بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >>  اخبار  >> عين على الجذر الفلسطيني  >>
حِكايَتان قَرَوِيّتان
  07/07/2016

حِكايَتان قَرَوِيّتان

 

نمر نمر

اهل طيرة الكرمل وضيوفهم يزورون القرية في ذكرى النكبة

الحكاية الأولى للشاعر الكرملي الرّاحل: نزيه خير 1946 -2008، دوّنها في كتابه: ذاكِرة المطر، دالية الكرمل في ثلاثمئة عام، دار الهدى للنشر والتّوزيع/كفر قرع، ما أعادنا الى هذه الحكاية المُعَتّقة، هو المسيرة الشّعبيّة الكبيرة الى طيرة الكرمل /طيرة اللوز/طيرة حيفا، ثلاثة أقانيم في واحد، في الذّكرى الـ 68 للنّكبة يوم 14/5/2016، زُرنا مع الأهل المعالم العربيّة الصّامدة وما زالت شامخة، رغم أنّ المسجد أصبح كنيسًا!، بيت المختار صار مقرًّا للشرطة! الأماكن المقدّسة: مقام الأربعين، الشّيخ خليل، الشّيخ سلام، الشّيخ ضرار، الشّيخ غريب والشّيخ سليمان تندب سوءَ طالعها مع الاحتلال، عدد السّكّان زاد عن 6000 نسمة، عند الاقتلاع، وَقِسْ على ذلك، وبينما نحن نستمع الى البرنامج والفقرات الفنّيّة الشعبيّة، وإلا برائحة قَلاوِة المجدّرة تفوح بين مئات المشاركين، شعرنا كأنّنا في بيوتنا تمامًا، بعض الأُسَر الطّيراويّة الكرمليّة، أصَرّت على تقديم وجبة طعام ما بين الفطور والغداء، تِهْريشِة، دار الشّباب والصّبايا على الجمهور مُقَدِّمين لكلّ فرد حِصَّتَهُ: صَحْنًا مُجَدّرةً، مُهَبِّلًا، أسْمَرَ، غَطّتْ رائحته على عَبَق الطّبيعة وشذاها في عِزّ الربيع، حتى القندول، الشّيح، عروس الغابة والهِنْبِل اعترفوا بِتَفَوُّق رائحة المجدّرة الأصليّة، العدس والبُرْغل، وليس الأرُزّ، شهيًّا مع الزّلفة ورغيف الخبز البلدي، كلّو على الطّبيعة، تحت ظلال اللوز، الزّيتون والغار، حتى كِدْنا ننسى حكاية الشاعر نزيه خير، عند البْطون ضاعت العقول!، يقول نزيه خير صفحة 30 :

 * والحكاية هي أنّ مختار طيرة الكرمل عبد الله السلمان، كان من بين المُهَجَّرين من عام 1948، والمعروف أن هؤلاء المهجّرين تركوا متاعهم وبيوتهم وخرجوا بما حملت أيديهم فقط، وكان قائد الهَجَناه في المنطقة، قد أباح للسكّان في دالية الكرمل بالخروج الى القرى المهجّرة، وأخذ ما استطاعوا حمله، قبل بدء بعض عمليّات الهدم، وكان الجيش الإسرائيلي يرغب في تحويل بيت عبد الله السّلمان الى أحد المراكز العسكريّة، فطلب الى علي الشّامي/ دالية الكرمل أن يركب سيّارة البولدوج، والتّوجّه الى بيت عبد الله السلمان وأخذ كلّ محتوياته، وكانت المسألة بمثابة أمر عسكري، فتوجّهت هذه السيّارة الى الطّيرة، ولم تحمل من بيت عبد الله السلمان إلاّ صورته المُبَرْوَزَة، والتي علّقها المرحوم توفيق الشّامي في صدر بيته، إخلاصًا لصداقته لعبد الله السلمان، وما زالت مُعَلّقة في بيته حتى اليوم، ويضيف المرحوم نزيه قائلًا: ويُذْكرُ أنّ المرحوم عبد الله السلمان، كان قد سعى الى إعادة أهالي دالية الكرمل الى قريتهم، بعد أن نزحوا عنها خوفًا من الأخذ بالثأر، بعد مقتل المرأة آمنة من عين حوض، غَرْبِيّ القرية / دالية الكرمل ن، ن/، واتّهام أهل القرية بقتلها. ويذكر نزيه في مكان آخر: تبيّن فيما بعد أنّه لا علاقة لأهالي دالية الكرمل بمقتل تلك المرأة.

 *الحكاية الثّانية رواها لي الشّيخ الراحل سعيد خير الدّين/حرفيش 1933-2016، مشهود للشيخ صدق كلامه وأمانته واستقامته التي لا تشوبها شائبة، والحكاية مُدَوّنة في كتاب حرفيش بلدنا/إعداد نمر نمر:

 يقول الشيخ أبو كمال سعيد خير الدين: عملتُ في سلطة السّجون، سجن شَطّة، تسعينيّات القرن الماضي، أحضروا لي سجينًا أمنيًّا، محاميًا في مهنته، أوقِفَ بعد أن دخل البلاد، علامات العِزّ والجاه بادية على مُحَيّاه الوسيم، قال: أنا أحمد ارشيد... قاطعته بلطافة: هل اسم ابيك سليمان وهو من مدينة جنين؟! ذُهِلَ واستغرب قائلًا: كيف عرفتَ؟ قلتُ وهل كان أبوك موظّف أحراش في منطقة صفد، قبل عام 1948؟ تغيّر لون وجهه، إصْفَرّ، إخضرّ، احمرّ، اغبرّ، ابيضّ، اسودّ وقال: من أين لكَ هذه المعلومات! بعد أن لعب الفأر بِعُبّه! طمأنْتُهُ وهدّأتُ من روعه، لعلّ الأمر ينطوي على خير! عاد أحمد وألَحّ عليّ بالسّؤال: أرجوك ألا تُقْلِقَني، ما بي يكفيني وِزْيادة! قلتُ له: أبوك كان مأمور أحراش في منطقة صفد، وأبي فلاح بسيط في حرفيش، لنا قسيمة أرض في موقع: الْمْنيزْلة، بجانب الأحراش، شرقيّ البلدة، دأب أبي على فَتْحِ /قَشِّ/قلع بعض الأجباب من العَزيب، وكثيرًا ما كان أبوك يَكْبِسُهُ في فتح العزيب، وقدّمه للمحاكمة، بِحجّة الاعتداء على أملاك الدولة، في مفهومه، سُجِنَ أبي وأُنْذِر وَمُنِعَ من مواصلة عمله!

تغيّر لون السّجين المحامي أكثر وأكثر، وَظّنّ بِأنّني سَأُصَفّي الحساب معه، بدل أبيه الرّاحل، هدّأتُ من روعه وطلبتُ له فنجان قهوة، اعتذر المحامي عن فعلة أبيه كثيرًا وقال:هأنَذا بين يديْكَ، افعلْ ما تشاء!قلتُ له مُطَمْئِنًا: لا ذَنْب لكَ في ذلكّ، قال: يا سيدي رقْبَتي سدّادة! قلتُ له: أبوكَ حرم أبي من الأرضات، أي حرم العربي من الأرض، كي يستولي عليها اليهود فيما بعد!، ولو تغاضى أبوكَ قليلًا حينها، لَكُنّا من الملاّكين اليوم! ولكن لا عليكَ! ستكون عندي مُعَزّزًا مُكَرَّمًا، بعونه تعالى! قال المحامي الشّهم محاولًا التّكفير عن فِعلة أبيه: الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون! طمْأنتُهُ للمرّة العاشرة على التّوالي، لاحت علامة الارتياح شيئًا ما على مُحيّاه! قلت له باحترام، جاء في آيات الله البيّنات: وَمَن ضَلَّ فَإنّما يضلّ عليها، ولا تَزِرُ وازرة وزر أخرى! وجاء كذلك: ولا تكسبُ كلّ نفس إلاّ عليها.... / صدق الله العليّ العظيم! قال لي المحامي: لِلّهِ دَرُّكَ، كثّرَ الله من أمثالِكَ أبا كمال، فأنتَ اسم على مسمّى، والكمال لله وحده !

*عودة الى طيرة اللوز الكرمليّة والشاعرمحمود درويش البرناوي، وديوان: كَزَهْر الّلوز أو أبعد:

وَلِوَصْفِ زهر اللوز، لا موسوعة الأزهار/ تُسعفني، ولا قاموس يُسعفني/ سَيَخْطفُني الكلام الى أحابيل البلاغة/ والبلاغة تجرح المعنى وتمدح جرحَه/ كَمُذَكّر يُملي على الأنثى مشاعرها/ فكيف يَشِعّ زهر اللوز في لغتي أنا/ وأنا الصّدى؟/ وهو الشّفيف كضحكة مائيّة نبَتَتْ/على الأغصان من خفر النّدى. . .

*هذه هي طيرة اللوز الأبيّة، نَوَّرْ، نوّر زهر اللوز / بالهَنا بَشَّر زهر اللوز...

* هاتان حكايتان فقط من أرشيفنا الذي يحوي الكثير، كَجِراب الكُردي، ونعود للشاعر الحُطَيْئة:

 مَن يفعل الخيرَ لا يُعدم جوازيه    لا يذهب العرفُ بين الله والنّاس

القارئ الّلبيب ثقتنا به كبيرة، ومجتمعنا يفيض ويطفح بالقِيَم والأخلاق الحميدة.

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات