بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> فنون >>
تعال الى الحياة تعال الى فيروز
  22/11/2014

تعال الى الحياة تعال الى فيروز

 القاص والكاتب الفلسطيني زياد خداش

هي ذاتها الدهشة، هي ذاتها الطزاجة.
كيف يمكن ان نصدق ان فيروز بلغت من العمر السبعين؟ كيف يمكن ان نسمح لاحد بان يزعم ان فيروز هي امراة عادية زمنية، مثلنا كانت طفلة فشابة فكهلة واخيرا صارت مسنة؟ اي صفاقة يتمتع بها هذا الشخص الذي يرى في فيروز ما رآه ابن خلدون في الدول؟ ما الذي يمكن ان يقال في فيروز؟ ما الذي يمكن ان يقال في الله او الماء او الشمس او المطر او الطفولة او الموسيقى او الحب او محمود درويش؟
لا نحن لا نستطيع ان نعرف الحب او الشعر، انا لا اعرف لماذا تعجبي هذه البنت ولا تعجبني تلك، وصديقي صالح يستغرب كيف اني اذوب واتهاوى امام ابتسامة امراة ما يراها هو عادية جدا، لا استطيع ان اقنع صديقي باحساسي لانني انا نفسي لا افهم هذا الانخطاف الذي يحصل لي . الشعر ايضا لا نستطيع ان نعرفه، انه يجبرنا على الاندهاش و الرقص او النشوة، لكننا لا نعرف لماذا، ايضا نحن لا نستطيع ان نعرف فيروز.
هي مثل الحب والشعر.
لا توضع في قوالب ولا تمسك في حدود، ولا يحاط بطاقتها،
نحن هنا رهائن أحاسيس فحسب، اسرى غموض، احيانا نحن نستعذب هذا العجز عن تحديد وفهم هذه الظواهر، لان اللامعرف وحتى اللامسمى اقرب للاثارة الذهنية و للجمال واللذة.
اجمل وانبل انواع العماء هو هذا الذي يزودك بالمتعة وانت لا تراه تماما مثل الحب مع ذكرى معتقة وغامقة لاامراة سكن عطرها في قلب البيت، او بيت القلب، ثمة افراد عابرون للزمن والتاريخ والامكنة يتحولون فجاة الى ظواهر مثل ظاهرة شروق الشمس وغروبها، او مجيء الشتاء بعد الخريف او حب الاطفال الغامض للمفاتيح.
أأنقذتني فيروز من موت اخترته بنفسي؟ هل كنت احلم ذلك ام هي حقيقة؟ اهو نادل المطعم الذي انقذني؟ وكانت فيروز تغني بالصدفة؟ لم ادر حتى الان، الصورة ضبابية تشبه نصا هممت بكتابته وزهقت منه او يئست منه ومزقته في شتاء ما، نخر روحي خواء مدمر فركضت نحو جبل قرنطل في اريحا الخالدة، وقفت خلف السور، رفعت قدمي اليمنى، مستعدا للسقوط الجميل.
جأة سمعت صوت فيروز يقف معي مستعدا هو الاخر للقفز؛ "انا اللي بيسموني الملكة، بالغار متوج زمني مملكتي ما فيها بكي وجبيني ما مرا حني"..
تجمدت قدماي على السور، لم استطع التحرك، وكأن يدا عملاقة تمسك بجسمي كله،
شعرت بشخص يقف خلفي، يمد يده وكأنه يقول: كيف تترك زمنا تعيش فيه هذه السيدة؟ فيروز لا تعيش في الموت، هي ابنة الحياة،
تعال الى الحياة تعال الى فيروز
سقطت قدماي عن السور
مشيت باتجاه المطعم بجانبي تمشي فيروز بصوتها وكلماتها ورنين يديها
مشيت باتجاه حياتي وواصلت سنيني
من منا لا يعتقد او لم يعتقد ان فيروز صديقته الشخصية وانها تغني له وحده؟
من منا لم يشعر ان فيروز تغني حنينه الى حبيبته المفقودة؟ وفرحه وذهوله لحبيبته الراسخة في حياته؟
كم علاقة حب على هذه الارض كانت تقف على ابواب خراب فجاء صوت فيروز واصلحها واعاد لها نسقها؟
كم علاقة حب لم يكن مقدرا لها ان لا تصير او تحدث لو لم يأت صوت فيروز ويمنحها ما تحتاجه من كيماء وسقاية مشاعر ودوافع؟
كل الناس يحبون صوت فيروز، هذا الصوت لا يغني للمثقفين فقط انه يغني لكل الاعمار، والفئات تماما كشعر محمود درويش.
شعر محمود يخطف قلوب وعقول المثقفين والناس العاديين، لذاك نجد في امسياته الطالب
والطبيب وربة البيت والكوافيرة والعامل والتاجر والمثقف.
وهكذا هو صوت فيروز نعثر عليه في سيارة الاجرة، وفي البيوت والمحلات والقصور.
لماذا ارى تشابها وترابطا غريبا بين شعر محمود وصوت فيروز؟
الانهما اهم ما يمكن ان نباهي بهما الامم في هذا الزمن العربي المختل عقليا؟
ما الذي يمكن ان نقوله لمستشرق حاقد حين يتهمنا بالضحالة الحضارية الان؟
هل هناك أحبّ الينا من فيروز ومحمود درويش نهرع اليهما صائحين هنا حضارتنا هنا روعتنا هنا جمالنا؟
فاذهب الى خيبتك ايها المستشرق!

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات