بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> جـــــولــــة الـــصـــحـــافـــــة  >>
سورية: عن عروبة البعث والجيش
  16/10/2016

سورية: عن عروبة البعث والجيش
رامي منصور


ليس سهلًا الإمساك بزمام تاريخ سورية الحديث، فهو تاريخ مركب ومعقد، مدن وطوائف وانقلابات عسكرية عديدة، وقد يصدم القارئ الشاب، خصوصًا إذا كان عروبيًا وقوميًا، أن منطقتنا، أي الشام، هندسها الاستعمار الفرنسي – الإنجليزي بشكل محكم وحولها إلى حقل ألغام، وحوّل الانتماءات البدائية مثل الطائفة أو المذهب أو القبيلة إلى البوصلة المصلحية، بدلا من الانتماء الوطني. وسيصدم تحديدا من أن سورية الحديثة ومنذ الأربعينيات ليست حالة شاذة كحلبة صراعات طائفية- عسكرية، خلافًا لصورتها قلعة قومية عروبية في مخيلة الأجيال.

منذ العشرينيات زرع الاستعمار الفرنسي بذور الفتنة – المنافسة الطائفية، بتشكيل جيش أقليات سوري سماه 'جيش المشرق' بموازاة الجيش السوري الذي كانت تركيبته في معظمها من المدن الكبرى، ليندمجا لاحقا في الأربعينيات بشكل مصطنع ودون اقتلاع بذرة الطائفية.

استغل العسكر منذ أواسط القرن الماضي الانتماءات الطائفية والمذهبية المختلفة وحولوها إلى أداة للسيطرة، وقد أجهز ذلك على الجيش السوري منذ الانفصال عن مصر في العام 1961، بانقلاب عسكري قاده ضباط في الجيش السوري، الذين انقلب عليهم ضباط بعد عامين وهو ما عرف بانقلاب آذار 63 أو انقلاب البعثيين. وبالإمكان القول إن الفترة الممتدة من 1961 – 1963 هي فترة تفتيت الجيش وضرب عقيدته العسكرية ومهنيته التي انعكست لاحقا في حرب حزيران/ يونيو 1967.

علاقة البعث والجيش

مر حزب البعث بخمس مراحل تاريخية رئيسية، التأسيس بقيادة ميشيل عفلق وصلاح البيطار، الوحدة مع الحزب العربي الاشتراكي بزعامة أكرم الحوراني، ثم حل نفسه في العام 1958 بعد الوحدة مع مصر عبد الناصر، ومن ثم تأسيسه من جديد من قبل اللجنة العسكرية وتنصيب ميشيل عفلق قائدا قوميا له في 1963، ولاحقا إحكام حافظ الأسد السيطرة عليه بعد الانقلاب على مؤتمر البعث في 1970.

أيد البعثيون بكل قوة الوحدة مع مصر عبد الناصر وحلوا حزبهم، لكن شرائح فيه وخصوصا من أصحاب الرتب العسكرية الدنيا لم ترق لهم الوحدة، كما لم ترق الوحدة أيضًا لشخصيات دمشقية وإقطاعية بارزة بسبب ما اعتبروه استئثار عبد الناصر بالحكم وتهميش السوريين ومحاولته تطبيق الإصلاحات الاشتراكية في سورية أيضًا.

في هذه الأجواء، شكل خمسة ضباط من 'البعث' إطارا سريًا أطلقوا عليه 'اللجنة العسكرية' والخمسة هم، أكبرهم سنا محمد عمران، وصلاح جديد، وحافظ الأسد، أحمد المير وعبد الكريم الجندي. طرد عبد الناصر أفراد اللجنة مع عشرات من الضباط السوريين من مصر بسبب دورهم المناهض للوحدة بعد الانقلاب في العام 1961 بقيادة عبد الكريم النحلاوي ومجموعة من الضباط الدمشقيين، وجرى الانفصال نهائيا عن مصر عبد الناصر.

رفض من تبقى من البعثيين بعد حله هذا الانفصال عن عبد الناصر، وتحديدا ميشيل عفلق، الذي تواصل معه أفراد 'اللجنة العسكرية' في سعيهم للانقلاب على الانقلاب تحت راية استعادة الوحدة، وهم الذين كانوا يرفضونها أصلا. يقول مؤرخون ومن شاركوا في الانقلاب الأول على الوحدة بقيادة النحلاوي، إن الهدف لم يكن الانفصال الكلي وإنما الإصلاح، لكن 'البعث' قضى لاحقا على أي إمكانية للوحدة بعدما وضع شروطا تعجيزية، منها الوحدة مع العراق.

بعد الانفصال كان حزب البعث مشتتًا، فاستغلت 'اللجنة العسكرية' ذلك ولمت شمل من تجابوا معها وتحالفت مع الناصريين في الجيش، ووصل الأمر إلى أن عقد عفلق مؤتمر الحزب في حمص في العام 1962، ليعلن عن عودة الحزب إلى الحياة. كانت 'اللجنة العسكرية' بحاجة إلى غطاء سياسي قومي للتمهيد لانقلاب آذار/ مارس 1963، وهو الذي حصل تحت راية استعادة الوحدة مع مصر وبالتحالف مع الناصريين السوريين.

نفذت اللجنة الانقلاب واستولت على مقاليد الحكم والجيش، وسرحت نحو 1500 ضابط وعسكري دمشقي وناصري، ويؤكد حنا بطاطو في كتابه البحثي 'فلاحو سوريا' (ترجم إلى العربية ضمن سلسلة 'ترجمان' التي يصدرها المركز العربي) أن 'اللجنة العسكرية' نفذت عملية تطهير داخل الجيش، ففي العام 1964، سرحت 104 من كبار الضباط، وبعد ثلاثة أيام سرحت 150 ضابطا متوسطا وصغيرا، ويوضح أنه مع اندلاع حرب 1967 كان ثلث الضباط (700 ضابط) قد جرى تسريحهم واستبدالهم بمعلمي مدارس وضباط غير محترفين/ وتحديدا من الريف. وبحسب بطاطو، 'أسفر ذلك على المدى القصير، عن سلك ضباط مسيّس بقوة، لكنه ضعيف الانضباط وغير فاعل عسكريا، وهذا ما أظهرته الحرب على نحو موجع'، أي حرب 1967. ويضيف أن 'ما زاد الطين بلة، وساهم في الكارثة هو التغيير المستمر في القيادة العليا للقوات المسلحة، ففي الفترة من آذار/ مارس 1963 إلى حزيران/ يونيو 1967، شغل ثمانية جنرالات منصب وزير الدفاع، وخمسة جنرالات منصب رئيس الأركان'.

وفي هذا السياق، يشير بطاطو إلى عملية ترييف ممنهجة للجيش، وهي سياسة اتبعها ضباط 'اللجنة العسكرية' بهدف خلق قواعد شعبية لهم خصوصا وأنهم قدموا من الريف إلى الجيش ولم يكن لهم أي امتداد في المدن، وقاموا عمليا بإعادة هندسة للجيش.

وتظهر المعطيات التي استند إليها بطاطو، أن 55 في المئة من عناصر الدرجات الدنيا في الجيش كانوا من العلويين حتى أواسط الخمسينات، لكن الأرقام تبدلت وصار جزء كبير منهم في رتب أعلى. ويكتب في هذا الشأن 'نجح أعضاء اللجنة العسكرية البارزون في الفترة التي تلت 1963... في تسريع عملية تضمنت تحويل سلك الضباط والقوات المسلحة وبيروقراطية الدولة تحويلا جوهريا إلى مؤسسات ذات صبغة ريفية أو قروية قوية'. وبعبارة أخرى؛ فقد طهّر الأعضاء النافذون في اللجنة العسكرية تلك المؤسسات على نحو لم يكن معروفا في سورية حتى ذلك الوقت... ملأوها بأصدقائهم وأقربائهم أو بأفراد عشائرهم أو طوائفهم...'.

بعد عقود من صدور بحث بطاطو بالإنجليزية، يمكن القول دون مواربة وبعد ما نشهده من احتراب في سورية، إن ما قصده بطاطو في الواقع هو تطييف الجيش وليس ترييفه فقط. كيف يمكن تصور أن يقوم ضباط بهدم مؤسسة ترعرعوا فيها بشكل ممنهج. ويبدو التطييف بشكل أوضح وجلي منذ تولي حافظ الأسد للحكم.

لم يعد الجيش السوري بعد العام 1963 ذاته الجيش العربي السوري إبان الوحدة، صار أقل مهنية وأكثر تسيسًا، كذلك حزب 'البعث'، تحول من حزب عروبي ينشد الوحدة ويرى أن الوحدة العربية تقود إلى تحرير فلسطين، إلى حزب تسلطي يقوده ضباط عارضوا الوحدة مع مصر وشعارهم 'تحرير فلسطين يقود إلى الوحدة'. ويميز الباحثون ما بين 'البعث' القديم و'البعث' الانتقالي أو الجديد.

سرعان ما اكتشف البعثيون الحقيقيون وعلى رأسهم عفلق خدعة 'اللجنة العسكرية' وأنهم استغلوه غطاء سياسيا وشعبيا، إذ أعلنت اللجنة حالة الطوارئ في البلاد في العام 1963 (التي استمرت حتى العام 2011) وحلت كافة الأحزاب وأغلقت الصحف تحت ذريعة 'الشرعية الثورية'، وجرى أول قمع مسلح لتحرك مناهض لحكم 'اللجنة العسكرية' في حماه في العام 1964، وهو ما أثار سخط عضو اللجنة محمد عمران، الذي كشف مخططات اللجنة لعفلق لتجري تصفيتهما سياسيا ونفيهما، واغتيل عمران لاحقا في لبنان.

نفذت 'اللجنة العسكرية' انقلابا ثانيا في العام 1966، وهذه المرة على البعثيين، فصار صلاح جديد حاكم سورية الفعلي وكان مسؤول إدارة شؤون الضباط في الجيش، ولم تمنعه عقيدته اليسارية من ارتكاب جرائم ضد المدنيين المعارضين لحكم اللجنة.

صارت الوحدة مع مصر عبد الناصر في خبر كان، ووقعت حرب 1967 والجيش السوري في حالة يرثى لها بعد أن قامت اللجنة بتسريح الضباط المهنيين وضم عناصر جديدة موالية لها. خسرت سورية بقيادة 'اللجنة العسكرية' مرتفعات الجولان لصالح إسرائيل، وكان حافظ الأسد حينها وزيرا للدفاع، وعضو اللجنة أحمد المير قائدا للجبهة. استبدل شعار الوحدة مع مصر بشعار آخر، محاربة تدخل القيادة السياسية المدنية بشؤون الجيش، وزادت وتيرة القمع في المدن الكبرى إلى درجة دفعت عضو اللجنة عبد الكريم الجندي إلى الانتحار.

باشر حافظ الأسد بالتهيئة للتخلص من زملائه في اللجنة، وتحديدا صلاح جديد، ليقوم بعد 3 أعوام من هزيمة 1967، بالانقلاب على زملائه ومحاصرة مؤتمر حزب البعث الذي انعقد لتجريده من صلاحيته. استولى الأسد على الحكم بسهولة ووضع صلاح جديد في السجن حتى مماته في العام 1993.

أعاد الأسد هندسة الجيش على أسس طائفية ومذهبية موالية له، وبنى عقيدة جديدة للجيش قوامها الولاء للقائد الأعلى بشكل مطلق. كما قام بالقضاء على ما تبقى من بعثيين حقيقيين في الحزب، وقمع أي تحرك مناهض له بقوة السلاح.

ووقعت حرب 1973 والجيش السوري في حالة إعادة تكوين وهندسة داخلية. مرت 10 أعوام منذ المرة الأولى التي جرى فيها تسريح 1500 ضابط دمشقي وبعثي بعد الانقلاب الأول للجنة العسكرية. لم يبن الجيش، بل تحول إلى جيش نظام يقوم على حكم الفرد الأوحد، حافظ الأسد.

لم تعد العروبة والوحدة وفلسطين في سلم الأولويات، بل أصبحت الخسارة الثانية لإسرائيل في حرب 1973 و'استعادة الجولان' هي الغطاء السياسي لاستمرار تفرد الأسد بالحكم.


خسرت سورية جيشها الوطني منذ العام 1963 لتخسر لاحقا جزءًا هامًا منها، الجولان، كما خسر العرب فرصة الوحدة بين مصر وسورية.

رغم ذلك، تمكن الأسد الأب من الاستمرار بالحكم في سورية طيلة عقود، بفضل البطش الداخلي، وإلغاء أي مؤسسة في الدولة لها القدرة على منافسته، بما فيه الجيش، كما أسس علاقات وثيقة مع الخليج وتحديدًا السعودية، التي كانت مصدر الدخل الثاني لحكمه، ودون هذا الدعم المالي لما استطاع الاستمرار في الحكم.

يبدو أن الابن أخطأ حيث نجح والده بالرهان، وهو فك الارتباط مع العرب، واستبدالهم بدعم إيراني، إلى درجة أنه اعتقد أن إيران ستحمي نظامه عسكريا بعدما حول الجيش إلى زبونية تعتاش على فساد الدولة. كانت دول الخليج وتحديدا السعودية مصدر الدخل الثاني لنظام الأسد الأب، وأبدى استعداده لتقديم خدمات عسكرية للنظام السعودي مقابل هذا الدعم، كما حصل في الحرب على العراق في مطلع التسعينيات، التي كان جيش النظام الأسدي شريكا فيها.

لم يبقِ الأسد الابن من عروبة سورية شيئًا، فغزتها إيران وروسيا وأميركا و'داعش'... لكن عملية تدمير عروبة سورية ومؤسساتها العسكرية انطلقت قبل ذلك بعقود، منذ انقلاب 1963، الذي حكمته عقلية تآمرية رفعت الوحدة شعارا لكنها كرست الانفصال عن مصر عبد الناصر، وحولت 'البعث' العربي من ملهم للمستضعفين السوريين الذين حلموا بهوية سورية وطنية جامعة، إلى حزب فئوي فاسد. كما قال عبد الناصر في خطابه الشهير إن البعث (ويقصد بعث اللجنة العسكرية إياه) قسّم سورية إلى قسمين، الأول من البعثيين المنتفعين، والثاني من السوريين.


الحوراني
لا يمكن الحديث عن جيش عربي سوري في ظل حكم فئوي رفع شعار العروبة لكنه فتت سورية وأرضخها لغير العرب.

***
على الهامش
لا يمكن الاطلاع على تاريخ سورية وعدم الالتفات إلى شخصية سياسية شابة من حماه اسمه أكرم الحوراني، وهو الذي أسس بداية 'حزب الشباب' ولاحقا 'العربي الاشتراكي'، وقد كان عروبيا صاحب حس مرهف اجتماعيا، وخاض نضالات الفقراء ضد الإقطاعيين في حماه، كما شارك في حرب فلسطين في العام 1948.
استطاع الحوراني استقطاب الآلاف من المستضعفين في عضوية حزبه، وكان بالفعل مناضلا وطنيا واجتماعيا متحمسا للوحدة مع مصر، ودفع إلى الوحدة مع حزب 'البعث' ولاحقا إلى حل الحزب بهدف الوحدة مع مصر عبد الناصر.
يخص بطاطو للحوراني صفحات عديدة ويسهب بتجربته ونضاله من أجل العدالة الاجتماعية في سورية، لكن هذه الآمال التي روج لها الحوراني قطعها انقلاب 1963 ومذاك دخلت سورية في سرداب مظلم حتى يومنا هذا.

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات