بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> من هنا وهناك >>
نساء بلا بناطيل من السودان حتى اندونيسيا..
  02/11/2009

نساء بلا بناطيل من السودان حتى اندونيسيا..

لم يكن مستغرباً إقدام السلطات المحلية في إقليم أتشيه الاندونيسي بتاريخ 27/10/2009 على منع المرأة المسلمة من ارتداء البناطيل الضيقة اعتباراً من أول العام المقبل تحت طائلة قص البنطال الضيق الذي ترتديه المرأة وجعلها ترتدي جلباباً تقدمه سلطات أتشيه مجانا.ولم يكن مستغرباً أيضاً الطلب من الرجال تجنب ارتداء البناطيل القصيرة، وذلك في أعقاب سماح الحكومة الإندونيسية لسلطات إقليم أتشيه بتطبيق الشريعة الإسلامية بشكل متدرج.
إنها الخطوة الأولى باتجاه التشدد أكثر في تطبيق متشدد للشريعة الإسلامية، فمثل هذه الحركات الدينية لا يمكن استرضاؤها فهي تتمسكن حتى تتمكن، تماماً كما حصل في الباكستان عندما طلبت حركة طالبان من الحكومة الباكستانية تطبيق الشرعية الإسلامية على كامل الأراضي الباكستانية،أو على الأقل تطبيقها في المناطق التي تسيطر عليها، وعندما أذعنت الحكومة الباكستانية لطلبها وسمحت لها بتطبيق الشرعية في تلك المناطق، لم تكتف تلك الحركات بتطبيق الشرعية الإسلامية، بل أخذت تطبق مفهوماً متشدداً في تطبيق "شرع الله". حتى وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه الآن من حرب مستعرة بين الجيش الباكستاني وحركة طالبان التي لا يُعرف متى وكيف تنتهي تلك الحرب؟
وقد كانت الحكومة السودانية السباقة في منع ارتداء البنطال في السودان بنص قانوني منذ العام 1991 حيث نصت المادة 92 من قانون العقوبات السوداني على أن "من يأتي في مكان عام فعلا أو سلوكا فاضحا أو مخلا بالآداب العامة بزي فاضح أو مخل بالآداب العامة يسبب مضايقة للشعور العام يعاقب بالجلد 40 جلدة أو بالغرامة أو بالعقوبتين معا."وهذا ما حدث للصحفية السودانية لبنى احمد حسين ومعها عدد من النساء، عندما اتهمتهن الشرطة بارتداء البناطيل بصفته زياً فاضحاً يخل بالآداب العامة..
وما يزعج في الأمر ليس فقط منع النساء من ارتداء البنطال بحد ذاته، بل تلك التعليقات التي انتشرت على المواقع الالكترونية تعقيباً على خبر منع ارتداء البنطال في إقليم أتشيه الاندونيسي والتي رحب معظمها بهذا الخبر، وكأن في منع ارتداء البنطال الحل السحري لكل مشاكلنا الكثيرة التي تعانيها البلدان العربية والإسلامية، فمثلاً بعض المعلقين علق قائلاً :" فعلاً العلمانيين العرب والعلمانية من بنى جلدتنا اخطر علينا، فأنتم ياعلمانيين اكره أهل الأرض لنا نحن المسلمون والد أعدائنا وتعيشون بيننا وتتآمرون ضدنا" بينما ذهب آخرون إلى أبعد من ذلك بقولهم " فمن لا يعجبه النظام الاسلامى فليذهب إلى بلاد الفجور والفسق أمريكا وأوروبا ومن على شاكلتهم... اتركوا ارض الإسلام أيها العلمانييون ونحن سنطبق الإسلام وسنعيد الخلافة الإسلامية من جديد وسنحكم بشريعة الإسلام رضيتم أم أبيتم انتم وأسيادكم الأمريكان والأوربيين.. والنصر قادم من بلاد خراسان "..!
هكذا بكل بساطة أما الرضوخ لمنطق تلك الحركات الدينية أو الرحيل، كأنه لم يبق من مشاكل تعانيها شعوب البلدان العربية والإسلامية إلا مشكلة ارتداء أو عدم ارتداء البناطيل وحمالات الصدر"ستيانة" والحجاب والنقاب، وكأنه أيضاً لم يعد هناك أية مشاكل مع البطالة والفقر وتدني مستوى التعليم، فها هم علماؤنا يحصدون جوائز نوبل في العلوم والطب والأدب والاقتصاد..!
فما نشاهده اليوم في معظم البلدان العربية والإسلامية ما هو إلا نتاج طبيعي للسياسات الحكومية على مدار السنوات السابقة "سياسة غض النظر" عما يفعله رجال الدين، لا بل أن معظم تلك الحكومات أعطى ومازال يعطي الضوء الأخضر لرجال الدين والجماعات الدينية في تخريب عقول الناس ونشر ثقافة الكراهية للأخر المختلف في المجتمع. ووصل الأمر ببعض الحكومات إلى تقديم مختلف وسائل الدعم لبعض الجماعات الدينية مادياً وإعلامياً كما حصل في الجزائر ومصر والسودان والباكستان والمملكة العربية السعودية،التي فتحت مراكز للمتطوعين من أجل الذهاب إلى أفغانستان "للجهاد" ضد الاحتلال السوفييتي، تلك الدول التي دفعت ومازالت تدفع ثمناً باهظاً لتلك السياسة التي ارتدت عليها سلباً.
وكما أشرت غير مرة إلى أن تلك السياسية الداعمة للجماعات الدينية أو المهادنة وغض النظر عن نشاطها، والتضييق في المقابل على أصحاب الفكر المدني والعلماني بالتعاون مع تلك المجموعات الدينية، وعلى نشاط منظمات المجتمع المدني وأحزابه السياسية، مما دفع الناس دفعاً إلى الوقوع في شرك تلك الجمعيات والجماعات والمراكز الدينية ليس لأنها تؤمن لهم الغد الأفضل المشرق، بل لكونها فقط أصبحت المجال الوحيد المتاح أمامهم الذين يستطيعون دخوله دون أن يعاقبوا أو يلاحقوا. علّهم يجدون فيها حلاً لمشاكلهم ومأوى يحميهم من الأخطار التي تهددهم . فاستغلت المجموعات الدينية ذلك أفضل استغلال، كما استغلت أيضاً مشاعر العداء المتزايد للغرب، لتعبئة رأي عام داعم لها في أوساط العامة من الناس. و نجحت إلى حد ما في توجيه كل تلك المشاعر لمصالحها السياسية والدينية الخاصة، واستقطاب شرائح واسعة في الشارع العام الجاهز، والمخدر بثقافة الغيب والتغييب، والتعويل المستمر على السماء في حل كافة المشاكل المزمنة والأزمات المستعصية التي تعانيها مجتمعاتنا.
فانتشرت المدارس والجماعات الدينية تحت مسميات مختلفة، وأصبح لكل رجل دين تلاميذ بالمئات إن لم نقل بالآلاف، تلاميذ معظمهم من المهندسين والأطباء والصيادلة والمعملين يتلقون الدروس الدينية على يدي شيخهم ويطلقون على أنفسهم جماعة الشيخ فلان التي تدعو إلى إقامة الأمة الإسلامية بديلاً عن الأمة العربية، وتؤمن بعدم تحرير المرأة وعدم مخالطتها للرجال، وتعمل على منع المرأة من الخروج إلى المنزل وتعتبر وجود التلفزيون في المنزل حراماً. وأن الانتساب إلى الأحزاب السياسية بدعة وضلال..الخ، باختصار أن تلك الجماعات تدعو إلى عودة مجتمعاتنا ودولنا إلى ما قبل العصور الجاهلية. ورغم خطورة ما تقوم به تلك الجماعات، فإن ما يدعو إلى الاستغراب هو التعميم الذي صدر مؤخراً عن أحد الأحزاب السياسة العلمانية العربية الحاكمة ووزعه على قواعد حزبه، يعتبر فيه "أن موقف الحزب ليس سلبياً من تلك الجماعات الدينية" من غير أن يدرك من كان وراء هذا التعميم أن تلك الجماعات سوف تستهدف في النهاية هذا الحزب نفسه، فهل يكون الهدف من هذا التعميم هو جس نبض أعضاء الحزب وردة فعلهم والترويج في النهاية لتلك الجماعات.
إن ما تحتاجه بلداننا العربية وفي مقدمها سورية بالتأكيد ليس إلى معاهد ومدارس وجماعات دينية، بل إلى مدارس ومعاهد تهتم بالتربية والتعليم خاصة في مجال العلوم الحديثة كالتقانة والمعلوماتية والحاسوب والإلكترونيات، التربية الوطنية، وحدة المجتمعات وسلامتها واستقرارها،البيئة و التلوث و تدهور الموارد الطبيعية، التربية السكانية، الصحة ..الخ.
وما نحتاجه أيضاً، هو أن يُتاح للمواطن في بلداننا العربية ممارسة حياته بحرية وانفتاح على الأخر في إطار فكر وسياسة تتسع للجميع بعيداً عن أي إكراه أو تهميش أو إلغاء على قاعدة مبدأ المواطنة بصرف النظر عن الجنس واللون والعرق أو أي انتماء سياسي أوديني.
المحامي ميشال شماس -
<

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات