرار الأميركي على المحافظة على حالة الاستعصاء العسكري بين الطرفين. إضافة إلى الخلافات السياسية بين بعض تلك الدول وخصوصاً السعودية وتركيا، والذي أخذ دعمهما للثورة السورية شكلاً تنافسياً تسبّب بعدم خلق جسم سياسي متماسك يمثّل الثورة، وعدم إنشاء نواة لمؤسسة عسكرية بديلة لمؤسسة النظام، بل أصبحت معظم الجهة السياسية التمثيلية للثورة هي ولاءات دول، كما أصبحت الكثير من الفصائل العسكرية عبارة عن فصائل تتبع داعميها الدوليين. ولكن بعد توقيع إيران اتفاقها النووي مع الغرب والذي قابله تقارب سعودي تركي، انتقل شكل الدعم للثورة السورية من شكل التنافس إلى التنسيق والذي أنتج في النهاية الهيئة العليا للتفاوض كجسم يمثل كل أطياف المعارضة.
أما الدول الداعمة للنظام والتي تتمثّل بشكل رئيسي بكل من إيران وروسيا، فقد حسمت موقفها منذ البداية لصالح الحفاظ على النظام. فتدخّلت إيران عسكرياً عبر قوات الحرس الثوري الإيراني وعبر المليشيات التابعة لها في لبنان والعراق، فيما ساندت روسيا النظام سياسياً. إلا أن التطورات الميدانية التي حصلت بعد التنسيق السعودي التركي القطري وتشكيل "جيش الفتح" الذي حقق انتصارات ميدانية كبيرة، دفعت روسيا إلى التدخّل عسكرياً في سورية بالتوافق مع الولايات المتحدة، التي سلّمت الروس قيادة العملية السياسية في سورية، الأمر الذي استغلته موسكو لدعم النظام في استعادة نقاط استراتيجية ميدانياً. كما حاولت روسيا دعم معارضة تتناسب مع الحل السياسي الذي تسعى موسكو لتطبيقه في سورية، فتم إنشاء ما عُرف بقوات "سورية الديمقراطية" التي تنسّق مع الروس والأميركيين والنظام، وهو الأمر الذي لم تنجح روسيا، حتى الآن، في فرضه على المعارضة.
وأدى التدخّل العسكري الروسي في سورية إلى تقلّص الدور الإيراني وتضارب مصالح بين الإيرانيين والروس في سورية، الأمر الذي عبّر عنه عدد من المسؤولين الإيرانيين الذين يتضارب مشروعهم في سورية مع المشروع الروسي.
وفي ظل المواقف الدولية المتداخلة في الشأن السوري، تمكّن النظام من الاستمرار، مستمداً أسباب وجوده من وجود التنظيمات المتطرفة التي نشأت بالتوازي مع فصائل المعارضة، كتنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) وتنظيم "جبهة النصرة"، وذلك من خلال التسويق لنفسه كمحارب للإرهاب، مستغلاً هلع الغرب من وصول الإرهاب إلى أراضيه. كما اتّبع استراتيجية تقوم على الحفاظ على مراكز المحافظات وترك الأرياف التي يصعب السيطرة عليها، مع محاولة خلق فتن في ما بينها، وعلى محاصرة المدن الاستراتيجية بالنسبة له، خصوصاً في محيط دمشق وحمص، وأرغمها على توقيع هدن مؤقتة تمهيداً للسيطرة عليها. وعلى الرغم من خروج محافظتي الرقة وإدلب عن سيطرته، إلا أن النظام لا يزال يسيطر على مراكز 12 محافظة، كما يسعى للحفاظ على الخدمات الحكومية الأساسية حتى ضمن مناطق سيطرة المعارضة من خلال دفع رواتب موظفي المؤسسات الحكومية، التي لا يزال من خلالها يسوّق لنفسه على أنه يمتلك تلك الخدمات ولو بالحد الأدنى، فيما الخدمات البلدية وغيرها والتي تتطلب القسم الأكبر من الميزانيات فقد تخلى عنها ويقوم بقصف كل ما تقوم المعارضة ببنائه في مناطق سيطرتها.
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات