بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >>  اخبار  >> عين على الجذر الفلسطيني  >>
"بن غوريون": بوابةٌ بحراسٍ ميثولوجيين
  27/10/2014

منفذ الأرض المحتلّة 48
"بن غوريون": بوابةٌ بحراسٍ ميثولوجيين

هلاً بكم..


أسماء عزايزة


صورٌ بالأبيض والأسود من ذاكرة مطار "بن غوريون". كل ثلاث ساعات تقريباً، كانت تهبط طائرة من طهران، حاملة على متنها "وافدين جددا" من العراق وكردستان.. طائرة من أوروبا الشرقية، وأخرى من اليمن.. لمّ شملٍ مؤثر بين وافدين من روسيا وأقربائهم على أرض المطار.
البوابة التي أدخلت عبرها الحركة الصهيونية يهود العالم إلى "أرض الميعاد"، هي نفسها التي يعبر منها الفلسطينيون في الأراضي المحتلة عام 48 إلى العالم.. وهي نفسها التي تشكل أمام بعضهم، وضمن أمزجةٍ أمنية قد تبدو عشوائية، ولكنها مقصودة، بوابة موصدة. أحد أشكال هذه الأمزجة يكوِّنه خوف ليس من واقعٍ أمنيّ فحسب، بل من واقعٍ معرفيّ وفكريّ ربما يكون أبلغ خطورةً على دولة إسرائيل.
الاصطياد في العتمة
د. نادرة شلهوب، ابنة حيفا، هي محاضرة في القانون وعلم الإجرام في "الجامعة العبرية" في القدس، وربما تكون قد شكّلت، بأوراق محاضراتها وتقاريرها الكامنة في حقيبة سفرها، ضرباً من ضروب هذا الخطر المعرفي. ففي رحلتها إلى مؤتمر عقد في تونس في العام 2006، تعرّضت شلهوب إلى إذلال سافر من قبل أفراد الأمن في "مطار بن غوريون"، الذين تقول عنهم إنهم "من الممكن أن يكونوا قد تتلمذوا عندي في الجامعة".
اخترقوا أكثر مساحاتها خصوصيةً، فتشوا أوراق محاضراتها وملابسها الداخلية، وضعوا حذاءها على صور تذكارية لأبنائها، وسخروا ضاحكين حين وجدوا بين الأوراق عنوان الموضوع الذي يبحثه المؤتمر: المرأة "العربية" و"الجنس". منعت نادرة من أن تصطحب معها إلى الطائرة أوراقها وحاسوبها، إذ قال المسؤول الأمني هناك إن ثمة مادة متفجرة فيه! حينها، لملمت أوراقها التي تبعثرت على أرض المطار، أوراق المؤتمر وأخرى خاصة بتقرير تعدّه عن جدار الفصل العنصريّ، وعادت إلى حيفا.
خاض الناشطون في حقل حقوق الإنسان الفلسطينيّ وفي حالات كثيرة كحالة شلهوب، صراعاً حامياً من أجل إلغاء الانتماء القومي كمركّب أساسيّ في تحديد مستوى التفتيش الأمني. إلا أنهم يدركون اليوم عدم المقدرة على إحداث تغييرٍ جذريّ في الواقع القائم. والآن، نجدهم يبذلون كامل العناية لإحقاق "تعويضات" ماديّة فردية لمن يتضررون مادياً ومعنوياً خلال عملية التفتيش، ويعتبرون الولوج في قضية التعليمات "السريّة" المعطاة لأجهزة أمن المطار، حول التعامل مع المسافرين الفلسطينيين، اصطياداً في العتمة، بحسب تعبير أحد الحقوقيين.
"مطار اللدّ" ليس عربيا

يمشي بعض الفلسطينيين أحياناً في العتم أيضاً داخل حقل ألغام المسميّات، معتقدين بضرورة إيجاد تسميات عربية لبلدات أو منشآت ليست لها أصول عربية أصلاً. فتسمية "مطار اللدّ" التي يطلقها البعض على "مطار بن غوريون"، هي أساساً الاسم الإسرائيلي القديم للمطار، وليس الاسم الفلسطيني! البريطانيون هم من وضعوا اللبنة الأولى فيه عام 1934، على بعد 4 كلم شمال مدينة اللدّ، وأطلقوا عليه اسم "مطار فلهيلما" (تيمناً باسم مستعمرة فلهيلما التي أسّستها الحركة الدينية الألمانية - التمبليرجيزلشافت). لاحقاً، كان الإسرائيليون هم من سمّوه بـ"مطار اللدّ" بعدما أقاموا دولتهم هنا في العام 1948. وهم لاحقاً من أطلقوا عليه اسم "مطار بن غوريون الدولي" في العام 1973، إثر وفاة دافيد بن غوريون.
وإذا عدنا بالزمن إلى الوراء، نجد أهمية تاريخية لتلك المنطقة حدّدها الأتراك والإنكليز. ففي العام 1892، افتتح خط القطار الأول في فلسطين من يافا إلى القدس عبر اللدّ. وفي الحرب العالمية الأولى، ربطت السلطات العثمانية مدينة اللدّ بسكّة حديدية جديدة مرّت من مرج بن عامر جنوباً عبر جنين وطولكرم، من أجل تسهيل نقل الجنود والعتاد العسكري لساحات المعارك. وبعد تأسيس الانتداب البريطاني، قامت حكومة الانتداب بترقية السكة الحديدية، حتى أصبحت اللدّ في عشرينيات القرن الماضي ملتقى لخطوط القطار المتجهة إلى جميع أنحاء المنطقة.
إذاً، لا يملك الفلسطينيون من ذلك كله سوى الأرض. أرض قرى الخيرية والسفارية والساقية واليازور والعباسية التي بني المطار على أنقاضها.. بيوت ومدارس وكنائس وجوامع وقصص حب وخيبات وحيوات كاملة لأشخاص، سوّيت بإسفلت المطار وأبراج المراقبة وصالات المسافرين ورفوف السوق الحرّة.
مشهد نصفه، بلغة نضالنا الحديثة، كولونيالياً عنصرياً.. لكنه يبدو، أيضاً، مقتطعاً من تاريخ المكان المقدس الذي يتبناه الصهاينة؛ ذاك الذي وجد ليطبق حكم الرب بأرض لشعبه المختار دون غيره من الشعوب، ذاك الذي يشبه مطاره بوابة الفردوس، ويشبه رجال أمنه حرّاسها. هناك من يوعدون بها فيدخلونها آمنين، وهناك من هم خارج هذا التاريخ وخارج الأسطورة، هم نحن.. نفسنا الذين يَعبث بأعضائنا حرّاسها الميثولوجيون.

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات