بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> فنون >>
رجال في الشمس .. رواية الفلسطيني كنفاني التي أدانت الاستسلام والخيانة
  09/07/2009

 ذكرى اغتيال كاتبها
رجال في الشمس .. رواية الفلسطيني كنفاني التي أدانت الاستسلام والخيانة

تحل على العرب والفلسطينيين هذه الأيام ذكرى "غسان كنفاني" الذي احتل اسمه مكانة مميزة بين أسماء أشهر الكتاب والصحافيين العرب، إلى جانب كونه الناطق باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ورغم حياته القصيرة المنقضية بتدبير جهاز المخابرات الإسرائيلية "الموساد" اغتياله في الثامن من يوليو 1972، وكان لايزال في الثلاثينيات من عمره إلا أنه قدم عددا من الأعمال الأدبية القيمة الضاربة بجذورها في عمق الثقافة العربية والفلسطينية وتنوعت ما بين الفكر والروايات والقصص القصيرة.
صدرت روايته "رجال في الشمس" في بيروت عام 1963 وترجمت إلى عدة لغات، وقدمت كفيلم سينمائي بعنوان "المخدوعون" للمخرج توفيق صالح، وحصلت على عدة جوائز.
قدم الناشر للرواية قائلاً : ""رجال في الشمس" هي العمل الروائي الفلسطيني الأول الذي يكتب عن التشرد والموت والحيرة ويطرحها كسؤال تاريخي، فهي رواية قصيرة تستلهم تجربة الموت الفلسطيني وتحيله إلى سؤال يتردد صداه في الصحراء العربية، فتروي قصة ثلاثة فلسطينيين من أجيال مختلفة يلتقون حول ضرورة إيجاد حل فردي لمشكلة الإنسان الفلسطيني المعيشية عبر الهرب للكويت حيث النفط والثروة، وتتمحور الرواية حول هدف الوصول هذا والذي انتهى بموت الثلاثة في نقطة الحدود، يموتون دون أن يقرعوا الخزان، أو يرفعوا صوتهم بالصراخ.
وتعتبر الرواية هي الصراخ الشرعي المفقود، والصوت الفلسطيني الذي ضاع طويلاً في خيام التشرد، وهي كرواية لا تدعي التعبير عن الواقع الفلسطيني المعاش في علاقاته المتشابكة، إنها إطار رمزي لعلاقات متعددة تتمحور حول الموت الفلسطيني، وحول ضرورة الخروج منه باتجاه اكتشاف الفعل التاريخي أو البحث عن هذا الفعل انطلاقاً من طرح السؤال البديهي "لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟".
أبو قيس
تبدأ الرواية مع الرجل الأول "أبو قيس" وهو زوج وأب عاش حياة بائسة، ألقى باللوم على نفسه ذات مرة قائلاً " في السنوات العشر الماضية لم تفعل شيئاً سوى أن تنتظر..لقد احتجت إلي عشر سنوات كبيرة جائعة كي تصدق أنك فقدت شجراتك وبيتك وشبابك وقريتك كلها.. في هذه السنوات الطويلة شق الناس طرقهم وأنت مقبع ككلب عجوز في بيت حقير .. ماذا تراك تنتظر أن تثقب الثروة سقف بيتك ..بيتك؟ إنه ليس بيتك، رجل كريم قال لك أسكن هنا هذا كل شيء وبعد عام قال لك اعطني نصف الغرفة فرفعت أكياس مرقعة من الخيش بينك وبين الجيران الجدد".
تطلع "أبو قيس" إلى الكويت وكأنها الجنة التي يتمنى الوصول إليها "وراء هذا الشط وراءه فقط توجد كل الأشياء التي حرمها".
كان كل ما يعلمه عن الكويت وصله عن طريق صديقه سعد الذي ذهب إليها فعمل سائقاً وعاد بأكياس النقود، وعكف على إقناعه بالذهاب قائلاً: "إذا وصلت للشط بوسعك أن تصل إلى الكويت بسهولة، البصرة مليئة بالأدلاء الذين يتولون مهمة تهريبك إلى هناك عبر الصحراء لماذا لا تذهب؟"، ثم قال " أتعجبك هذه الحياة هنا؟ لقد مرت عشر سنوات وأنت تعيش كالشحاذ..حرام! إبنك قيس متى سيعود للمدرسة؟ وغداً سوف يكبر الأخر" ، أنت مسئول الآن عن عائلة كبيرة لماذا لا تذهب إلى هناك؟"
فكر أبو قيس في أنه رجل عجوز ولن يستطيع الصمود في الصحراء، كان يراوده أمل بعيد بالعودة مرة أخرى إلى أشجار الزيتون العشر التي امتلكها في قريته، إلا أنه قرر الذهاب معتقداً أن حياته الحالية ليست أفضل من الموت، قرر الذهاب للكويت أملاً في تعليم ابنه قيس، وشراء عرق زيتون أو اثنين، وبناء غرفة خاصة بأسرته.
وصل أبو قيس للبصرة وذهب لدكان صغير يمتلكه رجل سمين يعمل في تهريب الأشخاص من البصرة إلى الكويت، طالبه الرجل بخمسة عشر ديناراً مقابل تهريبه وأخذ أبو قيس يساومه من أجل تخفيض المبلغ ولكن قسوة الرجل كانت حاسمة، خرج من عنده ولا يملك سوى دموعه لتخفف ألمه وذله وانكساره.
أسعد.. الرجل الثاني
يطل أسعد الشاب الفلسطيني القادم من الرملة في رواية كنفاني في نفس المكان الذي خرج منه أبا قيس عند الرجل السمين المختص بتهريب الأشخاص إلى الكويت، والذي أخذ يساومه بدوره من أجل تخفيض المال الذي يطلبه، ولكن يختلف أسعد عن أبي قيس حيث أنه خاض هذه التجربة القاسية من قبل وخدعه الدليل الذي هربه من الأردن إلى العراق وتركه وحيداً في الصحراء وأقنعه انه لن يسير سوى قدر يسير حتى يعبر الحدود ثم يلتقي به مرة أخرى، ولكنه ظل هائماً في الصحراء حتى التقطه احد السياح ونجح في العبور به حاجز الحدود العراقي وأوصله إلى بعقوبة.
وفي سبيل ذلك اضطر أسعد للاستدانة من عمه خمسين ديناراً، ووافق عمه أن يعطيها له من اجل أن يبدأ حياته ويتزوج ابنته، لم يفكر اسعد في الزواج منها مطلقاً ، ولكنه شعر كأن القدر ربطهما معاً عندما ولدا في نفس اليوم وقرر الأهل تزويجهما، وشعر أسعد أنها صفقة مهينة كما لو كان عمه قد اشتراه لابنته.
بذل أسعد كامل جهده لمساومة الرجل ولم تفلح كافة المحاولات معه لتخفيض المال عن خمسة عشر ديناراً، أو تأجيل الدفع حتى يطمئن للوصول، حيث خرجت كلمات الرجل حاسمة"لا تضيع وقتك يا بني كل المهربين يتقاضون نفس السعر، نحن متفقون فيما بيننا، لا تتعب نفسك"
مَروَان
"خمسة عشر ديناراً .. ألا تسمع؟" اخترقت هذه الكلمات التي قالها الرجل المختص بالتهريب أذني مروان هذا الفتى الذي يبلغ من العمر ستة عشر عاماً، واضطرته الظروف للجوء لمكتب التهريب أملاً في السفر للكويت ليتمكن من إعالة أسرته التي توقف شقيقه الأكبر زكريا عن إمدادها بالمال بعد فترة من سفره إليها، ثم تركها الوالد أيضاً ليتزوج من شفيقة هذه السيدة المبتورة الرجل وتمتلك منزلاً خاص بها، أملاً في أن يستقر في شيخوخته ويسكن بيت من الاسمنت بدلاً من البيت الطيني الذي يسكنه في المخيم منذ عشر سنوات وليستريح من مسئولية أسرته.
وهنا جاء دور مروان لإعالة الأسرة كما قال له شقيقه فتخلى عن المدرسة وعن طموحه بأن يصبح طبيباً ليأخذ دوره في إعالتها.
لم تكن كلمات الرجل السمين هي وحدها القاسية ولكن الصفعة القوية التي هوت على خد مروان اشد قسوة والتي نالها بعد أن هدده بفضحه عند الشرطة إذا لم يأخذ منه خمسة دنانير بدلاً من خمسة عشر.
خرج مروان من المكتب لا يعرف ماذا يفعل انطلق في الطريق تصاحبه خيبة الأمل، وفجأة ظهر وجه جديد في الأحداث "أبو الخيزران"، الذي استوقف مروان في الطريق ليسأله إن كان يرغب في السفر للكويت، اندهش مروان أولاً ثم اختفت الدهشة بعد أن عرض عليه "أبو الخيزران" تهريبه للكويت، بعد جمع عدد أخر من المسافرين.
تكشف لنا أحداث الرواية تدريجياً عن شخصية "أبو الخيزران" الفلسطيني أيضاً وهو سائق محترف أهلته خبرته في القيادة لأن يحتل مكانة مميزة لدى الحاج رضا هذا الرجل الثري صاحب النفوذ، والذي استمد منه "أبو الخيزران" بعضا من نفوذه وهو ما يجعل السيارة التي يقودها لا تتوقف كثيراً عند الحدود ونقاط التفتيش مثل غيرها، ومما سيسهل عليه الأمر في تهريب مروان ورفاقه عبر الحدود وإيصالهم للكويت.
كان "أبو الخيزران" سائقاً بارعاً خدم في الجيش البريطاني بفلسطين قبل 48 لخمس سنين، ثم تركه لينضم لفرق المجاهدين، ثم تعرض لانفجار شديد، أصيب على إثره إصابة فادحة فقد فيها رجولته، وظل طوال عشر سنوات غير متقبل أنه ضيع رجولته في سبيل الوطن ويتساءل وما النفع؟ لقد ضاعت رجولته وضاع الوطن، وأصبح كل همه بعد ذلك أن يجمع الكثير من الأموال أملاً في الاستقرار جاء على لسانه في الرواية "أريد أن أستريح..أتمدد..استلقى في الظل وأفكر أولا أفكر لا أريد أن أتحرك قط لقد تعبت في حياتي بشكل أكثر من كاف".
رحلة الجحيم
جمعت الأحداث بعد ذلك بين أبي قيس، وأسعد، ومروان وبالطبع الرجل الذي سيتولى مهمة تهريبهم "أبو الخيزران"، وجلس الجميع للاتفاق على خطة التهريب، وشرحها لهم "أبو الخيزران" بأنه سيقوم بتهريبهم عبر سيارة نقل المياه الضخمة، ولكن عند نقطة الحدود سيقوم بإخفائهم في خزانها، لم يكن أي من الثلاثة موافقاً على الخطة نظراً لما يعنيه تواجدهم في خزان مقفل في الصحراء وفي درجة حرارة مرتفعة تجعله أشبه بجزء من الجحيم، وكان أبو قيس أشدهم خوفاً من هذه المغامرة غير مأمونة العواقب والتي لن يحتملها سنه الكبير.
إلا أن "أبي الخيزران" أقنعهم بأنهم لن يمكثوا فيه سوى خمس دقائق قبل نقطة الحدود في صفوان بخمسين متراً، ثم يصعدون إلى فوق مرة أخرى بعد عبور الحدود بخمسين متراً، وفي المطلع على الحدود الكويتية سيتكرر نفس الأمر، ثم لن يلبثوا أن يجدوا نفسهم بالكويت.
صحراء الجحيم
بدأت رحلة الجحيم في أغسطس حيث تبلغ درجة الحرارة ذروتها، وتكاد تشتعل الصحراء من شدة الحرارة، وفضل "أبو الخيزران" أن يسيروا ظهراً لتجنب الدوريات الليلية. تناوب الثلاثة الجلوس في كابينة القيادة فكل فترة ينزل أحدهم ليجلس بجوار "أبو الخيزران" بينما يظل الآخران جالسان على حافة الخزان فوق السيارة.
بعد أن قطعت السيارة مسافة كبيرة في الصحراء القاسية حان الوقت لكي ينزل الثلاثة إلى الخزان، فتحه "أبو الخيزران" فبدا باطنه أحمرا من فرط الصدأ، ثم التفت إليهم قائلاً: "أنصحكم أن تنزعوا قمصانكم الحر خانق ومخيف هنا وسوف تعرقون كأنكم في المقلى، ولكن لخمس أو سبع دقائق، توجد في الداخل عوارض حديدية ، أفضل أن تتمسكوا بها جيداً وإلا تدحرجتم كالكرات"
تردد الثلاثة قبل أن يدخلوا إلى الخزان وقال أسعد بعد أن نظر بداخله "هذه جهنم إنها تتقد"، وبدا على مروان علائم الاشمئزاز والرعب.
انطلق "أبو الخيزران" بأقصى سرعة حتى وصل لنقطة الحدود عند صفوان العراقية، وبالفعل لم يستغرق الكثير من الوقت في إنهاء الإجراءات فمالبث أن خرج وقفز إلى السيارة منطلقاً بأقصى سرعة والعرق يتساقط منه كحبات المطر، وعندما وصل إلى منطقة أمنة سارع بفتح غطاء الخزان، وخرج الثلاثة منه في حالة يرثى لها شاحبي الوجه لاهثين، مغرقين بالعرق، يحاولون التقاط أنفاسهم بصعوبة بالغة، استراح الجميع قليلاً قبل أن يعاودا رحلتهم القاسية مرة أخرى.
لماذا لم تدقوا الخزان؟
ارتفعت الشمس في السماء مستديرة متوهجة، وأخذت السيارة تشق طريقها في الصحراء على الأرض الملتهبة، وقد نال التعب والإنهاك من الجميع الذين التزموا الصمت سارحين بأفكارهم نحو أمالهم، وضعفهم وماضيهم ومستقبلهم.
حان الوقت الآن لكي يعاودوا الكرة بالنزول مرة أخرى لخزان الجحيم، ترددوا قليلاً ثم أقنعهم "أبو الخيزران" أن الأمر لن يستغرق أكثر من سبع دقائق.
وصل أبو الخيزران إلى النقطة الحدودية عند مركز المطلاع وانطلق مسرعاً لإنهاء الأوراق، إلا أن الموظف المسئول ظل يماطله ويضحك ويتمازح مع بقية رفاقه، في حين أكد لهم "أبو الخيزران" أن ليس لديه وقت للمزاح، وأخيراً تناول الرجل الورق ووقعه فاختطفه "أبو الخيزران" وانطلق سريعاً مبتعداً بالسيارة التي أوشك خزانها أن ينصهر من فرط الحرارة.
بعد أن ابتعد مسافة كافية قفز ليفتح الخزان ويخرج الرجال الثلاثة بعد أن امضوا حوالي ثلث الساعة بداخله، نادى عليهم فلم يسمع سوى صدى صوته يرتد إليه قفز إلى الداخل مرعوباً، ليجد الثلاثة بداخله وقد أصبحوا جثثاً ومازال أحدهم متمسكاً بالعارضة الحديدية وقد سقطت رأسه على صدره، شعر "أبو الخيزران"بالاختناق من هول الموقف وتصبب عرقاً، فخرج من الخزان وجسده يرتجف رعباً.
غسان كنفاني
قاد سيارته وقد بدا الليل يخيم، واخذ في نفسه قراراً أن يدفنهم الثلاثة في ثلاثة قبور، ولكنه شعر بان التعب قد أنهكه ولن يتحمل حفر القبور، فكر أن يلقيهم بالصحراء ولكنه تراجع خوفاً أن تكون أجسادهم نهباً للجوارح والحيوانات.
استقر رأيه في النهاية أن يلقي أجسادهم بجوار أكوام القمامة التي تكومها البلدية في أحد المناطق حتى إذا جاء الصباح اكتشفتها وتم دفنها بإشراف الحكومة، ثم صعد للخزان وقام بقذف الجثث الثلاثة، ورصها بحيث تكون ظاهرة لسيارات البلدية عندما تأتي، وشعر بارتياح أن الظلام قد جنبه رؤية وجهوهم، ثم أخذ النقود من جيوب الجثث وانتزع ساعة مروان.
سيطر ألم رهيب على رأس "أبو الخيزران" وشعر برأسه يكاد أن ينفجر وقد سيطر عليه تساؤل واحد "لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟"، وانطلق صوته مدوياً تردد صداه الصحراء لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟ لماذا لم تقرعوا جدران الخزان؟ لماذا؟ لماذا؟.
هنا كنفاني يرمز لغياب الفعل عن الشعب الفلسطيني ، فهو لا يريده أن يموت صامتا ، ولكن أن يتحرك الجموع ويفعلوا شيئا من أجل الحياة .
في الرواية .. يدين غسان كنفاني كل الأطراف التي تسببت في نكبة فلسطين، القيادات العاجزة، والقيادات الخائنة، والشعب المستسلم، والذين تخلوا عن الأرض ليبحثوا عن خلاصهم الخاص!!.


 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات