بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> العالم من حولنا  >>
هدايا قاتلة
  03/11/2009

هدايا قاتلة


إنه زمن الفيروسات. أخبارها تغمرنا، وتعبر بنا كل يوم عشرات المرات. أخبار أنفلونزا الخنازير تتنقل هذه الأيام كأنها حواجز موت طيارة. فلا بأس أن تتربص بنا ونحن نستعد لكتابة إشكال ثقافي. حتى لينهض في عيوننا سؤال: هل هناك فيروسات ثقافية؟
كثيراً ما كان يستخدم البعض تعبير «فيروس ثقافي»، في حين أطلق البعض الآخر شتيمة «فيروس الثقافة العربية»، حتى أن كتاباً حمل هذا العنوان. ومثلما كان العديد من المثقفين يرددون مع محمود درويش تعبير «أنقذونا من هذا الشعر»، أو يتفقون على نداء: «أنقذونا من هذا الغناء»، أو الرسم أو الموسيقى... إلى درجة تتساوى فيها الفنون المرفوضة بخطورتها مع الفيروس. لذلك لا غرابة أن يتحول الكلام على الفيروس إلى مادة ثقافية، أو إلى سجال ملتبس أحياناً، خصوصاً إذا علمنا أن الفيروسات سوف تتحول إلى ثروة تغني صناعة السيارات.
تزداد مملكة الفيروسات اتساعاً، فإذا كان الطاعون، في منتصف القرن الرابع عشر، قضى على ربع سكان الأرض، فإن مسلسل الفيروسات، وأنفلونزا الخنازير في حلقته الأخيرة، يرعب سكان الأرض اليوم، ويشغل بال الجميع، ويعكر حياتهم، ويقوّض علاقاتهم الاجتماعية. كأن صراع الإنسان مع الطبيعة يختصره، اليوم، الصراع مع الفيروس.
خَبَران يصْطَرِعان أمامنا، الأول هو دخول الفيروسات في صناعة السيارات، كما أوردنا، على حد ما تحلم به العالمة الأميركية أنجيلا بلشر، التي توصّلت إلى تدجين الفيروسات وتحويلها إلى طاقة بديلة، أي تحويلها إلى مادة لصناعة البطاريات، كبديل من البطاريات الكيماوية، عدا أن هذه البطارية يمكن أن تكون بحجم أصغر من خلية بشرية، فتستخدم لأغراض علاجية في الجسم، أو تكون بحجم زر قميص، أو أكبر لتحل محل بطارية السيارة. فوق ذلك فهي تشحن نفسها بنفسها.
أما الخبر الثاني فهو أن الحياة التي قامت بحسب نظرية دارون على الأميبيا والكائنات الميكروسكوبية، سوف تنتهي بسببها، وأن يوم القيامة ليس إلا هجمة بربرية لفيروسات قاتلة، لا تنجو منها كائنات الأرض.
هو، إذاً، منطق الصراع الذي يخوضه الإنسان ضد الطبيعة، بل ضد إخوة الشرّ الذين يصنعون قنابل جرثومية أو فيروسية ليرسلوها «هدايا» إلى البشرية، فيقتلون بها «فائض» الشعوب، فيخف أهل الأرض. إنه أسلوب قذر في محاربة تفاقم النمو السكاني، تبعاً لنظرية مالتوس. «الهدايا» نفسها يرسلها إلينا لصوص الإنترنت، لا سيما فيروس «حصان طروادة» أو Trojan Horse، الذي يخرب كومبيوترات، ويسرق معلومات، ويسطو على أرصدة الناس في البنوك.
لا نستطيع أن نطمئن على مستقبل صراعنا مع الفيروسات، حتى لو ضاعفنا تدجينها واستخدامها في صناعات مفيدة، فالأرجح أنها ستبقى «هدايا» قاتلة، تماماً كما كان حصان طروادة، الهدية العملاقة التي أرسلها اليونانيون لتنفجر جنوداً يحتلون طروادة ويقتلون أهلها.
لا شك في أن فيروسات الثقافة المسكينة تختبئ إذا ما صالت وجالت أحصنة الفيروسات، تلك تـــبني ممالكـــها المدمــرة في أجسادنا، من دون أن نراهـا بالعين المجردة

احمد بزون

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات