بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> من هنا وهناك >>
الجوع... في الولايات المتحدة!
  22/09/2009

الجوع... في الولايات المتحدة!

اثنا عشر مليوناً ونصف مليون طفل أميركي لا يملكون ما يكفيهم من غذاء. 30 مليون قسيمة غذائية توزّع شهرياً على المعوزين في الولايات المتحدة. هي أرقام قياسية على نحو تاريخي. إزاءها، ثمة لامبالاة عامة لم تستطع الأستاذة الجامعية ماريانا شيلتون احتمالها. لم يعد بإمكانها تكديس الإحصاءات. في التاريخ وجدت ضالّتها. خلال فترة الكساد الكبير، وزّعت الحكومة الأميركية على الفقراء منحاً خاصة، ليكتبوا حياتهم، في ظل العوز. ما العمل وسط هجمة الفقر المتمادية، وسط الجوع المستشري.
في العام 2008، أطلقت شيلتون مشروعاً بحثياً حول الجوع، في فيلادلفيا، مانحةً الأمهات العازبات اللواتي يرتدن مختبرها آلات تصوير. ليس في المشروع ما هو تجميلي، إنما هدفه «الحث على إحداث تغييرات سياسية»، كما قالت شيلتون، أستاذة الصحة العامة في جامعة دريكسل، في فيلادلفيا.
الصور التي جمعتها تروي قصصاً تعيث فيها الفوضى عن أحياء مقفرة في المدينة، حيث تضيق المساحات الشاسعة بمنازلها المهجورة ومدمني المخدرات. «يظن الناس أنهم يعرفون أين نعيش. هذا غير صحيح. بهذه الصور، نمنحهم الفرصة ليروا»، تشرح كريستال سيرز، إحدى السيدات الأربعين المشاركات في مشروع «شاهدات على الجوع».
ترفض هذه السيدات وسمهن بالفقيرات، فـ«نحن سيدات ذوات دخل بسيط، نحاول تجاوزه»، تقول اشلي اورتيز. تؤيدها ايماني سوليفان «لستُ فقيرة. أستطيع، من حين إلى آخر، تدبر شراء أشياء لنفسي». وتعقّب بربرا ايزكييردو، الملقبة بباربي، «كوننا نعيش حيث نعيش، لا يعني أننا غير ذكيات».
في صورهن، تأخذ النساء الخارج شاهداً على ما يختبره أطفالهن يومياً. ايماني صوّرت برادها الأجوف. هي تعمل حارسة بدوام كامل، لكنها لا تقبض سوى 110 دولارات أسبوعياً. وويتني هنري التقطت صورة لبقعة دم على الرصيف، هكذا، عرضاً، ذات صباح، عندما كانت تغادر منزلها. ساعات بعد انتشال الجثة، كانت «مستنقعات الدم» لا تزال هناك. أما انجيلا، فاختارت درج منزلها الخارجي نقطة ارتكاز لتصوير دكان البقالة في حيّها «دكان ايرما»، الذي يبيع الدخان والجعة (بسعر مخفض 11,5 دولاراً لكل 12 زجاجة). لا شيء صحي ولا طازج. غير أن كريستال سيرز صوّرت ابنتها سميرة ذات الأعوام الثلاث. الصغيرة تقبع على مقعد في صالة انتظار. هناك، تسمّرت الفتاة ساعتين أملاً برؤية الطبيب من أجل الحصول على طعم. تململت الفتاة. كانت قد أكلت للتوّ بعض الغذاء ولا تزال تشعر بالجوع. الصورة أثارت جدلاً. عندما أرادت شرح الصورة، تبين أن كريستال تختصر وضع السيدات الشاهدات: «نحن ننتظر أن تتم رؤيتنا». بهذا المعنى، باتت آلة التصوير ملاذاً، عكازاً.. أذناً.
هل هذا يحدث في أميركا؟
ذات مساء، عادت مارينيت رومان إلى منزل الاستقبال حيث تقطن. كانت عاملات النظافة قد وجدت خزانها من البسكويت والوجبات الخفيفة. تقرّ مارينيت أن تكديس الغذاء في الغرف محظور، تجنباً لتكاثر الصراصير. لكن، مع ثلاثة أطفال، أحدهم صغير السن، يصعب احترام القوانين. حملت آلة التصوير، باكية. وسجّلت فيلماً قصيراً لكي تشرح للعالم إلى أي حد بإمكان النظام أن يكون «ظالماً». ابنتها الكبرى، تيانا( (15 عاماً تحاورها، فتجيب مارينيت: «اليوم أرسلت المشرفة الاجتماعية ثلاثة أشخاص إلى غرفتي. فتشوا حقيبتي، كما لو أنني مجرمة. قلت لنفسي إنه لا بد أن يساعدنا أحد. هنا يقدّمون كميات قليلة من الطعام. وهم يقدمون وجبة العشاء عند الساعة الخامسة. بإمكاننا نحن الكبار أن نتحمّل الجوع. ولكن أن نطلب ذلك من الأطفال، فهذا ظلم».
كانت ايريكا سمالي في الخامسة والعشرين من عمرها عندما مثلت في صور «شاهدات»، وهي تبكي. كان ذلك في «آب 2008، قبيل عيد ميلادي». لم يعد يحقّ لها الحصول على قسائم غذائية، منذ أن بدأت تعمل في شركة للهواتف، لقاء 11 دولاراً في الساعة. التقطت صوراً لصحون «اودلز من نودلز»، التي تقدّمها إلى الأطفال، وهي عبارة عن حساء العجين، الذي لا يكلّف سوى 25 سنتاً. ومع «كول ايد»، وهو شراب محلى يباع بـ10 سنتات، بالإمكان إطعام الأطفال بكلفة تقل عن 50 سنتاً.
بالنسبة لماريانا شيلتون، هذه الوجبة لا تتمتع بأي قيمة غذائية. معنى الجوع في الدول المتقدّمة مختلف. و«الرد على الجوع يكون بالمسكن اللائق، والتعليم، والحصول على خدمات الرعاية».
انجيلا، تقف يومها بكامله تخدم الزبائن في مقهى. ذات يوم، صوّرت قدميها. ثمة قدم لطفل انزلقت داخل إطار الصورة، خفيفة وكأنها إشارة أمل بالقرب من قدميها المنتفختين. اشلي برونسون (22 عاماً) فضّلت التقاط ابتسامة: فتى صغير يجلس على مقعد الكنيسة، مرتدياً قميصاً ذا مربعات متناسقة. صوّرت طفلها «في ختام قداس الأحد، بعدما كنت قد أمليت عليه أنه يجب أن نصلّي، وأن نكون أقوياء سوية. ضممته إلى صدري. أما هو، ورغم كل ما مرّ به، كان يحتفظ بابتسامة عريضة كما لو كان سعيداً».
أكواخ وجرذان
ثمة صورة لا تحمل اسماً. لم يتبنّها أحد. صورة مطبخ في كوخ قذر. ظلال لجرذان تعيث في المكان. جوانا كروز تعيش هنا مع أطفالها، عندما لا يكونون في الطوارئ جراء حمى أو طفح جلدي. هي من التقط الصورة. لكنها، عندما رأتها في إطارها، لم تتمكن من توقيعها «رفضت أن أعترف بأنني أعيش هنا»، في المنزل الذي ورثته عن والدتها، ولم يكن باستطاعتها مغادرته، قبل أن تذعن وتبيعه لمدمنين على المخدرات.
ماريانا شيلتون، سيدة شقراء، رشيقة، متزوجة وسعيدة، حصّلت تعليمها العالي في «هارفرد». لكنها استشاطت غضباً عندما استبدلت إدارة بوش التصنيفات الغذائية التقليدية، مزيلة كلمة «الجوع»، لتحلّ مكانها عبارة «أمن غذائي منخفض جداً». قالت لنفسها إن على أحدهم أن «يلجأ إلى يوتيوب ويطلق العنان لراديكاليته».
استقطبت الأمهات في صالات الانتظار في قاعات الطوارئ في المستشفيات. منحتهن آلات تصوير، أخضعتهن لدورات تدريبية، وأعطت كلاً منهن 175 دولاراً، تزيد بحسب الإنتاج.
آلة التصوير لم تنتشلهن من مأساتهن. لكنها بدّلت نظرتهن إلى الحياة. «اوريكا»، التي كانت تعاني من كآبة الوحدة، أدركت أن ثمة من يهتم بصورها. في أيار الماضي، توجهت النساء إلى واشنطن لعرض أعمالهن في الكابيتول، بدعوة من السيناتور عن ولايتهن بنسلفانيا، بوب كايسي. استعرن ثياب سيدات أعمال من مؤسسة خيرية. هناك، حيث عُرضت الصور، توقف المارة مشدوهين: «هل هذا أنتِ في الصورة؟»، نعم، أجابت ايماني «وهذا ابني يمد يده إليّ»، زجاجة الحليب في يده فارغة.. وكذلك بطنه.
ويتني سئلت مراراً، من قبل مجموعة أطفال، عن بقعة الدم على الرصيف أمام بيتها. يريدون معرفة من هي الضحية، وبأي ذنب قتلت. «كان هناك والد يرمقني وكأنه يقول: لماذا تروين كل ذلك لابنتي»، قالت ويتني.
سيدات «شاهدات على الجوع» لا يردن إخافة المارة. هن «يرغبن بسرد قصصهن من دون أن يخشوا على أمن أطفالهم».
الأمهات «الشاهدات» يترددن بانتظام إلى المختبر في الجامعة من أجل تحميل صورهن على الحاسوب. من بين الملفات الـ6000، ثمة صور لا تطلق من طراز الكليشيهات. صور كدمات على كتف سيدة في السادسة والعشرين من عمرها، وقد ضربها والد أطفالها. السيدة سجّلت فيلما مصوراً في حمامها، يُسمع في خلفيته توعّد رجل في الغرفة المجاورة. تروي السيدة للكاميرا، همساً، كيف حاول الرجل خنقها، ثم تتوسل: «توقف توقف، أولادنا لا يزالون بحاجة إليّ». هذا الفيلم ليس من بين ما عرض إلى العموم.
السفير عن «لوموند» الفرنسية

ترجمة: جنان جمعاوي ـ
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات