بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> فنون >>
نزاعات في العائلة الرحبانيّة ... مَنْ الرابح؟
  01/02/2010

نزاعات في العائلة الرحبانيّة ... مَنْ الرابح؟

حين قلت للناقد اللبناني محمد دكروب إنني أفكر في إصدار كتاب عن الراحل عاصي الرحباني، سألني ولماذا ليس عن عاصي ومنصور سوياً؟ بالطبع فكرت قليلاً بكلامه، سألت في قرارة نفسي لماذا الانجذاب إلى عاصي أكثر من منصور، ما سبب حماسة كتاب وشعراء كثيرين إلى عاصي أكثر من منصور؟
سر ما يجعل بعض أهل الثقافة يميلون إلى عاصي أكثر من شقيقه، سر فيه من الوهم أكثر من الحقيقة، ربما لأن عاصي كان أكثر درامية في حياته ومات في عمر مبكر، كانت حياته أقرب من الشخصيات الأسطورة، واكتملت الأسطورة بموته الصاعق في خضم الحرب الأهلية، فهو الذي انفجر دماغه في المرة الأولى مع بداية الحرب، ثم رحل تاركاً صدمة كبيرة في الجمهور اللبناني. هنا بقي الالتباس، وبقيت التداعيات الكلامية وكتابة المراثي والمدائح والتوهمات، وجاءت أعمال منصور المسرحية مع أولاده لتزيد الأوهام - التخيلات!! قد يحب المرء عاصي أكثر من منصور أو العكس، لكن يصعب الكلام عن منصور وحيداً، مثلما يصعب الكلام عن عاصي وحيداً. ما قيل في عاصي يُقال في منصور. فهذان الشقيقان اللذان جاءا إلى عالم الفن من مهنة «الشرطة»، أحدثا ثورة في عالم الموسيقى والغناء، واستهلا مرحلة سمياها بإسميهما، مضافاً إليهما اسم المطربة فيروز التي تردد أنهما صنعاها، ويقول الشاعر أنسي الحاج إن الرحابنة لم يصنعوا فيروز وإنما استثمروا ما هي عليه .
قال دكروب إنه لو مات منصور قبل عاصي لربما حصل الأمر نفسه في تعامل بعض الكتاب مع عاصي، وما ينبه إليه دكروب أنه لا يمكن فصل «الأخوان رحباني» عن بعضهما، فهما مكملان لبعضهما في الشعر والموسيقى، الواحد منهما لا يطير من دون الآخر، والواحد منهما فينيق الآخر. حين قدّم منصور مسرحياته مع أولاده، بدا للنقاد أنه تنقصه روحية عاصي، ولو بقي عاصي وقدم أعمالاً جديدة سيقال الكلام نفسه. لكن من يقتنع بذلك الآن، خصوصاً في زمن النزاعات والتحزب والعصبيات الضيقة والنرجسية والتكابر.
ما يمكن قوله إنّ النزاع الرحباني ظهر جلياً بين أبناء الرحبانة (أبناء منصور من جهة وريما ابنة عاصي من جهة ثانية). في البداية كان النزاع كالجمر تحت الرماد، وأتى قرار وزارة التربية اللبنانية بتضمين «الفن» الرحباني مناهجها التعليمية شقاقاً عائلياً متأرثاً إلى العلن، اتهمت ريما الرحباني عمها الراحل وأولاده بعده بالتعمية على ذكر عاصي أبيها، وصولاً إلى طمس اسمه في قرار الوزارة.
صرح الشاعر عباس بيضون: «أن يُنسى اسم عاصي عن سهو أو غير سهو، وأن تملي المجاملة قراراً غير واضح بالتضمين والتخليد للفن الرحباني أو لمنصور الرحباني، فيعتبر هذا نهاية المطاف وترفع له آيات الشكر، فهذا يعني أن الجميع، من أهل وغير أهل، لعبوا عائلياً واجتماعياً بتراث ليس من أملاكهم. تحسن النية، لكن هذا لا يمنع من أنّ أمورًا كثيرة، شأنها أنّ كل أمورنا اليوم، تساس بخفة وتحت وطأة متطلبات سريعة وآنية». وكتبت هيام قصيفي: «عاصي ومنصور ليسا ملكًا لأحد وليسا إرثًا عائليًّا خاصًّا ينتظر الجميع وضع اليد عليه! عاصي ومنصور ليسا قطعة أرض ولا بئر مياه ولا جلال زيتون يتنازع ملكيّتها الأبناء والأحفاد! وهما بالتأكيد لم يعلّما أولادهما أن يتقاتلا على ما لم يتعبا في تحصيله، وإن كانا فعلاً ذلك فلا نحن من أتباعهما ولا من عاشقي شعرهما وموسيقاهما ومسرحهما!». بالطبع، ليس جديداً الصراع على الشخصيات الثقافية، ليس جديداً تناتش الجماعات في أصل الشخصيات الثقافية وفصلها، فمن يقرأ النزاع حول جبران يعرف الطامة الكبرى، ومن يتابع الصراع حول الشاعر الفلسطيني محمود درويش بعد وفاته يضع رأسه في الرمل، بل من يقرأ الجماعات السياسية والثقافية كيف تصنف فيروز، وكيف تنسبها في هذه الموجة أو تلك لاستنتج جوهر الفداحة.
الغريب أن بعض الرحبانة ينظر الى الصحافة باستعلاء، يحب الصحافي خادماً أو بوقاً في أروقته وكواليسه، يمتعض من مجرد التلميح إلى «النزاع الرحباني»، ربما لأن هذا البعض يريد احتكار النقد لنفسه أو يعتبر أنّ من يقوم به مقدس. بالطبع لم يسقط اسم عاصي من المنهج التربوي سهواً، وليس بمقدور أحد إسقاطه بهذه السهولة، والقضية أن الأخوين رحباني يحتاجان شخصاً مستقلاً وعلمياً للنظر في تراثهما، وليس التعاطي مع هذه الظاهرة بطريقة متشنجة، فما يحصل في العائلة الرحبانية هو التشنج الخفي أو الصراع المضمر.
تهميش
اتهمت ريما أبناء منصور بمحاولة تهميش دور عاصي، فلجأت إلى تصوير فيديو وثائقي بعنوان «كانت حكاية» مدّته 51 دقيقة، تصوغ فيه خط تواصل بين والديها اللذين باعدت بينهما 23 سنة من الانفصال. وإذا بالكلام كله عن عاصي وعن فنه وعبقريته ومزاجه وصدقه الفني... وكانت مهمة الابنة العثور على كلام مسجل ونادر لعاصي يشكل أرضية لحوار نموذجي بين الأخوين، وهكذا كان. المفاجأة كانت في حديث فيروز التي تتحدث الى الكاميرا نادراً وهي لا تحب الأحاديث، وقد أثنت على دور عاصي وشخصيته على رغم ما قيل عن نزاع بينهما، وما كتب عن العلاقة المتوترة التي أمضتها فيروز في كنف زوجها عاصي.
استنفر الشريط أولاد عم ريما منصور وكان السؤال كيف يغيب الكبير منصور عن مناخ الحديث وهم أصلاً ثلاثة (منصور وعاصي وفيروز) يستحيل فصلهم الواحد عن الآخر. وتذكر المتابعون ما كان حصل قبل ذلك بفترة، حين صدر مرسوم عن وزارة التربية في لبنان يقضي بتشكيل لجنة لتخليد فن منصور الرحباني وأدبه والعائلة الرحبانية في المناهج والأنشطة التربوية، من دون الإشارة الى اسم عاصي.
هل يمكن القول إن النزاع الرحباني أصبح مسرحية درامية يمكن كتابتها، وتتجلى أهميتها في أن الأخوين رحباني قدما تراثهما كأنهما شخص واحد، وجاء الورثة وكأنهم يحاولون شطر هذا التراث مع أنه لم يعد ملكهم.
ما لا يعرفه كثيرون أن الصراع بين فيروز والأخوين رحباني، والصراع، الأكثر شراسة، بين فيروز ومنصور، ليس وليد الساعة، ففي نهاية السبعينات بدأت المشاكل داخل الأسرة الرحبانية وأدت في النهاية إلى الانفصال الزوجي التام بين فيروز وزوجها عاصي، وتالياً بينها وبين الأخوين فنياً عام 1979. استمر الرحبانيان، فقدّما مسرحيتي «المؤامرة مستمرة» عام 1980 ثم «الربيع السابع» عام 1984، لكن صحة عاصي بدأت بالتدهور سريعاً فدخل في غيبوبة إلى أن لفظ أنفاسه الأخيرة يوم 21 يونيو (حزيران) - 1986. اهتزت المؤسسة الرحبانية إثر وفاة عاصي، لأنها قامت على تأثيرات متبادلة ومتباينة ومتفقة بين الشقيقين. طرحت «صيف 840» أسئلة كئيبة حول علاقة الأخوين بنصها. راح الكلام يتردد، بأن النص كُتب شراكة بين الأخوين، ووجد المهاجمون ثغرة يتسللون منها الى الحصن الرحباني، فضلاً عن أن المسرحية وقِّعت باسم منصور مهداة الى ذكرى عاصي. ما فعله ورثة منصور أنهم قدموا المسرحية بأشكال جديدة، يريدون القول إنّ لديهم جديدهم المختلف عن الإرث العائلي.
لا شك في أن صفحة النزاعات في الوسط الفني اللبناني تحتاج من يلقي الضوء عليها. قيل الكثير عن محاربة الرحابنة للفنان زكي ناصيف، لكن هذا النزاع بينهما بقي مضمراً، لم نقرأ تفاصيله في كتاب. في أحد الأيام زرنا ناصيف في بيته في عين الرمانة (بيروت) فألمح إلى أن الرحابنة يوظفون شاعراً لبنانياً معروفاً ليكتب ضده، والشاعر نفسه الآن كتب مع فيروز ضد منصور. كثيرة هي الصفحات الفنية التي ينبغي الكتابة عنها، سواء عن نزاع فيروز مع عاصي أو منصور، أو نزاع صباح مع وديع الصافي أو نزاع الصافي مع الرحبانة... وذلك كله يحتاج بحثاً وتدقيقاً، ربما لإنصاف الجميع
موقع انفورمرسيريا

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات