بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >>  اخبار  >> عين على الجذر الفلسطيني  >>
قصة من الداخل: القوى العاملة الفلسطينية في أراضي عام 1948
  06/01/2010

قصة من الداخل: القوى العاملة الفلسطينية في أراضي عام 1948

بقلم: ماري- أوليفيا بدارنة

يستمر حوالي 1.3 مليون فلسطيني، وهم أكثر من عشر مجموع الشعب الفلسطيني، في العيش في الأراضي المحتلة عام 1948، وبالرغم من أنهم جزء أساسي لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني، إلا انه غالبا ما يتم التغاضي عن وجودهم لأنهم أصبحوا يسمون "عرب إسرائيل" من قبل أجزاء واسعة من المجتمع الدولي. ومع ذلك، فإن مكانتهم باعتبارهم مواطني دولة إسرائيل لا تمنحهم نفس الحقوق التي يتمتع بها اليهود الإسرائيليون.
تعيش نصف العائلات الفلسطينية داخل "الخط الأخضر" تحت خط الفقر (مقارنة بـ 15% من العائلات اليهودية)، كما أن ما يقرب الـ 100% من البلديات والمجالس المحلية، التي لديها معدلات بطالة فوق المتوسط، هي تلك البلديات والمجالس المحلية للتجمعات الفلسطينية. ويشكل الاستبعاد المنهجي من الاستخدام السبب الجذري للفقر في أوساط السكان الفلسطينيين في داخل إسرائيل. وهذا الحرمان المستمر هو نتيجة للمزج بين السياسات الصهيونية والليبرالية الجديدة، ومثل أي نهج استبعادي، فإنه يمد نفسه تدريجيا لمجموعات مهمشة أخرى، مثل الأثيوبيين واليهود المتدينين الأصوليين [الحريديم]، وتصف الفقرات التالية عددا من العوامل الرئيسة التي تسهم في العزل الاقتصادي داخل إسرائيل.
القطاع الخاص: الاستثمار والوصول لفرص العمل
إن أحد أهم المشكلات الرئيسة التي يواجهها الفلسطينيون في سعيهم لإيجاد فرص العمل في إسرائيل هي غياب فرص العمل في داخل بلداتهم ومدنهم. وعلى سبيل المثال، خصصت الحكومة الإسرائيلية رسميا خمس وعشرين منطقة صناعية للتكنولوجيا المتقدمة، وتقع خمس من هذه المناطق في أراضي الضفة الفلسطينية المحتلة، وواحدة في مرتفعات الجولان السورية المحتلة، وفقط يشترك تجمع فلسطيني واحد في واحدة من المناطق الصناعية الموجودة داخل "الخط الأخضر"، وذلك جنبا إلى جنب مع مجلس إقليمي يهودي. وبصرف النظر عن حقيقة أنه ينبغي أن يبحث العمال الفلسطينيون عن العمل خارج بلداتهم، فإن هذه السياسة التخطيطية تضمن بأن عائدات الضرائب من الشركات الكبرى يتم جمعها من قبل المجالس البلدية والإقليمية اليهودية.
وعلاوة ذلك، هناك العديد من البلدات والقرى الفلسطينية غير متصلة، أو غير متصلة بدرجة كافية بنظام المواصلات العامة، مما يضع عقبة أخرى أمام الفلسطينيين الباحثين عن عمل، وبشكل خاص أمام النساء. فلا يقتصر الأمر بالنسبة للمرأة على معاناتها من نقص التنقل، بل تجد النساء أنفسهن في الطرف الخاسر لما يسمى بـ"عائد السلام"، وذلك في أعقاب اتفاقية السلام بين إسرائيل والأردن. فحتى منتصف التسعينيات، تم استخدام الآلاف من النساء الفلسطينيات والمهاجرات من دول الاتحاد السوفييتي السابق، في صناعة النسيج الإسرائيلية، ولكن في هذه الأيام،
يجري صناعة معظم منتجات النسيج في مناطق صناعية مؤهلة في الأردن، حيث تقوم المشاريع المشتركة بين الشركات الأردنية والإسرائيلية بالحصول على تخفيضات ضريبية وإعفاءات جمركية عند التصدير للولايات المتحدة، وذلك كجزء من اتفاقية السلام، كما تم تخفيض تكاليف الإنتاج بصورة كبيرة في هذه المناطق الصناعية المؤهلة، عن طريق استغلال العمالة الرخيصة الوافدة من جنوب آسيا، ومنذ ذلك الحين؛ أصبح معظم عمال الغزل والنسيج الفلسطينيين في إسرائيل عاطلين عن العمل.
وبصرف النظر عن تمييز الدولة، وعن الأثر السلبي للعولمة، فإن التحامل العنصري والاجتماعي يقرران سياسات التوظيف التي يتبعها أرباب العمل الإسرائيليون، ووفقا لدراسة مسحية حديثة أجراها معهد البحوث الإسرائيلي "كريات أونو"؛ فقد تبين أن 83% من أرباب العمل الإسرائيليين يشعرون بالامتعاض من تعيين عربي لا يحمل شهادة جامعية، وأن 58% من المدراء يرفضون تعيين أكاديميين من "الحريديم" (اليهود المتدينين التقليديين)، وأن 53% من بين هؤلاء المدراء لا يفضلون تشغيل أثيوبيين.
القطاع العام: الخدمة المدنية والشركات المملوكة للدولة

في حين أن غياب المناطق الصناعية من البلدات الفلسطينية يحد من الوصول لفرص العمل في القطاع الخاص، فإن الفلسطينيين محرومون بشكل منهجي أيضا من العمل في القطاع العام؛ فبينما يشكل الفلسطينيون حوالي 20% من مجموع السكان في إسرائيل، فإن 5% فقط من موظفي الخدمة المدنية هم من الفلسطينيين، ومن بين حوالي 55,000 مستخدما في الشركات المملوكة للدولة (مثل الاتصالات، الكهرباء، سلطات المياه والموانئ)؛
فإن أقل من واحد في المائة هم من الفلسطينيين. إن هذا التمثيل المتدني جدا للفلسطينيين في القطاع العام، هو نتيجة للسياسات الأمنية لدولة إسرائيل التي تعتبر الخدمة العسكرية شرطا للعمل في مواقع أو وظائف يتم النظر إليها بأنها ذات "حساسية-أمنية". وعلاوة على ذلك، فإن الفلسطينيين منفصلون عن الترسانة العسكرية الإسرائيلية والجيش، وبالتالي عن المؤسسة السياسية التي هي المرجعية الإدارية الأساسية لفرص التوظيف في قطاع الخدمة العامة. كما أن الاستبعاد من القطاع العام ينطوي على عناصر هامة بالنسبة للنوع الاجتماعي (الجندر)، باعتبار أن القطاع العام كان تقليديا مصدر رئيسي لفرص العمل للنساء.
وفيما يلي مثال توضيحي حول الاستبعاد المنهجي للفلسطينيين من سوق العمل الإسرائيلي: في شهر آذار من عام 2009، وفي خضم الأزمة الاقتصادية، قامت شركة القطارات في إسرائيل، وهي شركة مساهمة عامة؛ بإعلان سياستها الجديدة التي تشترط الخدمة في الجيش باعتبارها شرطا لوظيفة حارس في نقاط تقاطع الطرق مع السكك الحديدية، وذكرت الشركة صراحة بأنه من المهم توفير فرص عمل لجنود الجيش الشباب، وتبعا لذلك، تلقى حوالي 150 فلسطيني عربي يعملون في حراسة نقاط تقاطع السكك الحديدية كتب فصل من العمل. وبدعم من نقابة "صوت العامل" و"عدالة"؛ قام العمال بتحدي السياسة الجديدة والطعن بها عبر المحاكم.
وقد أجبر العمل القانوني، إلى جانب الضغط الدولي من نقابات عمالية وأفراد وقعوا على النداء الذي وجهته نقابة "صوت العامل" من أجل التضامن الدولي، أجبر شركة القطارات الإسرائيلية على عرض تسوية تم بموجبها استبدال الخدمة في الجيش بمجموعة من المعايير الأخرى، ومن ضمنها 18 شهرا من العمل المستمر مع نفس رب العمل وخبرة عملية في "منظمة هرمية" (ومن ضمنها الخدمة العسكرية). ومع ذلك؛ حاجج العمال وممثلوهم بأن هذه المعايير البديلة؛
من شانها في الواقع العملي، أن يكون لها نفس الأثر على العمال العرب الذين تتميز أنماط عملهم بالعمل المؤقت والتعاقد أو العمل في مشاريع صغيرة تديرها العائلة في الغالب. بالمقابل سوف يتم تلقائيا اعتبار كل من خدم في الجيش مؤهلا. وقد وافقت محكمة العمل اللوائية على العرض وأصدرت حكما مؤقتا يأمر شركة/ سلطة قطارات إسرائيل بعدم فصل أي شخص بناء على شروط الاستخدام الجديدة، طالما أن القضية/ الدعوى لا تزال معلقة.
الفرص الوظيفية والتعزيز الوظيفي
إن عدم وجود فرص عمل للفلسطينيين يقود إلى هجرة بطيئة ولكن ثابتة للأدمغة، والتي تتلقى المزيد من الدفع من سياسة إسرائيل التعليمية. فعلى سبيل المثال، هناك بعض المواضيع في الجامعات يتم إتاحتها للطلاب فوق سن 21 سنة فقط، وهو العمر الذي ينهي فيه اليهود الإسرائيليون الخدمة العسكرية، وبالتالي على الطلاب الفلسطينيين المعفيين من الخدمة العسكرية أن يمضوا ثلاث سنوات بعد المدرسة الثانوية قبل أن يتمكنوا من دخول الجامعة، وكنتيجة لذلك؛ يتوجه المزيد من الفلسطينيين في إسرائيل للدراسة في الجامعات الأردنية، أكثر من الجامعات الإسرائيلية.


وحتى هؤلاء الفلسطينيين الذين يتخرجون من جامعات إسرائيلية؛ ليس من المرجح أن يعثروا على عمل، وخاصة في قطاعات مرتفعة الدخل: وكمثال، بينما يشكل الفلسطينيون ما نسبته أكثر من 10% من خريجي الهندسة في إسرائيل، هناك فقط 2% من مستخدمي التكنولوجيا المتقدمة في إسرائيل هم من الفلسطينيين.
وفيما يتعلق بالتعزيز، فإن الدراسة المسحية المذكورة أعلاه قد بينت أن 86% من المبحوثين قالوا أنهم لا يفضلون ترقية مستخدمين من المتدينين التقليديين (الحريديم)، و 79% قالوا نفس الأمر بالنسبة للفلسطينيين العرب، كما أن 70% منهم قالوا أنهم لا يفضلون ترقية أو تحفيز موظفين أثيوبيين.
إنفاذ قانون العمل، والعمل المنظم
بوجه عام، يجري تطبيق القانون في إسرائيل بشكل انتقائي للغاية، وفي حالة العمال الفلسطينيين فإن تطبيق القانون يتم بانتقائية وبدون تدخل. ففي حين أن مشاريع القوانين الأخيرة، مثل قانون "مناهضة النكبة" الذي يعكس الرغبة العامة في السيطرة على المواطنين الفلسطينيين، فإن إنفاذ قانون العمل في الاقتصاد العربي هو مشلول تماما؛ فتطبيق المعايير الأساسية مثل الحد الأدنى للأجور، أو إجراءات السلامة في مكان العمل، يجري تجاهلها على نطاق واسع من قبل أرباب العمل، المقاولين وشركات القوى العاملة الإسرائيلية التي تزدهر في مناخ كهذا.
كما أن مفتشي العمل غير موجودين عمليا. وهنا، مرة أخرى، تكون المرأة الفلسطينية هي التي تعاني أشد المعاناة من الانتشار الواسع للاستغلال الاقتصادي بسبب قدرتها المحدودة على المساومة. وفي تقرير حكومي من عام 2008، وجد أن النساء العربيات هن المجموعة الأكثر تعرضا للاستغلال من بين مكونات قوة العمل الإسرائيلية، وحتى أنهن يحصلن على دخل أقل من العمال المهاجرين.
وأخيرا، فإن الهيئة العامة لاتحاد نقابات العمال الإسرائيلي (الهستدروت) لم تقم يوما باتخاذ أي إجراء ملموس لتحسين وضع العمال الفلسطينيين، أو لتنظيم قطاع العمال ذوي الأجور المتدنية، ونتيجة لأنماط الاستخدام لقوة العمل الفلسطينية، والتي تهيمن عليها الصبغة المؤقتة والمقاولات من الباطن، والمشاريع العائلية، وأن معظم العمال الفلسطينيين في إسرائيل غير منظمين. ويعود ذلك لعوامل تاريخية وسياسية، مثل الدور الرائد لـ"ألهستدروت" في تأسيس الدولة الإسرائيلية وتركيزه على القطاع العام. كما يوجد دور لقلة عضوية العمال الفلسطينيين في النقابات العمالية، إضافة إلى غياب الوعي حول حقوق العمال في أوساط قوة العمل الفلسطينية.
مخطط "ويسكونسين": العقاب الأخير للفقراء
مخطط "ويسكونسين" Wisconsin هو سياسة الحكومة الإسرائيلية "الرعاية الاجتماعية-إلى-العمل" (welfare-to-work) والتي يتم تطبيقها من قبل الشركات الخاصة، وقد بدأ تطبيق هذا المشروع في الأصل في عام 2005 كتجربة تستمر لمدة عامين، وتطلب أن يقوم كل المستفيدين من الرعاية الاجتماعية (ضمان مخصصات الدخل) بالتسجيل في أربعة مناطق استكشاف هي القدس، الناصرة، عسقلان والخضيرة/ وادي عارة؛
وذلك للمثول في "مكاتب تشغيل " والعمل لصالح الشركات الخاصة المشاركة في المشروع لمدة أكثر من 40 ساعة في الأسبوع لكي يكون الشخص مؤهلا للحصول على دفعات مخصصات ضمان الدخل، وفي حالة "عدم التعاون" أو رفض العمل من قبل أحد الأشخاص المشاركين في مشروع ويسكونسين، فسيتم قطع مخصصاته/ـا (دفعات الرعاية الاجتماعية = مخصصات ضمان الدخل) لمدة شهر أو شهرين، وترك العائلة جميعها بدون دخل. وقد كانت مناطق الاستكشاف الأربعة إما بغالبية عربية، ومن ضمنها أجزاء من شرقي القدس التي ضمتها إسرائيل،
وإما مأهولة بمجموعات مهمشة أخرى، مثل المهاجرين من البلدان الناطقة بالروسية أو إثيوبيا. وقد كانت الناصرة، وهي المدينة الفلسطينية الأكبر في داخل الخط الأخضر، هي منطقة الاستكشاف الوحيدة التي غطت كامل المدينة.
لقد مرّ مخطط ويسكونسين بعدد من التغييرات على مدى السنوات الماضية، ولكن فكرته العامة لا زالت كما هي: يتوجب على الفقراء أن يستوفوا واجبات معينة من أجل التمتع بحقوقهم الأساسية، وان الدولة قد مررت المسؤولية للقطاع الخاص الربحي. والآن، وفي زمن الأزمة الاقتصادية وانعدام الأمن الوظيفي، فإن مشروع ويسكونسين يعود مجددا مع عقاب انتقامي، حيث يقوم البرلمان الإسرائيلي بنقاش يهدف إلى توسيع المخطط ليشمل البلاد بأسرها، وأحد الخيارات المطروحة على طاولة النقاش هو أن خطة ويسكونسين سيجري تطبيقها في جميع المناطق عندما تتجاوز معدلات البطالة نسبة الـ 10%.
لقد حان الوقت للإنهاء عند هذه النقطة، مع ضرورة التذكير بما ذكر في بداية هذه المقالة، حول التجمعات السكانية ذات معدلات البطالة الأعلى من المتوسط: فهي فلسطينية في غالبيتها الساحقة.
ماري-أوليفيا بدارنة: هي منسق العلاقات الدولية في نقابة "صوت العامل"، وهي منظمة نقابية للعمال الفلسطينيين تهدف إلى الدفاع عن حقوق العمال والعاطلين عن العمل في إسرائيل. للمزيد من المعلومات حول هذه المنظمة، يمكنكم زيارة صفحتها على الانترنت: www.laborers-voice.org


 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات