بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> فنون >>
الفيلم الاسرائيلي «أصوات بلا رقابة»: السلطة مفسدة في إسرائيل والبلاد ا
  01/02/2015

الفيلم الاسرائيلي «أصوات بلا رقابة»: السلطة مفسدة في إسرائيل والبلاد العربية


حسام عاصي


لوس أنجليس – «القدس العربي» في غياب للأفلام التسجيلية العربية التي كانت عادة تسلط الضوء على صراعات الشرق الاوسط ومشاكله السياسية والاجتماعية الشائكة، توجهت الانظار في مهرجان «صندانس» هذا العام الى الفيلم التسجيلي الاسرائيلي «أصوات بلا رقابة»، الذي يكشف عن جرائم بشعة ارتكبها جنود الجيش الاسرائيلي خلال حرب الايام الستة عام 1969 التي انتهت باحتلال اسرائيل للقدس، والضفة الغربية، وغزة، وسيناء والجولان، من خلال اعترافات ادلى بها بعض الجنود من الكيبوتسات الاسرائيلية في لقاءات مع زملائهم – منهم المؤلف المشهور عاموس عوس- بعد 10 أيام من انتهاء الحرب. وهذه المرة الاولى التي سمح فيها الجيش الاسرائيلي بنشر هذه اللقاءات.
بينما كان الغرب يمجد بطولاتهم ويمدحهم على دحر الجيوش العربية «الهمجية» بسرعة هائلة، كان الجنود الاسرائيليون مشغولين بقتل الاسرى والمدنيين المصريين والفلسطينيين والسوريين وتشريد أهالي قرى في الجولان وسيناء والضفة الغربية من ديارهم.
وقال الجنود إنهم تلقوا أوامر بان لا يرحموا أحدا وأن يقتلوا أكبر عدد من العرب. ولهذا اطلقوا النار على كل من تحرك إن كان جنديا أو مدنيا. «كنا نشاهد الناس يمشون في مدن في سيناء ونطلق عليهم النار. نراهم يسقطون على الارض ولكن لم يهربوا. فكنا نقتلهم كلهم ولم نشعر شيئا تجاههم»، يقول أحد الجنود.
وكانت الصدمة الاولى لهم عندما واجهوا الاسرى المصريين. «كانوا يتوسلون بنا ويقبلون اقدامنا لاعطائهم الماء. لم يكونوا متوحشين، كما كنا نتخيلهم. وهنا شعرت بالإثم على ما ارتكبناه من قتل. ولكن في الوقت نفسه كنت اأدرك أنه لو نحن كنا المهزومين لفعلوا بنا ما نفعل بهم. لا أريد هذه الحرب المقرفة». وكشف الجندي أنه تم نقل جنود أسرى مصريين الى مناطق معزولة في سيناء، حيث أجبروا على حفر قبورهم قبل إعدامهم ودفنهم.
وقال أحد الجنود إن فئة من القوات الخاصة أوقفت قافلة قرويين من الجولان متجهة الى سوريا واعدموا كل الرجال تاركين النساء والاطفال مع الأغنام والعتاد. اما في الضفة الغربية فكانوا يطلقون النار على كل من يظهر وراء شباك أو على سطح بيته. «قلت فى نفسي «إنهم مدنيون – هل يجب أن نقتلهم أم لا؟ ثم استطرد.. إننى حتى لم أفكر في ذلك. فقط أقتل! أقتل كل شخص تراه عيناك».
وقارن الجنود تصرفهم بتصرف النازيين، مشبها الضحايا العرب باليهود الذين كانوا يُقادون الى الموت في المحارق». نحن لسنا قتلة. ولكن في الحرب، أصبحنا جميعا قتلة»، اضاف الجندي. ولكن عندما طلبت من مخرجة الفيلم، مور لوشاي، أن تعلق على ذلك، في لقاء أجريته معها هنا في «صندانس»، ردت غاضبة. «لا يجوز أن تقارن جنودنا بالنازيين. لأن جنودنا يشعرون بألم الجانب الآخر. هم ذكروا النازيين لانهم عانوا من بشاعتهم». حقا أن الإسرائيليين حساسون تجاه المحرقة والنازيين. ولكنها أيضا لم توافق على مقارنة جرائم الجيش الاسرائيلي بجرائم «داعش»، رغم أن الجنود اعترفوا بقتل المدنيين والأسرى. «يجب أن تعلم أن جنودنا لم يكن لديهم خيار وكانوا يدافعون عن وطنهم من الجيوش العربية»، تقول لوشاي.
غريب أن الاسرائيليين دائما يبررون قتلهم العشوائي المتعمد للأبرياء بالدفاع عن النفس، كما فعلوا مؤخرا في غزة. وتؤكد لوشاي أن الفيلم موجه للشعب الاسرائيلي وليس للرأي العام العالمي، رافضة أي شجب لاسرائيل. «الحرب والاحتلال يفسدا روح الإنسان، ولكن هذا الفيلم ليس عن جرائم حرب. هذا فيلم عن جنود تكهنوا بعواقب تلك الحرب، التي ما زلنا نعاني منها حتى اليوم، وعلى المجتمع الاسرائيلي أن يستمع لما يقولونه ويشعر بألم الشعب الفلسطيني من اجل خلق واقع جديد يمهد الطريق لوقف سفك الدماء لكي نعيش بسلام.»
من السذاجة أن يظن أحد أن هذا الفيلم سوف يؤثر على عقلية الإسرائيليين او يخفف من كراهيتهم للعرب، اذ فضحت عدة أفلام إسرائيلية سابقة جرائم الدولة العبرية ولن تحرك ساكنا عندهم. عادة هذه الأفلام لا تجد إقبالا جماهيريا وتقتصر مشاهدتها على اليساريين، الذين انكمشوا في السنوات الأخيرة الى نسبة ضئيلة من المجتمع الاسرائيلي. والجيش الإسرائيلي ما زال يرتكب جرائم أشد بشاعة من سابقها. «لو غيرنا عقلية شخص واحد فقط، فهذا يكون نجاحا. التغيير يأتي على مراحل وعلينا أن نستمر بتوعية المجتمع الاسرائيلي حتى نحقق السلام»، تقول لوشاي.
الحقيقة هي أن الإسرائيليين لا يختلفون عن غيرهم من البشر في ارتكاب جرائم حرب ضد ضحاياهم. فالسلطات العربية ترتكب جرائم قتل وتشريد وتعذيب ضد شعوبها لا تقل بشاعة. وهذا الموضوع كان محور فيلمين آخرين في المهرجان وهما «المختَبِر» و»اختبار سجن ستانفورد» اللذين يتناولان تأثير السلطة على عقلية الإنسان وتصرفه.
فيلم «المختَبِر» يسرد قصة عالم نفس يهودي من جامعة ييل الامريكية، ستانلي ميلغرام، الذي قام باختبار في بداية السيتينيات لكي يرد على السؤال: هل كان الجنود النازيون الذين نفذوا الهولوكوست شركاء في الجريمة؟
يشارك في اختبار ميلغرام ثلاثة مشتركين: المشرف (السلطة) والمشترك (المعلم) والممثل (التلميذ). المعلم يعاقب التلميذ، الذي يجلس في غرفة اخرى، بصعقات كهربائية كلما اخطأ في رده على سؤال. الصعقات تزداد شدتها تدريجيا الى 450 فولت (وهذه الصعقة القاتلة) حتى يرد التلميذ بالجواب الصحيح.
المشرف يلح على المشترك للاستمرار في أداء دوره في الاختبار، رغم صراخ الممثل، الذي يدعى بأنه مريض بالقلب، وتوسله بالرحمة عليه. المدهش هو أن 65 ٪ من المشاركين استمروا بمعاقبة التلميذ حتى صعقة الموت (450 فولت)، رغم أنهم عبروا عن اشمئزازهم من الأمر. ولم يتوقف أي مشارك قبل مستوى صعقة الـ 300 فولت (وهي مؤلمة جدا). كما لم يقم أحد منهم بمغادرة الغرفة للتحقق من سلامة التلميذ.
نتائج الاختبار كانت متشابهه في مختلف بقاع العالم بغض النظر عن دين وجنس وعرق المشارك. هذه النتائج ترجح أن الطبيعة البشرية غير جديرة بالاعتماد عليها لتبعد الإنسان عن القسوة والمعاملة اللا أخلاقية، عندما تتلقى الأوامر من قبل سلطة فاسدة. نسبة كبيرة من الناس مستعدون لتنفيذ اوامر السلطة الشرعية حتى لو كانت تتناقض مع مبادئهم وترفضها ضمائرهم. نتائج مشابهة نشاهدها في فيلم «اختبار سجن ستانفور» الذي يجسد دراسة نفسية قام بها فريق من الباحثين يقوده فيليب زيمباردو من جامعة ستانفورد. ويشترك في الاختبار 24 طالبا متطوعا، 12 منهم مساجين و12 حراس في قبو في الجامعة يحاكي السجن تماما.
الحراس ارتدوا ملابس عسكرية وتسلموا عصي شرطة وزُودوا بنظارات عاكسة لتجنب التواصل مع المساجين الذين كانوا يلبسون رداء فضفاضا من دون ملابس داخلية وصنادل مطاطية، ويعتمرون قبعات ضيقة من النايلون ليبدوا محلوقي الرأس وخُيطت ارقام على ملابسهم عوضا عن اسمائهم.
نتائج الاختبار كانت مذهلة اذ تعامل الحراس، الذين مُنحوا السلطة المطلقة، بتعسف وبشاعة تجاه المساجين من اليوم الاول. وعندما حاول المساجين التمرد، اشتدت ممارسات الحراس السادية والمهينة ضدهم مثل منعهم من دخول الحمامات واجبارهم على تنظيف المراحيض بأيديهم المجردة واجبارهم على النوم عراة بعد اخراج فراشهم من الزنزانة وحرمانهم من الطعام والتحرش بهم جنسيا. وكان استجاب السجناء بأحدى ثلاث طرق: أما المقاومة، أو الإنهيار أو الرضوخ والطاعة. وتم ايقاف التجربة بعد 6 أيام بسب تفاقم الامور.
وفي نهاية الفيلم يسأل أحد المساجين حارسا: «لماذا تصرفت بتلك القذارة؟». فرد عليه: «أنا كنت اقوم بدوري واردت أن اجرب اشياء تمنحني اياها السلطة، لا يمكنني أن أفعلها في حياتي العادية. أنا متأكد بانك كنت تتصرف كذلك لو سنحت لك الفرصة. السلطة تغيرك». وهذا ما أكده علماء النفس: سلوك الشخص تتغير حسب المحيط والبيئة التي يكون فيها. المثير هو أن الجندي الاسرائيلي ذكر في «أصوات بلا رقابة» أن السلطة التي منحته اياها الحرب على ضحاياه العرب كانت مصدر متعة وقوة هائلة مكنته من التعسف تجاههم واذلالهم كما يشاء. واستغرب ان ضحاياه كانوا يطيعون اوامره بدون اي مقاومة او تحد، مثلما كان اليهود يرضخون لأوامر النازييين. هذا الجندي الاسرائيلي كان في بداية العشرينات من عمره مثل الطلاب المتطوعين في اختبار سجن ستانفور. فهل هو مجرم أم انه ضحية لغريزتة او أنه مطاوع يلبي اوامر قادته؟ وهل هناك فرق بينه وبين الجندي النازي او عنصر «داعش» او الجندي السوري الذي يقتل ابناء بلده ويغتصب بناته ويدمر مدنه؟
twitter @husamasi

حسام عاصي

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات