بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >>  اخبار  >> قــضــايـــا عربــيــة >>
فلوجة الفسفور الأبيض
  29/06/2010

فلوجة الفسفور الأبيض
 


رأسان: بول بريمر وأياد علاوي
د. فاضل البدراني - لكثرة الجرائم والمشكلات التي تمس حياة الإنسان والمجتمع أسدل الستار على جريمة الولايات المتحدة الأميركية عندما استخدم جيشها الفسفور الأبيض بالفلوجة في تشرين الثاني/نوفمبر 2004، وأصبح شأن الناس وظروفهم بيد قوى الدمار الدولي كونها هي من يفتعل ما يغطي على الجريمة السابقة ليصبح مسلسل الجرائم مادة استهلاكية تتداولها الناس في أحاديثهم أو عبر صفحات الصحف وشاشات الفضائيات كظاهرة من سمات عصرنا المعقد، وهذه نظرية إعلامية نجحت في ابتكارها الولايات المتحدة منذ زمن بعيد بدءا بجريمتها السابقة عندما استخدم جيشها القنابل النووية ضد هيروشيما ونجازاكي باليابان أثناء الحرب العالمية الثانية 1939-1945، ولا تزال آثارها الإنسانية ماثلة للعيان حتى اليوم.

وخلال الأسبوع الماضي نقلت قناة "الشرقية" الفضائية تحت عنوان "أطفال الفسفور الأبيض" في برنامج عن الشأن العراقي ما يثير الفزع لدى المشاهد، ذلك الموضوع دفعني إلى زيارة مستشفى الفلوجة وكذلك زيارة مستشفى طالب الجنابي الأهلي والوقوف عند أدق التفاصيل حول تأثيرات الفسفور الأبيض الذي استخدمه الجيش الأميركي في معركة الفلوجة الثانية 2004، رغم أنني وثقت بعض هذه الصور التي عرضتها القناة في زمن سابق، إنما الغريب في الموضوع بعد الزيارة وجدت ما يقلق ضمير الإنسان بعد أن أطلعني الدكتور طالب الجنابي في مستشفاه الأهلي على وثائق تشمل صورا وأسماء وعناوين ووصفا لولادات خاصة جاءت مشوهة وأخذت تزداد يوما بعد آخر ولاسيما أن حالة التوثيق عندهم تحديدا بدأت في 23 حزيران/يونيو 2006 حتى يومنا هذا، وفي هذا المجال يقول الدكتور الجنابي: أننا في السنة الثانية التي أعقبت معركة الفلوجة كنا نشهد حالة أو حالتين بالأسبوع، لكن تغير الظرف الصحي بالمدينة وأصبحنا نشهد ثلاث حالات وربما أكثر بالأسبوع في السنوات الثلاث الأخيرة، ويبقى هذا العام 2010 الأكثر خطورة على الطفولة بالمدينة بعد تزايد الولادات المشوهة.

لقد أدهشني تقرير موثق بالصور لأطفال إحداها لطفل بعين واحدة والثانية لطفل بطرفين ملتصقين ويطلق عليهما "حوت البحر" والثالثة لطفل برأسين والرابعة تظهر طفلا من دون غشاء بطن، فقط الأحشاء والقلب يظهر لك كأنه يعمل حسبما هو في الصورة المتحركة، ولا أريد أن أقول الخامسة لأن الأرقام لا تحصى ولا تعد أو تحتاج إلى وقت طويل لكي تحصى ولكني وللاختصار أقول: تجاوزت الألف حالة وأنا والله متواضع بهذا الرقم، وحسب تأكيدات الأطباء فإن ما يظهر لهم في الولادات الحديثة اليوم شيء لم يكن مألوفا في الطب سابقا وربما قرأوا عنه في إشارات محددة من كتب الطب لكن ليس بهذه البشاعة وهي حالات نادرة ولم تسجل مستشفيات العالم مثيلا لها مطلقا، فقط في هيروشيما التي عدت منكوبة، وهذه المعلومات نقلت لنا من أطباء يملكون تجارب غنية بالطب وشهادات عليا.

أكثر من ألف حالة موثقة في مستشفى الدكتور طالب الجنابي الأهلي بالفلوجة وهو لا يساوي من حيث الشهرة والإمكانيات ما يملكه مستشفى الفلوجة المركزي، لكن الأخير لم يقم بتوثيق مثل هذه الحالات، لكن تأكيدات وشهادات الأطباء فيه تشير إلى نسب كبيرة من الحالات تمر عليهم ولم توثق فعلا، بينما يقول أطباء مستشفى طالب الجنابي الأهلي: أن الكثير من الحالات المتشابهة لم توثق بمعنى تكرار أكثر من حالة ولادة طفل بعين واحدة أو من دون مخرج أو بأطراف متلاصقة أو برأسين أو من دون فم أو من دون انف وغيرها يوثق لها نموذج واحد فقط لكثرة التكرارات، واللافت للنظر لهذه الإشكالية الإنسانية أن غالبية العائلات رغم ما تفاجأ به بطفلها المشوه، فإن همها يبدأ بكيفية التخلص منه وتنتابها السعادة عندما يفارق الحياة من دون تدخل، فيما وقفت هذه الإشكالية أمام العديد من العائلات الفلوجية للعزوف عن الإنجاب.

ودفعت هذه القضية الأهالي إلى الاستفسار من الجهات الطبية والصحية عن الأسباب ورغم وجود أكثر من سبب منها استخدام العقاقير الطبية في الأشهر الثلاثة الأولى للحمل بشكل سلبي أو أمراض تعتري الأم خلال فترة الحمل وغيرها، فإن كل الترجيحات تؤشر إلى تعرض بيئة الفلوجة لإشعاعات كيماوية وأسلحة فسفور أبيض من خلال تحليلات طبية لمنظمات دولية ومحلية مختصة، وهو موضوع اعترف بارتكابه الجيش الأميركي عام 2005.

ومن مؤشرات الوضع الصحي المقلق تزدحم الآن مستشفيات العراق والأردن وسورية والهند بالمرضى العراقيين كبارا وصغارا من المصابين بالأورام السرطانية بشكل لو تكلفت منظمات إنسانية مختصة بإجراء دراسات طبية عنه لكان أمراً مخيفا قد يصل إلى حد تحريم السكن بهذه المدينة مثلما قال أحد الأساتذة في جامعة طب بغداد باعتبارها مدينة منكوبة.



د. فاضل البدراني، كاتب وصحفي عراقي

نقلا عن جريدة "أخبار الخليج" البحرينية
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات