بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >>  اخبار  >> عين على الجذر الفلسطيني  >>
سميح القاسم, لذكراك السلام, ولروحك الطمأنينة والسكينة..
  03/09/2014

 

 

سميح القاسم, لذكراك السلام, ولروحك الطمأنينة والسكينة..


بقلم: هبه حسن-مرعي


إنّ الاحتلال رغم كل حدته وتعقيداته, لا يجفّف الإبداع, ولا يدفع الناس إلى الموت, بل على العكس, فهو يدفع إلى التعلّق بالحياة, إلى إثبات الذات والتحدّي. فعندما نتحدّث باسم الكتب وبصوت أنظمتها بحدودٍ ومنظومةٍ دون تحريك لمعاني الحروف أو نقل معانٍ أعمق من الصدى الباهت في صفحاتها, فليس هذا هو التغيير تحت قيود الاحتلال, أما من يتكلّم باسم الأصالة والمقاومة ومتانة التشبّث الحتمي بالأرض وترابها, بالوطن وترابه, بالعزة وفكّ القيد والأمل, يقوم بطريقة مباشرة واضحة أو غير مباشرة ولكن واضحة أيضا, بنقل ملايين الأصوات التي لطالما حاول الشر اخفاتها وتدنيس قيمتها, فمن شأنه أن يعلي راية الحق والحرية والإنسانية والوطن على حد سواء... حين نتحدث عن الوطن والمنفى , عن الحرب والسلام , عن صورة العربي والاخر, عن صورة الفلسطيني أمام العرب والعالم, عن الثورة والمقاومة, عن أثر الاحتلال, عن تاريخ ومواكبة سنين من العطاء, عن شعر المقاومة, عن عروق فلسطينية وشموخ دونّه حبر قلمه الأصيل, فحديثنا لا بد له أن يتوّج باسمه: شاعرنا العظيم الراحل عنّا والحاضر فينا: سميح القاسم .. هذه الكلمات هي أقل ما يمكن أن يقال في شاعرنا الذي روى للعالم قضيتنا ونقلها بمعالمها وأحداثها ومرارتها في روائع شعره وأدبه. هو الشاعر الذي لا مساومة معه على الأرض, فقد خطّت كلماته الواقع العملي والتجربة الأليمة, وارتبط شعره الثوري بتطلعات الإنسان نحو الحرية وقمع الاحتلال وهواجس التجديد والتغيير واستحضار المستقبل المرجو. هو الشاعر الذي زاوج بين العاطفة والتجارب الحياتية النضالية ومزج بينها في قصائده. في أغلب أعماله تشتعل أضواء الحرية ومشاعل التضحية, تضج المعالم والثقافة الراقية لتكون نتاجا لشعر يقاوم..
شعر القاسم كان وسيبقى حلما يحتاج إلى التاريخ كله كحركة شاملة ومتكاتفة لتحقيقه, فلطالما هز شعره الأرض وحرّك الثوار وأضرم مشاعل الحرية والأمل في قلوب الأحرار الذين نقشت السنين في أفئدتهم حروف العزة والوطن والمأساة الزائلة لا محالة.
عظمة شعره تصدر عن وعي تام لضرورة اتخاذ الجانب الثقافي للكفاح كما الإلحاح على المضمون الحضاري للثورة, على التغيير الجذري الشامل للحياة في أدق تفاصيل معانيها, وأبسطها الحرية, لتتزين الثورة لديه بالثقافة والحضارة والقوة والمتانة على حد سواء. في قصائده توأم اللغة والشكل, فاللغة لديه غير منفصلة عمّا تقوله القصيدة, فشعره يتغذى بلغة الماضي وبالتبشير بالمستقبل, هادر بالكلمات الصانعة للأجيال, يضج بأسمى معاني الحضارة والسكون الداهم, يحكي عن الناس والمكان, يسجل اللحظات الخالدة, وتحتضن فيها الكلمات القارئ تارة وتطبطب على كتفيه وتمسح دمع الألم تارة أخرى.. وتدعوه للشعور بلذة المقاومة وبميزة الكيان الفلسطيني وفردانية لحظة المواجهة.
القاسم باختصار اختزل في شعره أيضا ضمير الجماعة, فالأدب لديه لم يكن نتاجا فرديا , فهو على درجة عالية من القوة والعمق والتجسيد للمنظور الجماعي الذي هو أقوى وأشد تأثيرا وحدّة, لذلك نلمس في نصوصه القوة التاريخية للكفاح والشهادة والتضحية والمواجهة. وهنا سأتطرق باختصار للحديث عن قصيدة تركت بصمتها عميقا في تاريخ شعره العظيم وذكرى الام شعبنا الفلسطيني, وهي قصيدة: "ليدٍ ظلّت تقاوم", والتي هي احدى الملاحم الشعرية الكفاحية التي خلّدت بسطورها مجزرة كفرقاسم, والتي اقتربت ذكراها التاسعة والأربعون في 29 أكتوبر 1965.
هذه القصيدة الثورية التي تدق بها طبول الثورة والمقاومة ورفض المجازر والغضب بدءًا من عنوانها, لكفرقاسم, لشهدائها وأهلها, قصيدة تزفها العاطفة وتضنيها المعاناة, هذه المجزرة التي شكّلت معلمًا هاما وذكرى خالدة على درب النضال الفلسطيني عامةً.
وهذه مقتطفات منها: وأنا يا كفر قاسم
أنا لا أنشد للموت.. ولكن
ليد ظلّت تقاوم!
سيدي!
يا واهب النار لقلب وجديلة
سيدي!
يا ساكب الزيت
على موقد أحزاني الطويلة
سيدي!
دعني أهنئك على يوم البطولة
عش لعدل لا يضاهى
أيها القيصر عش
ثمن الخمسين.. قرش؟
أنت يا مولاي رحمن رحيم
والذي يغضب من عدلك يا مولاي
شيطان رجيم
والذين يحزن مخدوع.. ومن
ينزف الأدمع
موتور لئيم..
شاعرنا العظيم, لذكراك السلام..
ستبقى كلماتك نبراسًا وشعارا لمقاومة شعب صامد ولثورة تكتسيها معاني الرقي والحضارة.
 

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات