بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> فنون >>
علي الجندي طائر اللاذقية المسكون بهاجس الموت والهزيمة
  16/08/2009

علي الجندي طائر اللاذقية المسكون بهاجس الموت والهزيمة

ما من شك مثّل رحيل الشاعر السوري الكبير علي الجندي منذ أيام- عن عمر يناهز الثمانين سنة- خسارة للساحة الأدبية العربية، إذ بموته فقدت الأسرة الثقافية صوتا كان ينظر إلى الواقع بعين ثاقبة ، كاشفا عن قدرة عجيبة على درس الأحداث واستشراف المستقبل.
رحل طائر اللاذقية يوم 06 آب/ أغسطس2009 بعد صراع مرير مع المرض، مُعلنا " انقراض جيل كامل من المبدعين والملهمين والمجدّدين في الشعر العربي" كما قــال الشاعرشوقي البغدادي في هذه المنــاسبة الأليمة.. الجندي الذي أعلن- صحبة ممدوح عدوان وعلي كنعان- انحيازه المطلق للحداثة والمعاصرة في الشعر والحياة عموما.
ولد في سلمية عام 1928.. تخرّج في قسم الفلسفة في جامعة دمشق عام 1958، تشبّع بأفكار كانط عن العقل الصافي، وبديالكتية هيغل المثالية، وبعدمية نيتشه الراديكالية متبنيا النظرة السارترية في تشريح العبث، والـــقول إن الكينونة هي شكل من أشكال الغثيان. هنا، لم يعد الخواء حالة كونية كما عبّر" إليوت" و"أدونيس"، بل برز في شعر الجندي بصفته بلوى ذاتية تهدّد الأنا الفردية في الصميم. يقــول:
"صارت الدنيا ظلاما/ صار جسمي فحمةً مشتعلة/ زحفت نحوي الوحوشُ الجائعة/ واستـضاءت بـي عيونُ القَتَلة".
ويعدّ الشاعر الجندي مؤسس المدرسة الحديثة للقصيدة العربية في الوطن العربي حيث أخذ منحى خاصاً به وظل مخلصا به بالقصيدة التي تطورت أواخر الستينيات وبداية السبعينات.
ولعل قصيدته " سقوط قطري بن الفجاءة"* تعتير من أجمل ما قيل في مراثي الوطن، قصيدة أسكنها كل أحزانه بُعيد النكسة المشؤومة، يقول:
" وداعاً يا ديار العزّ والمنفى ، ويا قبر الهشيم الرطب ، يا لحم الأعاصير الخرافية..وها أنا ذا أجيء إليك يا بلدي من الصمت ، محملة غصون شبابي المضنى بأثمار تفيض بنكهة الموت "وماذا بعد؟ ماذا بعد؟ حسبي في هواك المرًّ أني السيد العبدُ وحسبي أنني أحيا فقيراً معوزاً في الكون لا أملك ، ولن أملك سوى من أرضك المعطاء ما يحتاجه قبري".
ومن يقرأ تجربة الجندي سيكتشف قاموساً من الحزن و الخوف والانكسار والهزيمة والموت، حتى وهو يكتب عن الحب والمرأة. يقول في قصيدة "وردة العقل":
" و.. جاءتني لكي ارسمها ، أعشقها ، فتنة/ حاملة عبء سني النوم والموت وحزن العري في صحارى البلد الموحش/ جاءتني .. أعادت النوم للخلف/ وردت شعرها نحو سحيق الحب.. لا تفتأ تحكي لي أساطير عن الموت/ خرافات عن النوم خلال الرمل / يا وردة الرمال البكر من أين تعلمت البكاء؟"
ويقول في مجموعته الشعرية "النزيف تحت الجلد":
" متعب بالبلاد التي طال فيها حنيني إليها
ومرهق من ترابها الذي صار في العين شوكا
وتحت اللسان حليباً وخبزاً مريرا".
هذا الندب وهذا الجوّ الفجائعي وهذا الحزن الكامن في أعماق الشاعر، هي التي صنعت مفردات القصيدة ، فصارت مرثية للبلاد أو الوطن حتى قال عنه ممدوح عدوان: "إن أول حرف من اسم علي الجندي هو الوطن".
جيل الستينات كان جيلاً محكوماً مسبقاً بواقع الهزيمة التي دمّرت أحلامه ، هذا الجيل كان يرثي البلاد ونفسه.
يقول علي الجندي في "صلاة لزمن يجيء":
"أرى الوطن المتبحر في القهر يغرق ، يوشك أن ينتهي
في القرار العتيم
أرى الوطن ، القهر يغدو سلافة أرض ، بقايا بلاد ، تُرسب
ملجأ يتم عقيم
دعوني أرى وطني ، وطني لم يعد وطني".
الهاجس الثاني والأقوى في شعر الجندي كان الموت - وهو هاجس معرفي وانطولوجي في آن معاً – إذ شكل أحد الملامح التراجيدية في شعره وفي شخصيته ، كان يقول:" أنا لا أخشى الموت ، لكنني لا أحتمل الشيخوخة ، لذلك لن أشيخ". كان يرغب أن يموت واقفاً ، لكن الزمن والجسد خذلاه ، فهاجر صوب البحر" اللاذقية" و هو المولود في برج الصحراء ، هاجر إلى البحر ليطير بجناحي سنونوة باتجاه الشعر ، أو ليموت واقفا في قصيدته ، فنراه يتحدث في مقدمة ديوانه "طرفة في مدار السرطان" ، دمشق 1979 ، كيف هوى طرفة يافعا بينما هو يشيخ ، لكن السرطان الذي يعترض حياتهما أبدا يوحد بينهما.
ومن ديوانه "صاررمادا" نقرأ هذه الصورة الباردة للموت باعتباره الشط الآخر للوجود أو الوجه الثاني للحياة:
"وأوراق الشجر يلفها لون أربد أجريّ أجوف
وذهول يحبس أنفاس الأشياء
ويخرس حتى تمتمة الغدران ... أهو الخوف؟ الموت الشط الآخر؟ "
بينما في قصيدة "نخب البشرى" ينعى لنا نفسه المترسبة في قعر الكأس ولكنه يخجل من رؤية دموعه في المرآة أو ربما كي لا يرى نفسه وهو يتأمل مستقبله الملوي، فيحكي لأصحابه القصص السكرى ويشرب على نخب البشرى أو ربما الخلاص:
"وأكتم آهاتي في صدري ، أبكي في صمت
خجلاً من أن ألمح في المرآة دموعاً في أجفاني
أتأمل مستقبلي الملوي العنق بقعر الكأس
أحكي للأصحاب القصص السكرى
أرفع كأسي مبتسماً في حزن
نخب الصمت الجارح يا أصحاب الموت المقبل
نخب البشرى".
ويبدو أن الشاعر في ديوانه الأخير "سنونوة للضياء الأخير" الصادر في بيروت عام 1990 ، قد قرر أن يستسلم ويعلن هزيمته "أسلمت نفسي للزمن" وأن يهجر دمشق وما تمثله من ذاكرة وعلاقات ونمط حياة كي يعتزل في اللاذقية قريباً من البحر.. أو أنه كان ينتظر هناك طائر الموت ، أو هو يهرب منه أو من ذاته إليه؟ يقول:
"إلى أين المفر؟
كل مجر الموت قدامك والماضي وراءك
أنت لا تهرب من ماضْ
ولا من مقبل أسود
بل تهرب من أعماقك المشتعلة".
قال في حوار متأخر معه سنة 2000: " كان يخطر على بالي أن أكون صحفياً أو ممثلاً ، لكنني فشلت إلا أن أكون شاعرا " بمعنى القدرية التي قادته إلى هذا المصير ، لذلك نراه مبتعداً عن مكاسب الشهرة والسلطة ، بل هي ابتعدت عنه. ولم يحظ هذا العملاق إلا بتكريم متواضع في بلدته سلمية سنة 2007 ، وبمبادرة من بعض الأصدقاء في المركز الثقافي في سلمية وفي دار الجندي للطباعة والنشر ، التي أعادت طباعة أعماله الكاملة مؤخراً. حتى أن تشييعه في مدينة سلمية خلا من أي وجود رسمي. واكتفى اتحاد الكتاب العرب بنعوة مختزلة ، مع أن الجندي كان أحد أهم مؤسسي الإتحاد سنة 1969 وشغل منصب نائب الرئيس.
رحل الجندي وترك أعمالا غزيرة لخزانة " ديوان الأدب العربي" وهي الآتية:
1- الراية المنكسة - شعر - بيروت 1962.
2- في البدء كان الصمت - شعر - بيروت 1964.
3- الحمى الترابية - شعر - بيروت 1969.
4- الشمس وأصابع الموتى - شعر - بغداد 1973.
5- النزف تحت الجلد - شعر - اتحاد الكتاب - دمشق 1973.
6- طرفة في مدار السرطان - شعر - اتحاد الكتاب - دمشق 1975.
7- الرباعيات - شعر - بيروت 1979.
8- بعيداً في الصمت قريباً في النسيان - شعر - بيروت 1980.
9- قصائد موقوتة - شعر - بيروت 1980.
10- صار رماداً - شعر - اتحاد الكتاب - دمشق 1987.
11- سنونوة للضياء الأخير - شعر - بيروت 1990.

قد تكون حياة الجندي أقوى من نصه، وأكثر غنىً وجاذبيةً، هو المحاور الظريف، والمتحدث البارع، والسارد المبهر، لكن تبقى لقصيدته نكهة خاصة، تتمثّل بالتمرد المعرفي، وحتى الفلسفي، الذي كاد يفتقد إليه الشعر العربي الحديث. ويكفي أن خطابه الشعري ظل متماسكاً، على مدى خمسين عاما.


* هو أبو النعامه قطري ابن الفجاءة المازني التميمي.
من فرسان الأزارقة الشراة وشجعانهم، وحينما توفي زعيمهم سنة 68 للهجرة بايعه الأزارقة أميراً عليهم، ولشجاعته وبسالته في المعارك سموه أمير الموت. سيّد وفارس شجاع مقدام وخطيب بليغ وشاعر حماسي وفلق، تميمي، مازني من ذوي النجدة والمروءة، من أهل القرن الأوّل للهجرة.
العرب أونلاين - شــادي زريـبي:

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات