بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
لماذا تتركّز الحرب السوريّة في الشمال
  21/09/2016


لماذا تتركّز الحرب السوريّة في الشمال

 ترجمات ترجمة- أنس عيسى

أثار إعلان أميريكا وروسيا، في التاسع من أيلول/ سبتمبر، عن وقف إطلاق نار جزئي آخر في الحرب الأهليّة السوريّة الطويلة والممتدّة لخمس سنوات، سخرية المشكّكين؛ حيث تعرّض اتّفاق مشابه تمّ عقده في شهر شباط/ فبراير للانهيار السريع بعد اندلاع القتال حول ثاني أكبر المدن في البلاد، أي مدينة حلب المُحاصرة. لكن وعلى الرغم من مقتل عشرات الآلاف في الشمال السوري خلال وقف إطلاق النار المزيّف ذاك، كان الجنوب يزداد هدوءًا بشكلٍ ملحوظ؛ فمنذ شباط/ فبراير، حدثت 95 في المئة من الأعمال القتاليّة في الشمال، وذلك وفقًا لمعهد كارتر وهو مؤسسة بحثيّة فكريّة أميريكيّة. تُظهر خريطة النزاع في سورية، قبل أسبوع من التوصّل إلى اتّفاق وقف إطلاق النار الأخير، الشمال منقّطًا بأيقونات تشير إلى اشتباكات وقصف جوّي وقتلى حول مركز حلب، بينما يخلو الجنوب، تقريبًا، من أيّ أيقونات. هذا يقودنا إلى طرح السؤال التالي: لماذا يتركّز القتال في سورية في الشمال بشكلٍ أساسيّ؟


لا يُعدّ الجنوب السوري غريبًا عن الثورة، فقد اندلعت الثورة السوريّة عام 1925 ضدّ الحكم الفرنسي من هناك، كذلك الأمر بالنسبة إلى انتفاضة عام 2011، والتي بدأت من درعا، المدينة المحاذية للحدود الأردنية، والتي عجّلت في حدوث الحرب الأهليّة المستمرّة. وحال بدء القتال هناك، التحق مئات الأردنيّين بصفوف الجماعات الجهاديّة العالميّة في الجنوب، كما هطلت البراميل المتفجّرة على مراكز السكّان في الجنوب أسوة بنظيرتها في الشمال، الأمر الذي حوّل مئات آلاف الناس إلى لاجئين. لكن مع أنّ الثورة قد بدأت في الجنوب، فقد تعسكرت في الشمال ذي الكثافة السكّانيّة الأعلى، وخصوصًا في صفوف طبقة مدنيّة جديدة كانت قد أُجبِرت على ترك حقولها بسبب سنوات من الجفاف. دار الحرمان من الحقوق واليأس لدى تلك الطبقة الفقيرة من أهل الريف إلى ثوّار، وعلى العكس من الجنوب الذي يحتوي على خليطٍ من الطوائف الأقلّويّة، والتي يأتي الدروز في مقدّمتهم حيثُ ظلّوا إلى حدّ كبير موالين للنظام، كان الشمال يحتوي على أغلبيّة سنيّة معادية لنظام بشار الأسد ولقاعدة قوّته العلويّة.

مع ذلك، يعود خفض العنف في الجنوب بشكلٍ أكبر إلى عوامل خارجيّة منها داخليّة، فقد حافظت الأردن على ضبط صارم لحدودها، وفرضت سيطرة أحاديّة على مرور الناس والسلاح والأموال عبرها، الأمر الذي مكّنها من التحكّم بإيقاع القتال؛ تشعله وتطفئه كما تريد كصنبور مياه، على حدّ قول أحد المتحدّثين باسم الثوّار. كما تقوم غرفة تحكّم موجودة في عمّان بمركزة الدّعم الآتي من الجهات المختلفة عبر تشكيلات الاستخبارات الأردنيّة، ويتمّ السماح لمجموعات الثوّار التي تقوم بدفع ما عليها بعبور الحدود وتلقّي العلاج الطبّي. دفع خوف الأردن المتزايد من النتائج السلبيّة للحرب الأهليّة –كتدفق اللاجئين وخطر انتقام نظام الأسد، وتعزيز القوى المتطرّفة على حدودها- إلى تطهير الثورة في الجنوب من الجماعات الجهاديّة المتطرّفة، وإحلال الهدوء. هنالك محاولات لإيجاد بناءٍ مماثل على حدود سورية الشماليّة تحت إشراف وكالة الاستخبارات المركزيّة الأميريكيّة (سي.آي.إي)، لكن، وعلى العكس من الجنوب، فإنّ تلك المحاولات تتعرّض للتمزيق بسبب تضارب المصالح؛ حيث تركّز وكالة الاستخبارات المركزيّة الأميركيّة على الثورة ضدّ الأسد عن طريق العرب السنّة، أمّا البنتاغون فهو يكمل حربه على الدّولة الإسلاميّة عبر القوى التي يقودها الأكراد السوريّون، الأمر الذي أنذر تركيّا والتي تخوض بدورها حربها الداخليّة الخاصّة بها ضدّ الأكراد. قامت تركيّا مع قطر بإنشاء ميليشيّات سنيّة عربيّة، ويبدو أنّها مهتمّة أكثر بقدرتها على أن تلعب دور الحصن ضدّ التوسّع الكردي، من ميلها المُعلن ضدّ الجهاديّين. زوّد تضارب تلك المصالح التنافسيّة الجماعات الجهاديّة بالطّرائق والاستقلاليّة التي جعلت التحكّم بشمال سورية أكثر صعوبة.

هل من الممكن أن يحقّق وقف العنف في الشمال ما وصلت إليه ترتيبات سابقة في الجنوب؟ بالكشف عن اتّفاقهم، أعلن وزيرا خارجيّة روسيا وأميركا، سيرجي لافروف وجون كيري، أنّ حلب ستكون مكان وقف العنف المقبل، كما تعهّدا بالعمل المشترك لتخليص الشمال من الدولة الإسلاميّة وجبهة النصرة، فرع القاعدة الأسبق والذي أعاد، مؤخّرًا، تسمية نفسه بجبهة فتح الشام. إضافةً إلى ذلك، فإنّ استعادة العلاقات مع روسيا وانتشار العنف في بلاده قد أقنعا الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، لإعطاء الأولويّة لإحلال الاستقرار في الشمال عوضًا عن إزاحة بشار الأسد. لكنّ ذلك قد يقود إلى نتائج جانبية غير مخطّط لها؛ فقد تتجه قوّات الأسد في اتّجاه الجنوب بعد تحريرها من الشمال؛ حيث سعت قوّات الأسد، قبل اتّفاق وقف إطلاق النار، إلى التقدّم جنوبًا على طريق مدينة درعا المُسيطر عيلها من قبل الثوّار. علاوةً على ذلك؛ فقد يحاول رعاة الثوّار في الخليج الالتفاف على الصعوبات في الشمال عن طريق مضاعفة جهودهم للعمل من الأردن، حيث تمنحهم مساعداتهم الوفيرة هناك النفوذ؛ من هنا يمكن القول: من دون حلّ سياسي، ستدفع التهدئة على جبهةٍ ما باتّجاه التّصعيد على جبهةٍ أخرى.

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات