بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
"رجل الالف رجل" فيلسوف العروبة ومفكّرها كلوفيس مقصود... استراح!
  16/05/2016

"رجل الالف رجل" فيلسوف العروبة ومفكّرها كلوفيس مقصود... استراح!


ألف رجل في رجل واحد... "ديناصور"، على ما سمّوه يوما، بحجم جبل الذكريات الذي يقف عليه، ودفق المقالات والمواقف التي جعلته صاحب الخزائن الكثيرة، مع بصمة خاصة اشتهر بها وحده: "الكلفسة"، اشتقاقا من اسمه. عن اقتناع، هجر كلوفيس مقصود النوم من زمن بعيد، ليناضل، ليخترع اللقاءات، ليسافر، لايمانه بان كل نضال او لقاء او سفر يمكن ان يصنع التاريخ. ليكتب ويحلل ويتأمل في حالة الامة العربية، فجرا ظهرا ليلا... ليطعم تلك الذاكرة الشرهة، لينجبها.
انها ذاكرته التي استجمع من "زواياها" 88 عاما، عصارة حياة زاخرة بتجارب كثيرة ووجوه اكثر، بالآلاف... حتى يكاد يُعتَقد ان كل انسان يعرفه، من المنطقة العربية، مرورا بالهند، وصولا الى واشنطن. و"لم يتغيّر" وفقا لعارفيه من زمن بعيد. ابن وادي شحرور الذي نشأ في الشويفات (مواليد 17 ك1 1926- برستو- ولاية اوكلاهوما) استقل باكرا "قطار العروبة" ومشروعها الوحدوي، وبقي امينا لها، في ايام عزها كما في تهاويها. "العروبي الورع"، قيل عنه، "شيخ العروبة" بتعبير الرئيس جمال عبد الناصر.
عندما استقبله في منزله (1957)، سأله: "عامِل شيخ عروبة واسمك كلوفيس؟ ما تغيّر اسمك يا خوي؟". اجاب كلوفيس: "سيادة الرئيس، اقترح بديلا"، فرد: "قحطان". فاردف كلوفيس: "ما في شي بين بين؟" وبقي اسمه عصيا عن التغيير...علامة فارقة. وعندما قرر "الشيخ" كلوفيس ان يكتب مذكراته، "أو بالأحرى استذكاراته"، على قوله، فلرغبته في "ايصال ما اختبرته وعرفته وبعض ما أُنجِز، والأهم ما أخفقت أجيالنا في انجازه، بسبب نقص التخطيط واختزال المراحل".
اولى تجارب "النضال"، "ذلك اليوم الذي اخذنا مدير الكلية الوطنية في الشويفات محمود صعب الى بشامون في ت2 1943 لنساعد الوزيرين حبيب أبي شهلا ومجيد ارسلان، كمتطوعين عندما كان سائر أعضاء "حكومة الاستقلال" معتقلين. وبالتالي كوفئنا بمشاركة معظم أعضاء الحكومة في احتفال التخرج في حزيران 1944". أجواء الاستقلال وتأكيد عروبة الهوية، ثم الدراسة في الجامعة الاميركية في بيروت، والتتلمذ على أيدي أنيس المقدسي، فايز صايغ، وقسطنطين زريق، والتعرف الى طلاب "العروة الوثقى"، ورعاية زريق لهذا الفريق القومي العربي، اضافة الى جورج حكيم "الذي عرّفنا الى التيارات الاشتراكية" (1944-1947). كل هذه الخبرات المدرسية والجامعية في لبنان، ثم في كلية الحقوق في جامعة "جورج واشنطن" (1948-1951)، وتزامنها مع نكبة فلسطين (1948) أرست بإقراره، أسس "اقتناعه بوحدة المصير العربي".
الى العروبة وتبشيره "بالقوة الثالثة في العالم"، انجذب الى الاشتراكية و"المعلم" كمال جنبلاط "الاصلاحي". خلال اجازته في لبنان ربيع 1949، أخذه معه خاله اليساري الدكتور جورج حنا الى منزل جنبلاط في بيروت، يوم اعلان تأسيس الحزب التقدمي الاشتراكي. في الاجتماع، تعرّف الى فؤاد رزق، عبدالله العلايلي، النقابي فريد جبران، الشاعر سعيد عقل، وجميل صوايا. "هؤلاء كانوا مؤسسي الحزب" الذي انتمى اليه في ت1 1951 بعد تخرجه (من الجامعة في واشنطن) وعودته الى لبنان.
مذ ذاك، كثّف نشاطه السياسي والحزبي، ومثل حزبه في رحلات قادته إلى دول عدة، بينها يوغسلافيا (1952)، روسيا، الصين (1956) وبريطانيا... ثم كان الانفصال عن الحزب، على خلفية تأميم قناة السويس (1956).

"السباحة عكس التيار"
خلال اعوام طويلة، وجد نفسه ينقب في الاحداث، شاهدا لبعضها، "وأحياناً كثيرة، مشاركا في عدد منها". محام، كاتب، رجل حوار، وايضا ديبلوماسي... في رصيد البدايات، كتاب "نحو اشتراكية عربية" "ناقشه فيه عبد الناصر، خصوصاً لوصفه "حركة الضباط الأحرار" في مصر (1952) "بأنها انقلاب، وليس ثورة". ثم كتاب ثان عن "أزمة اليسار العربي"، لخّص فيه دروس الوحدة المصرية - السورية التي "استولدت آمالاً أكثر مما كان في مقدورها ان تتحقق"، في رأيه.
المستقبل الواعد قاده الى الهند (1961 - 1966) كمندوب للجامعة العربية، حاملا معه العروبة وقضاياها. نسج علاقات وثيقة بزعمائها السياسيين، عاملا على تعزيز العلاقات. كان منبهرا بتجربتها السياسية، وفي الوقت نفسه اكتسب علاقات سياسية وديبلوماسية مهمة. وفي ختام مهمته، نقلته الجامعة الى مقرها في القاهرة (1966-1973)، في "اجراء روتيني". وخلال تلك الفترة، توطدت علاقته بالصحافي محمد حسنين هيكل الذي خصّص له مكتباً في الطبقة السادسة من مبنى صحيفة "الأهرام"، بما شكّل له مساحة للتعبير عن آرائه وكتابة المقالات.
من اول الطريق، سال حبره كثيرا... كيلومترات. وامتدت لاحقا مقالاته الى عدد من كبريات الصحف العربية والغربية، ابرزها "النهار" التي "كانت منبراً رئيساً لبلورة آرائه"، "وكانت تجربته مع غسان تويني غنية". خلال مشاركته 3 من زملائه في رئاسة تحرير "النهار العربي والدولي" (1973-1979)، كتب رسالة الى الأمين العام للجامعة العربية الشاذلي القليبي، بعد تعليق عضوية مصر في الجامعة. تلك الرسالة "أدت الى تعيينه مندوبا دائما للجامعة في الأمم المتحدة، ثم رئيساً لبعثتها في واشنطن (1979-1990)".
كل العالم كان بين يديه. في الولايات المتحدة، تابع مهمة البدايات، كجندي مجتهد توجب عليه "السباحة يوميا عكس التيار"، دفاعا عن القضايا العربية، لا سيما الفلسطينية واللبنانية... كأنه "استوطن" يومذاك البرامج التلفزيونية والاذاعية والصحف الاميركية ليتحدث عنها، معززا نشاطه الديبلوماسي. في منزله، امكن مقابلة هنري كيسينجر، زبيغنيو بريجنسكي، المرشح الرئاسي جورج ماكغفرن وغيرهم. ولائحة معارفه من الزعماء والقادة اكبر من ان تحصى.
"كثيرة هي التجارب الملهمة والأليمة" التي عاشها. واكثر هي المعلومات التي خزنها في ذاكرته عن الاحداث والدول وقادتها، بما جعله يستحق صفات عدة، بينها "الديناصور"، واخرى لاحقه بها اصدقاؤه: "الكلفسة"، اشتقاقا من اسمه. واكتسبها يوم سأله مراسل "الشرق الاوسط" في الأمم المتحدة، بعد ذهاب الرئيس ياسر عرفات العام 1983 من طرابلس الى القاهرة اثر تعليق عضوية مصر في الجامعة العربية، اذا كان ذهابه الى القاهرة "خرقاً لقرارات قمة بغداد"، فأجابه: "لم يكن خرقاً، لكنه في الوقت نفسه لم يكن امتثالاً لها". "وعندما قرأ رئيس تحرير "الشرق الاوسط" جهاد الخازن التصريح، كتب افتتاحية بعنوان: "الكلفسة"، وعرّفها بأنها "نقيض الفلسفة. الفلسفة تجعل المجهول معلوماً. أما الكلفسة، فتجعل المعلوم مجهولاً".
لكن يبدو ان حتى "الكلفسة" "أُحبطت" تجاه ما سماه "الانشطار العربي المريع" و"فقدان النظام العربي البوصلة". العام 1990، قدّم استقالته من الجامعة العربية، بعد الغزو العراقي للكويت، "انسجاما مع ضميره والتزاماته القومية". لكنه لم يستقل من الكتابة السياسية، واختار العمل الاكاديمي. العام 1992، أسس "مركز عالم الجنوب" في الجامعة الأميركية في واشنطن، لتدريس التحديات في دول العالم الثالث المعروفة بـ"دول الجنوب" وتطوير المعالجات السليمة لها. طوال عقدين (1991-2012)، انهمك "الاستاذ كلوفيس" في التدريس... وغصّت قاعته بالطلاب.
في كتابه الاخير، "من زوايا الذاكرة" (2014)، افضى بكل ما خزّنه طوال 8 عقود، استقاء للعبر. "تبقى المواطَنة جوهر الانتماء الى الوطن. من دون ترسيخها، تبقى الاوطان سريعة العطب". ويقصد بكلامه لبنان اوّلا. المرة الاخيرة التي تكلم فيها كانت الاربعاء 4 ايار 2016، في امسية دعا اليها "مركز الحوار العربي" (واشنطن) احتفاء بندوته الالف. في طريق العودة، ترافق مع سفير لبنان السابق مسعود معلوف، على وقع "ذكريات كثيرة مرحة". وبعد ساعات قليلة (فجر الخميس 5 ايار)، انطفأ دماغه في نزف صاعق وسرعان ما غاب امس.

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات