بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> فنون >>
أم كلثوم رحلت في الوقت المناسب
  02/09/2014

أم كلثوم رحلت في الوقت المناسب

أحمد مجاهد العزب


كانت تغني “أغدًا ألقاك” .. تحديدًا الكوبليه الأخير:

قد يكون الغيب حلوًا
إنما الحاضر أحلى
هكذا أحتمل العمر نعيمًا وعذابا
مُهجة حرى وقلبًا مسّه الشوق فذابَ
مع نهاية الأغنية أُسدل الستار، لكن التصفيق لم يتوقف، ظل أكثر من دقيقتين، ومع كل ثانية تزداد قوته وحدته، بجانب صيحات الجماهير الراجية أن تعيد “الست” من جديد أنشودتها.
ظننت كأي متابع عادي – لم يتمكن من الاستمتاع بمثل هذه الحفلات إلا عبر التلفزيون أو الراديو – أن أم كلثوم تركت المسرح ولن تعود، وأن ما يفعله الجمهور ما هي إلا محاولات لإثبات حالة العشق، فكيف تتحمل عناء إعادة أغنية تخطت الساعة!
لكن كعادة المبدعين يفاجئوك بما هو أكثر..
وجدت يد أم كلثوم تزيح الستار بنفسها، لتكشف عن فرقتها من جديد، ويزداد التصفيق، فتقف منحنية أمام الجمهور، ثم تشير للفرقة، فيهدأ الجميع، وتبدأ من جديد رحلة الطرب والمُتعة.
لا أتعجب في الحقيقة من الطاقة التي تدفع أمثال “الست” وغيرها لإعادة أغنية مدتها تتعدى الساعة، دون ضيق أو ملل، أو حتى ملامح إرهاق صوتيّة أو بدنيّة .. فبمنتهى السعادة والحب تبدأ القصيدة ولا تبالي.
كان هناك مستمع ذوَّاق، يُقدر وجود قيمة وقامة فنية بحجم أم كلثوم، تمنح نفسها يومًا بعد يوم شبابًا وقدرة من خلال هؤلاء المستمعين، بحيث تمكنها من الغناء بشكل متواصل حتى لو استمرت الحفلة لفجر اليوم التالي.
العمل الإبداعي يحتاج إلى تكامل أطراف المعادلة، ليس فقط فنان حقيقي، بل أيضًا جمهور حقيقي قادر على الانتقاء والفرز للإبقاء في النهاية على من يستحق “السوكسيه”.
يقول الفيلسوف والكاتب الإنجليزي “فرانسيس بيكون”، إن المعيار الحقيقي لحضارة الشعوب يقاس بمدى ازدهار الفنون فيها، ولا توجد حضارة حقيقية لا تغمس الإنسان فى بوتقة الفن، فالفنان هو ضمير الإنسانية ونبراس رحلتها الملحميّة، وعلى الجميع التكاتف ضد الهجمات البربرية والتي تعاني منها مجتمعاتنا التي تحبو ثانية نحو الحضارة.
بهذه الكلمات يصبح الأمر واضحًا للجميع، فلا وجود لفن حقيقي في مجتمع هش، سطحي وساذج، لا يعي أهمية العمل الإبداعي بالقدر الذي يمكنه من المقارنة والانتقاء بين الفن القادر على بناء حضارة، والعك الهدَّام.

الكارثة أصبحت أكبر وأكثر إيلامًا، والواقع بات مُرًّا مرارة العلقم في الحلق، فلا عاد هناك فن، ولا فنانين – اللهم إلا تجارب فردية محدودة – لأن باختصار لم يعد هناك جمهور قادر على الانتقاء والفرز، والتمييز بين ما هو بنَّاء، والمسخ، لذلك فكل الأسئلة الباحثة عن أسباب اختفاء نماذج كأم كلثوم وغيرها من مجتمعاتنا، إجابتها معروفة: “من نحن بالأساس؟”.
أتذكر مرّة كنت عائدًا فيها من عملي في ساعة متأخرة، واستوقفت “تاكسي”، وأخذنا الحوار حتى قلت له في سياق الحديث أنني تربيت في بيت فنان تشكيلي، فنظر نظرة متعجب وقاطعني: “لا مؤاخذة، يعني إيه فنان تشكيلي؟!” .. حاولت أن أقرب المسافات فأخبرته أنها تعني “رسَّام” .. فضحك وقال: “نقاش تقصد”.
لم أهتم بكونها مزحة أم لا، لكن كان سؤاله: “يعني إيه فنان تشكيلي؟” جادًا جدًا، وهو أمر بلا شك يحتاج للتأمل، وقتها تذكرت تلخيص الفنان الفرنسي “ماتيس” لكل الأمور عندما قال “الفن هو تعبير”، فإذا كان الذوق العام مُتدنٍ، وحالنا وثقافتنا في قاع القاع، فأي تعبير سينقله الفن؟! .. الإجابة واضحة: “أم كلثوم رحلت في الوقت المناسب”.

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات