بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
الإنسان السوريّ: تلاشِ آخر أم عتبة حضارية
  08/10/2016

الإنسان السوريّ: تلاشِ آخر أم عتبة حضارية


اميل جعبري
جريدة السفير


رأى سارتر أن الوجود اختيار، وأن مَن يوجد حقيقة هو مَن يختار بنفسه وبكل حرّية، أي هو الذي يكوّن نفسه، وهو الذي يصنع نفسه. من هذا المنظور، نلاحظ كل يوم تلاشي الوجود السوري على الصعيدين الفردي والجماعي. تلاش لا يقع على ضفة واحدة بل على جميع ضفاف مستنقعات الحرب السورية. تلاش لم يبدأ اليوم ولا العام 2011 أو 2000 أو 1970 أو 1963 أو 1958 أو 1920. إنما جميع هذه التواريخ كانت محطات مفصلية خطيرة على طريق الصراع المرير بين وجود الإنسان السوري المعاصر وبين تلاشيه.
كل محطة منها كانت تحمل أملاً بتحقق وجود حضاري مدني، وكانت محصلة قوى التاريخ والجغرافيا تسقطه لصالح تلاش جديد. مشروع الإنسان الموجود على هيئة المواطن الحُر هو مشروع لا يزال في طور جنيني، تتناوبه إجهاضات متكررة كان أولها في العصر الحديث، الموقّع بانتهاء الاحتلال العثماني، زمن الانتداب الاستعماري، ثم الانقلابات التي تتالت منذ ما بعد الاستقلال حتى إعلان الوحدة بين سوريا ومصر 1958، مترافقة مع قيام دولة الاحتلال الصهيوني كأحد العوامل الرئيسية المستخدمة من قبل قوى الاستعمار من جهة، وأنظمة الحكم من جهة أخرى، في منع قيام دولة المواطن الحر. عند الحديث عن الإنسان الموجود كمواطن حر، يجب التأكيد أنه لا يمكن أن يتحقق خارج إطار الدولة القوية، أي الدولة الوطنية الديموقراطية المستقلة التي ساهمت الأنظمة المتتالية، كأنظمة تابعة في نمط الإنتاج الامبريالي، في تأخر انعقادها.
تتسم العلاقة بين قيام الدولة الوطنية وتحقق الإنسان الحر بكونها علاقة جدلية. هي ولادةُ كل طرف فيها تغذي ولادة الآخر، وبكونها تحتاج زمناً طويلاً من التراكم لتحقيق التغيرات النوعية بالمعنى الديالكتيكي، الذي لا يزال غياب هذين العاملين يشكل عائقاً عميقاً يعترضه، معيقاً ولادة الانسان السوري الحر، بجميع ما ينطوي عليه مفهوم الحرية من تعقيد وجودي وسياسي.
أربع محطات معاصرة رئيسية ساهمت في تلاشي الانسان السياسي السوري، تفاوتت تأثيراتها على عموم المجتمع تبعاً لقوة الحكم وأسلوبه، عنوانها الاعتداء على الحياة السياسية الحرّة وعلى تعبيراتها من أحزاب ونقابات ومنتديات وصحف، وعلى حقوق الاجتماع والإضراب والتظاهر والانتخاب الحر.
محطة الاستعمار الفرنسي ثم مرحلة الانقلابات، ومرحلة الوحدة مع مصر ثم مرحلة حكم حزب «البعث». كل مرحلة من هذه المراحل حصلت فيها بعض الإنجازات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية متفاوتة الأهمية، ليست هي المعنية بالبحث في هذه المقالة، إنما المعني هو الانسان السوري الحر، الذي كانت مرحلتا الوحدة مع مصر وما تلاها حتى اليوم، أشد فترتين تأثيراً على ولادته كإنسان له حقان أساسيان بالمعنى الوجودي، هما حق أن يختار وحق ألا يختار.
حقان حُرم منهما عبر قوانين وقرارات جائرة، كان أبرزها أيام الوحدة اشتراط جمال عبد الناصر حل الأحزاب السياسية لتحقيق الوحدة، وموافقة معظم الأحزاب السورية بما فيها حزب «البعث» على ذلك ما عدا «الحزب الشيوعي» السوري.
وبرغم كل ما قيل وما سيظل يُقال عن إيجابيات وسلبيات مرحلة عبد الناصر في مصر وفي سوريا، ستظل قرارات وقوانين حل الأحزاب وملاحقة المعارضين وزجّهم في السجون من أسوأ ما وقع للإنسان المصري والسوري، لأنها العملية التي ساهمت بشكل حاد وفعال في تلاشي الانسان الحر عبر منعه من اختيارٍ ما وإجباره على اختيارٍ آخر. وبالتالي ساهمت في ما نحن فيه الآن من محنة، إحدى سماتها ضيق الخيارات وصولاً إلى انتهاج العنف وحمل السلاح من أجل البقاء وتحقيق الذات. المرحلة هذه أكملها أسلوب الحكم في سوريا ما بعد الانفصال عبر وفائه الشديد، بل بزّه بدرجات، لأساليب مختلف الأحزاب الشمولية في عدائها لحرية الاختيار وما تعنيه من مساهمة الفرد في صناعة ذاته الاجتماعية الحرة وليس القطيعية.
وفي سياق تحليل سلوك الحكم تجاه حرية الفرد والمجتمع، لا يكفي الحديث عن أمثلة فردية هنا وهناك، بل يجب تناول نهج متكامل اعتمد على تطويق الحياة السياسية بالكامل والتحكم بها وبسيرورتها باتجاه واحد فقط، هو الاتجاه الذي ينسجم مع تحقيق رؤية ومصالح الشريحة الحاكمة.
فعلى صعيد الأحزاب، تمّ إنشاء «الجبهة الوطنية التقدمية» التي ضمّت الأحزاب الموالية للحزب الحاكم وتحت قيادته. والمفارقة أن «الحزب الشيوعي» السوري بزعامة خالد بكداش الذي كان الوحيد تقريباً من الزعماء الحزبيين، الرافض لقرار حل الأحزاب كشرط للوحدة مع مصر عبد الناصر، كان من المنضوين في إطار «الجبهة» التي لا يملك أي من الأفراد المنتمين لأي من أحزابها حق الاختلاف مع الحكم، وإلا حُكم عليه بالخروج إلى الضفة الأخرى، ضفة المعارضة الممنوعة والملاحقة وبالتالي إلى الإلغاء أو العدم.
والساحة الأخرى الأشد خطورة التي مارس الحكم فيها إلغاءه لحق الفرد في الاختيار، هي ساحة التربية والتعليم بمراحلها كافة وصولاً إلى التعليم العالي، عن طريق تنسيب الطفل آلياً ومن دون أي مجال لاختيار آخر، في المنظمات الرديفة للحزب الحاكم، المتدرجة عمرياً من السنة الأولى الابتدائية وصولاً إلى اتحاد الطلبة في وزارة التعليم العالي الذي كان الذراع القوية للحزب في الجامعة (والذي يمكن أن يُسأل عن تفاصيل الحريات والحقوق فيه، وعن نظامه الداخلي، رياض حجاب أحد مسؤوليه الرفيعين سابقاً، وربما عما يشبهه لاحقاً..).
هذا النهج في صناعة الرأي امتد ليشمل جميع قطاعات المجتمع ومجالات الحياة عبر ما سُمي بالمنظمات الشعبية، واكتمل عبر ملاحقة المعارضين وزجهم في السجون، وعبر رعاية عملية فساد وإفساد منظمة، تغوّلت على جميع القيم الأخلاقية الضرورية لولادة الانسان الاجتماعي الحر، وعبر افساح المجال للتعبيرات الدينية المختلفة من جميع الأديان والمذاهب لنشر فكرها بأوسع انتشار ممكن، شرط عدم المنافسة على السلطة (في عهد عبد الناصر في مصر تمت زيادة عدد المساجد من أحد عشر ألف مسجد قبل الثورة إلى واحد وعشرين ألف مسجد حتى العام 1970. كما تم اعتبار مادة التربية الدينية مادة إجبارية يتوقف عليها النجاح أو الرسوب، وكانت اختياريه في العهد الملكي، الأمر الذي حصل ما يشبهه تماماً في سوريا بعد العام 1970).
يؤكد المسار الذي اتخذته المحنة السورية منذ بدايتها كاحتجاجات وتمردات وانتفاضة، مروراً بممارسة العنف والرد عليه والمطالبة بالتدخل الخارجي العسكري، الأسلوب الطبيعي الذي ينتهجه كل من غابت إرادته السياسية الحرة، وصولاً إلى ما هي عليه الآن من غياب إرادة السوريين الحقيقية وتعطّلها الكامل لحساب صراع النفوذ الدولي على الأرض السورية، يؤكد أن عملية بناء الإنسان الحر هي الأساس لبناء الدولة القوية والمجتمع القادر على التطوّر اللاعنفي. الأمر الذي يبدو أنه غير ممكن قبل الوصول إلى عتبة حضارية، تعيقها عوامل الصراع الاقتصادي والسياسي العالمي، بالأموال والسلاح والدماء، وعوامل الحكم الداخلي عبر أساليب صناعة الرأي سالفة الذكر، وعوامل التاريخ بثقله الكامل. ربما تكون دروس السنوات الست الأخيرة من هذا التاريخ بالنسبة للسوريين أهم الروافع، بمأساويتها ودمويّتها، للوصول إلى عتبة نهضة حضارية، وولادة جنين الإنسان السوري الحر.
ومن هذا المنظور يصبح رفض إيقاف العنف من قبل أي طرف كان، وبأي حجة كانت، إكمالاً لدور الأطراف المتحابة في إلغاء حرية الاختيار التي لا يمكنها أن تحصل تحت القصف (كالحال في بيان بعض المثقفين حيال الاتفاق الروسي ـ الأميركي الأخير، والذي يظهر في نص بيانهم عدم اطلاع معظمهم حتى على ما أعلن من الاتفاق. ويمكنهم للتأكد من دورهم هذا محاولة العيش الحرّ داخل دائرة الحرب). ومن هنا تأتي الأهمية البالغة للمطالبة بإيقاف العنف بأي شكل كان وبشرط وحيد فقط، هو إفساح المــجال للعمل السياسي اللاعنفي الذي يتيح للإنسان الحر إيجاد نفسه وصناعتها.

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات