بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >>  اخبار  >>  من العالم >>
كيف يكوّن العقل البشري ذكرياته؟
  23/06/2009

كيف يكوّن العقل البشري ذكرياته؟

الصور والتجارب التي نعيشها كيف تتراكم في ذاكرتنا؟ المقصود بالسؤال الناحية البيولوجية، وقد قدم فريق من العلماء الكنديين إجابة جديدة عن هذا السؤال، وذلك من خلال كشف دور بروتين محدد في هذه العملية، وهو بروتين يُنتج عند الوصلة العصبية synapse بين خليتين عصبيتين
أعلنت مجموعة من الباحثين في مركز ومستشفى الدراسات العصبية في مونتريال عن التوصل إلى التقاط آلية تكوّن الذكريات الجديدة في الدماغ البشري. وقد توصّلت الدراسة، التي شارك فيها أيضاً علماء من جامعات كاليفورنيا وماك جيل في لوس أنجلس، إلى الكشف عن دور بروتين محدّد في هذه العملية. وتُكوَّن الذكريات الطويلة المدى بفضل عملية الترجمة البروتينية التي تجري في لحظة محددة بعد مرور الإنسان بموقف جديد أو اطلاعه على معلومة جديدة أو غيرها. من المعلوم أن القدرة على التعلّم وحفظ ذكريات جديدة أو قديمة أمران أساسيان لحياتنا اليومية ولهويتنا. وقد قدّم الكشف الأخير في مركز مونتريال تصوّراً واضحاً ودليلاً محسوساً من الممكن مشاهدته عن سير العملية. هذه العملية التي تقضي، خلال تكوّن أية ذكريات جديدة، بإنتاج بروتين عند الوصلة العصبية synapse بين خليتين عصبيتين. يقوم البروتين المنتج بتقوية الاتصال الوصلي وتعزيز تكوّن الذكرى.
الوصلة العصبية هي امتدادات شعيرية تصل خلية عصبية بأخرى، أو خلية عصبية بعضل أو أي عضو آخر. وتنتقل عبرها الأوامر على شكل شحنات كهربائية في الاتجاهين.
يشير الباحثون إلى أنه حين نحلّل ما يجري في الدماغ البشري على مستوى الخلية في لحظة تكوّن الذكرى، تتبيّن لنا أهمية خاصّتين من خصائص الذكرى. الأولى ناتجة من أن الذكريات كثيرة ويجب أن تدوم طويلاً، وهذا يعني أن المنظومة الحافظة لها يجب أن تتمتّع في تركيبتها ودورها بدرجة محدّدة من الثبات. والثانية، وهي ناتجة من ضرورة التعلّم والتأقلم، تقضي بأن تتمتّع المنظومة الحافظة بمرونة عالية. هذا التحليل هو الذي دفع بفريق العلماء إلى التركيز على الوصلات العصبية التي تمثّل مركز التبادل والتخزين الأساسي للمعلومات في الدماغ. هذه الوصلات التي تمثّل شبكة ثابتة حيث تتدفّق المعلومات والأوامر بكمّيات هائلة دون توقّق. وبالتالي تتمتّع هذه الشبكة بقدرة كبيرة على التغيّر والتأقلم وهي ميزة تُعرف بـ synaptic plasticity. هذه الميزة قد تمثّل القاعدة الأساسية للتعلّم وتكوين الذكريات.
لكن العلماء في الفريق الكندي طرحوا على أنفسهم سؤالاً آخر عن الشبكة. فإذا كانت هذه الشبكة في حركة تغييرية دائمة، فكيف تصمد الذكريات على حالها وكيف تتكوّن هذه الذكريات وتُحفظ؟ اكتشف العلماء أخيراً أن واحدة من الخطوات الأساسية في عملية تكوين الذكريات الطويلة المدى هي إنتاج البروتين الموضعي وترجمته حول الوصلة العصبية. وتكتسب هذه الإنتاجية أهمية كبرى في محيط مركز الذاكرة. يشرح الدكتور واين ساسين، أحد أعضاء الفريق والاختصاصي في علم الأعصاب، كيف تابع وزملاءه وراقبوا ناقلاً بروتينياً مضيئاً تسهل رؤية حركته في ظروف محدّدة. «لقد لاحظنا الزيادة الفورية لإنتاج البروتين الموضعي خلال تكوّن ذكرى جديدة» والمهمّ في الأمر، يضيف ساسين، أن هذا البروتين كان محدّداً لوصلة كهربائية واحدة. وتحتاج عملية تكوينه إلى تنشيط عمل الخلية العصبية التي تلي الوصلة. وتبيّن أن هناك تعاوناً بين أجزاء compartments محدّدة من الخلية السابقة للوصلة العصبية أي الـ pre-synaptic neuron وأجزاء من الخلية التالية للوصلة أي الـ post-synaptic neuron. هذه التغيرات تحتاج إلى إشارات عصبية عابرة للوصلة العصبية التي يتكوّن البروتين المخصّص لها.
من جهة ثانية، من المعروف أن تكوّن الذكريات الطويلة المدى والمرونة التي تتمتّع بها الوصلات العصبية خلال ذلك، تحتاجان إلى تغيرات في تركيبة الجين الوراثي. والجينات الوراثية تحمل معلومات عامة تختصّ بجميع خصائص الجسم والدماغ البشريين. بالرغم من ذلك تجري عملية تكوّن الذكرى والتغييرات الموضعية المرافقة لها في وصلة عصبية محدّدة. لقد بيّنت الدراسة الأخيرة أنه خلال عملية تكوّن الذكرى وإنتاج البروتين الخاص الموضعي الناتج من هذا التكوّن هناك عنصر ثالث يساهم في إتمام العملية. هذا العنصر هو ناقل المعلومة الجينية الـ mRNA الذي تُترجم معلوماته الجينية وتنتقل بالضبط منه نحو الوصلة العصبية الناشطة.
أهمية هذا الكشف لا تقتصر على التقدّم اللافت الذي حقّقه فريق العلماء في مجال فهم عملية تكوّن الذكريات البشرية، على مستوى الخلية ومبدأ التعلّم الذي يتميّز به العقل البشري. هناك المساهمة الكبيرة التي سيتمكّن الأطباء من استثمارها في مجال دراسة الأمراض المتعلّقة بضعف الذاكرة أو فقدانها. وسيحصل ذلك عبر الولوج من أبواب جديدة لمقاربة العطل الذي يطرأ على عقل المريض. هذا الأمر سيؤدي بدوره إلى مقاربة علاجية مختلفة في المستقبل، قد تحمل علاجات حقيقية، وليس فقط وقائية وتبطيئية، لأمراض مثل الألزهايمر وغيره.
الاخبار

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات