بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> فنون >>
فيلمون وهبي سبع الأغنية وشيخ الملحنين
  30/06/2010

فيلمون وهبي سبع الأغنية وشيخ الملحنين

بيروت ـ مرّت الذكرى الـ 25 لرحيل عملاق النغم الفيروزي الذي أغمض عينيه بعد نصف قرن من الزمن، وكأنها البارحة.
يوم توقف قلب فيلمون وهبي توقف العقرب الكبير للساعة الرحبانية.
وإنكسر جناح آخر من أجنحة المدرسة الرحبانية. إلاّ أن رسالة الرحابنة ستظل مدرسة شامخة كأعمدة بعلبك.
فيلمون وهبي فنان شامل، ملحن وممثل ومونولوجيست لم يأت الزمن بمثله، هو أكبر من أن يحصر بفن المونولوج فقط، نجح في اختراق الطوق الرحباني حول السيدة فيروز ولحن لها عدد من الأغاني أكثر من أصابع اليدين.
إسمه فيلمون بن سعيد وهبي (1918-1985) من مواليد كفرشيما، راح يلحّن وهو بعد فتىً لمّا يتجاوز السنّ القانونية يعمل في إذاعة القدس ملحّناً ومغنياً.
انتقل في أربعينات القرن الماضي الى إذاعة الشرق الأدنى حيث كان من المقدّر أن يلتقي وديعا، الذي كان طفق يغني في كلّ واد، يتبعه مريدوه مشياً على الأقدام من بلد الى بلد.
هناك ، في اذاعة الشرق الأدنى، بإدارة المخرج الفلسطيني صبري الشريف، اجتمع في مطلع الخمسينات رهط من الموهوبين صنعوا في سنين معدودات ما يسمّى اليوم الأغنية اللبنانية، ضمّ الرحبانيين وزكي ناصيف وتوفيق الباشا وحليم الرومي ووديع الصافي وفيروز وصباح ونصري شمس الدين الى جانب فيلمون وغيره .
وإئتلف فيلمون مع الباشا وناصيف والرحبانيين في "عصبة الخمسة" تحت رعاية بديع بولس صاحب استوديو الفنّ ونشطوا في تعزيز هذا البنيان الذي أضحى صرحاً في غضون عقد واحد.
فيلمون وهبي فنان لبناني قدير لم يدرس الموسيقى أو قراءة النوتة. إلا أن ذلك لم يمنع موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب من أن يستوحي لحن أغنيته الشهيرة "الدنيا غنوة" من أغنية فيلمون "يا با قلبي".
كان الوحيد الذي تغني له فيروز لحناً واحداً على الأقل في مسرحياتها الاستعراضية وخاصة على خشبة قصر البيكاديللي، كما برع في التمثيل على المسرح الرحباني إلى حدّ وصفه النقاد بـ"العمود الفقري" للمسرح الرحباني لاسيما في شخصية سبع.
وكان عاصي يغازله بـ"فاكهة المسرحيّة اللذيذة"، فيما إعتبرته فيروز بـ "سبع الأغنية وشيخ الملحنين".
من ألحانه الخالدة: عالطاحونة ـ أنا خوفي من عتم الليل ـ يادرارة دوري ـ يامرسال المراسيل ـ فايق ياهوى ـ كرم العلالي ـ من عز النوم ـ طيري ياطيارة على جسر اللوزية ـ البواب - ورقو الأصفر - لما عالباب - ياريت منن - زهرة الجنوب (أسوارة العروس)- طلعلي البكى- بليل وشتى... وغيرها.
من أظرف السكتشات الرحبانية التي شارك فيها فيلمون في الخمسينات، أيام سبع ومخول، أي فيلمون ومنصور الرحباني، ومعهما يغني نصري شمس الدين "بحر الستات" (رايحين تنتفرج عبحر الستات/ رايحين تنتغزّل عحدود الموجات / ونقعد بالشمسات/ ونزور السمكات/ رايحين تنتفرج عبحر الستات) .
ومن أجمل القصص المميزة أيضا، ونقلت عن الشاعر البعلبكي طلال حيدر أنه كان مع الراحل فيلمون وهبي وزياد الرحباني، في ليلة من ليالي الاجتياح الاسرائيلي لبيروت عام 1982.. كان الثلاثة في غرفة اشبه بالقبو، فيما كانت الطائرات الاسرائيلية تقصف وبيروت تئن، كان عليهم أن يخترعوا مقاومتهم للحرب.. صرخ فيلمون وهبي :"ما فينا نهزمهم بدموعنا.. بس فينا نهزمهم بفرحنا". ارتجل طلال حيدر الشعر، وارتجل فيلمون وهبي اللحن على عوده، واشتعل الجميع غناء ورقصا.. زياد الرحباني لم ينس في تلك اللحظة أن يدير جهاز التسجيل الذي سجل جميع الأصوات : الخالد منها والزائف.. أغنية الباقين وأزيز طائرات العابرين.
فيما بعد نسي الشاعر كلماته، ونسي الملحن لحنه، لكن جهاز التسجيل لم ينس شيئا: بقيت الأغنية في أدراج زياد الرحباني حوالي العشر سنوات.. استعادها بعد أن نقاها من شوائب اللحظة ومنغصاتها.. أعاد توزيعها، لتغنيها فيروز لأول مرة في بداية التسعينات، في الشريط الذي أهدته الى الراحل فيلمون وهبي. "يا رايح" كانت عنوان الشريط، وكانت الأغنية الافتتاحية:
« يا رايح صوب مشرِّقْ / مشرّقْ ما بو ربيعي
راحوا يرعوا غنمهن / والعِشِبْ فوق ضْلوعي»
ومن بعدها ، توقف أزيز الطائرات، وانطفأت الحرائق.. ذهب المخربون جميعا، وبقيت الأغنية!!
رحل فليمون وهبي - عام 1985 بعد صراع مرير مع مرض عُضال في صدره ، فقد كان مُدَخناً شرهاً للسجائر... رحل وتركَ إرثاً فنياً عظيماً لا ولن يُمحى من ذاكرة الأجيال.
في ذكراه الـ25، ستظل الأجيال الطالعة تردد صدى ألحانه الرائعة (وقفشاته) الساخرة على معبد جوبيتير في مدينة الشمس، تلك المدينة التي حضنت عبقرية إبن كفرشيما الذي دخل قلوب الجماهير دون إستئذان وستظل قهقهاته ترن بين جدران المدينة وسائر المدن التي أحبته.

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات