بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> فنون >>
ظهور قناة الجزيرة غير خريطة الاعلام العربي
  18/07/2009

ظهور قناة الجزيرة غير خريطة الاعلام العربي

يعتبر الإعلام سلطة ثالثة، وإحدى ركائز الديمقراطية الغربية. فمن خلاله يتم فضح الممارسات غير القانونية واللاشرعية واللاأخلاقية واللاقومية للمسؤولين والحكام، وكشف فسادهم وتجاوزاتهم. لهذا فإن الدول المتقدمة تمنح الإعلام مجالا واسعا من الحرية والدعم للنشر والتوعية، لأن الاعتقاد السائد هو أن ذلك يخدم مجتمعا راقيا متقدما وسليما. وهكذا يتم تشجيع إنشاء القنوات التلفزيونية والإذاعية ونشر الصحف والمجلات بمختلف أنواعها، مما يجعلها تتنافس في تقديم الحقائق والكشف عن قضايا الفساد في المجتمع. وقد أدّت حرية الإعلام بمختلف أشكاله إلى إيجاد مجتمعات سليمة ومتطوّرة. كما أن السلطات السياسية والقضائية في الدول الغربية، تتعاون مع السلطة الإعلامية، من أجل تحقيق المصلحة العليا للوطن.
في حين، أن الإعلام في الوطن العربي عموما، يكون تابعا للسلطة السياسية وخادما لها، ينشر أخبارها بل حتى أكاذيبها. رغم تعدّد القنوات الفضائية في الدول العربية، إلا أن مساهمتها في مجالات الشفافية وتنوير أفراد المجتمع، بواقع ما يحصل في المجالات السياسية، ضئيلة تكاد لا تذكر. فهي عادة ما تتحدث عن الإيجابيات والإنجازات وتلخص الثقافة في الغناء والطرب وبعض البرامج الفلكلورية، وتتحدث عن أخبار ومشاكل العالم. بينما تتغاضى عن المشاكل الحقيقية للدولة والمجتمع وسلبيات الممارسات الديمقراطية وانتهاكات حقوق المواطن، إلا بما يسمح به الحكام من حين لآخر.
وهكذا ظهرت قنوات فضائية لتخدير المجتمعات العربية، كقنوات الرقص والغناء، بل وصل الأمر إلى ظهور عدّة قنوات خاصة للشعوذة.
إلا أن أهم إنجاز إعلامي عرفته الساحة العربية في السنوات الأخيرة، ظهور قناة 'الجزيرة' كفضائية مستقلّة بدولة قطر. وهي قفزة نوعية كبيرة، من الإنجازات القليلة التي حققها العرب، والتي فرضت نفسها على المشاهد العربي من المحيط إلى الخليج، بل وعلى مشاهدين غير عرب، خاصة بعد انطلاق قناة الجزيرة الدولية.
وقد فرضت الجزيرة نفسها كصوت عربي ذي مصداقية، يعالج الأحداث الإعلامية من خلال عيون عربية متوازنة، وخاصة من خلال تغطيتها للأحداث الدولية الساخنة، كأحداث الصراع العربي الإسرائيلي، وأحداث أفغانستان والعراق والصومال.
وهكذا تمت تغطية اعتداءات إسرائيل على لبنان، وعلى غزة، وعمليات غزو أفغانستان والعراق، ومعايشة الأحداث، وإظهار صور وبطولات المقاومة ومواقفها السياسية، وهو ما لم يتعوّد عليه المشاهد العربي. وقد دفع كلّ من إعلاميي وطاقم الجزيرة أثمانا باهظة لتحقيق السبق الإعلامي، فسقط منهم قتلى وجرحى وعانى آخرون من الاعتقال، ومنهم 'تيسير علوني' الذي تم اعتقاله بالسجون الإسبانية، و'سامي الحاج' الذي أمضى سنوات من حياته في معتقل غوانتنامو، بسبب عمله الصحافي ونشره لحقائق تصر بعض الدول والدوائر الإستخباراتية الدولية على إخفائها.
وهكذا نجحت قناة 'الجزيرة' في نقل المشاهد العربي بل الأجنبي أيضا إلى ميادين الأحداث، بالصورة والصوت، مما لا يترك مجالا للتمويه وتشويه الحقائق، أو إخفائها، كما تعمل غالبية القنوات العربية العمومية.
وهكذا أصبحنا نشاهد من خلال 'الجزيرة' مجموعة من البرامج التي تنال استحسان المشاهد العربي، بل أصبح يترقبها ومنها: 'الرأي والرأي الآخر'، و'منبر الجزيرة'، و'زيارة خاصة'، و'شاهد على العصر'، والشريعة والحياة'، وغيرها من البرامج المهمة، إلى جانب النشرات الإخبارية والبث المباشر لأهم الأحداث العربية والدولية. وهي برامج تساهم دون شك، في نشر الوعي وإبراز عيوب وجروح الأمة ومظاهر التخلف وصور الاختلاف بين العرب، ومظاهر فسادهم.
إن ظهور قنوات فضائية مثل قناة الجزيرة، جعل المشاهد العربي يتحوّل عن مشاهدة قناته الوطنية إلى الفضائية الجديدة، مما جعل كثيرا من الدول تغتاظ لهذا التحوّل، مما دفعها إلى الضغط على دولة قطر لإسكات صوت هذا المنبر الحرّ، الذي يكاد يكون الوحيد الذي يعمل بمهنية واستقلالية عاليتين، أو الضغط على القناة لتغيير فلسفتها ونهجها في العمل. وهكذا بدأت الضغوط العربية والأجنبية على إدارة ومراسلي وإعلاميي القناة، والسعي إلى التضييق عليهم، وقد حدث أن منعت السلطات المصرية دخول طاقم الجزيرة إلى قطاع غزة بعد العدوان الإسرائيلي عليه، ومنعتها من توثيق آثار العدوان. وقد وصل الأمر إلى المس بالعلاقات بين بعض الدول العربية ودولة قطر، بسبب بث القناة برامج معيّنة أو لقاء مع أحد أقطاب المعارضة، أو إظهار حقائق تريد بعض الدول العربية الحفاظ عليها في الكتمان، وإخفاءها عن شعوبها. وهكذا، فعوض الرّدّ الإعلامي والتكذيب أو التوضيح واستغلال حق الرّدّ، فإن تلك الدول تمارس ضغوطا على دولة قطر، بسبب وجود القناة على أرضها. وبهذا أصبحت دولة قطر ـ مشكورة ـ تتحمل ضغوطا سياسية بسبب قناة 'الجزيرة'، إلا أنها ورغم ذلك، حافظت على نهجها، وبقيت مستقلة في خدمة الإعلام العربي والإعلام عموما.
وقد ظهرت بعض القنوات لمنافسة الجزيرة، التي استبشر المشاهدون العرب بها خيرا، حتى تعم وتكتمل الفائدة. إلا أن هذه الأخيرة لم تتمكن من الحفاظ على مستوى عال من المهنية والموضوعية والحياد والتوازن وأصبحت تعتني بالقضايا الداخلية وتعكس سياسة الدولة التي تخضع لها. فظهر عليها الطابع المحلي والانحياز الإعلامي، مما جعل المشاهد العربي يتخلى عنها وينفر منها. إذ أنها كثيرا ما تدافع عن الحكومات الرسمية العربية، وتقف إلى جانب السلطة الفلسطينية، في وقت يميل جلّ العرب إلى تدعيم قضايا المقاومة والممانعة في فلسطين والعراق وأفغانستان والصومال والسودان، وهو ما جعل تلك القنوات، تفشل في نيل ثقة الأغلبية الساحقة من المشاهدين العرب.
وهكذا ساهمت قناة 'الجزيرة' في إظهار الوقائع والانتهاكات، إلى مختلف دول العالم، مما ساهم في نشر الوعي بواقع الأمور وتنوير المشاهد بحقيقة الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فلو كانت بالعالم العربي قنوات أخرى في مستوى أداء قناة 'الجزيرة'، لتغيرت الأمور إلى أحسن، ولزاد وعي المواطن العربي بواقعه، ولتحسن واقع الآمة العربية، ولفرضت نفسها على الساحة الدولية.

القدس العربي

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات