بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >>  اخبار  >> عين على الجذر الفلسطيني  >>
التسامح و تقبل الاخر
  05/09/2016



التسامح و تقبل الاخر
 موقع الجولان / الشيخ كمال  زيدان


بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على سيد المرسلين و على اله و صحبه أجمعين و بعد ...
بهدف تعزيز التعايش السلمي بين الثقافات و الأديان المختلفة في البلاد، و تحقيقا لمبدأ التعايش ومد جسور المحبة والوئام بين الناس والحوار بين الديانات حيث قال تعالى في كتابه العزيز " وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ " (الإسراء:53) .
أن الوصايا الأخلاقية التي جاءت بها الشرائع الناموسية لها الأثر في تقويم المنحى الانساني و رفعه عن كل ما يسيء بمسيرته الهادفة الى الكمال، وهدفها تأهيل القيم والمبادئ التي من شأنها أن تأخذ بالإنسان الى مرقى السعادة والعيش بسلام . فالأخلاق واحدة ومشتركة بين جميع الأديان مع اختلاف الرؤى, لذا يمكن اعتبار القيم الأخلاقية مسألة مشتركة بين بني البشر ولو كان بعض الاختلافات في العقائد.
ومن وصايا السيد المسيح : " أَحبِبِ الرَّبَّ إِلهَكَ بِكُلِّ قَلبِكَ، وكُلِّ نَفسِكَ، وكُلِّ قُوَّتِكَ، وكُلِّ ذِهِنكَ وأَحبِبْ قَريبَكَ حُبَّكَ لِنَفسِكَ " . فلو نظرنا الى هذه الوصية نرى بأن محبة الله تكمل كل القيم الأخلاقية لدينا و تحثنا على المحبة للآخر وترك التعصب الداعي للكراهية والبغضاء لأن الرب خلق البشرية ليحبوه فبحبه نحب بعضنا البعض .

و اليوم ومن واجب رجال الدين من كل الطوائف إسقاط المفاهيم على واقعنا في دعوة خالصة لوجه الله تعالى ترتكز على الثغرات وما يحيط بها من أوضاع تفتقر للتقويم عبر ضرورة تفعيل الحوار بشكل جاد من أجل التقريب بين الطوائف واحترام الرأي والرأي الاخر.
كافين النظر عن الانتماءات الطائفية والعقائد المختلفة ولنثبت أن جميع الديانات تدعو الى هدف واحد مشترك ألا وهو العفو والتسامح وتقبل الاخر . لعل في هذه الخطوة نساهم في تعزيز السلم والتفاهم وتقبل الاخر مهما كان انتمائه الديني أو الاجتماعي عسى أن الله يسرح بها وبمثيلاتها من العمل الايجابي وان يحرر النفس الانسانية وروح الاخوة والتفاهم وكما قيل : " إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ " (الرعد:11).
فمن الأشياء التي تهدد مجتمعنا الفشل في احترام الانسان بكيانه وشخصه المتمثل بمشاعره الكريمة، أما اذا إمتهن الانسان ممارسات غيرإنسانية كالاعتداء على الاخر وإلغاء كرامته، فيعني أن انسانيته لم تكتمل بعد وأنه عرضة للإمتهانات التي يرتكبها الاخرون، وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ك) (الناس صنفان اما أخ لك في الدين او نظير لك في الخلق) فهذا يؤكد علينا احترام جميع اجناس البشر، فان لم يكن منهم أخ في دينك تحترمه لدينه فهو أخ لك في انسانيته فاحترمه لذاته .
وثقافة الحوار لها اسس واضحة لبناء السلوك الانساني الرفيع من الاخر. فمن الناحية الدينية لهذا الحوار آيات تدل وتثبت وتحث على اهمية ما منه الدين لمبدأ القبول المجتمعي والحوار مع الغير. فقال تعالى : " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً " ( النساء:1 ) .
فهذا خطاب الخالق العظيم للمخلوقين بكل أفكارهم ودياناتهم واعتقاداتهم بأنهم منذ الاساس قد خلقهم الله من نفس واحدة تشعبن عبر قانون الزوجية الى تعددية بشرية كثيرة من رجال ونساء. وهذه الحقيقة تسلب كل انسان مبررات التكابر على نظيره الانسان. فكيف نسمح لأنفسنا ذلك وقد انحدرنا معا من أصل ادمي واحد و نفس واحدة مشتركين معا في المصير. قد صاغنا وبنى جنسنا رب واحد وبتصميم احدي. فالتكوين الالهي للتعددية البشرية جاء بهذه الهندسة الحكيمة والخروج عليها من قبل المخلوقين هو خروج على ارادة الخالق تعالى.

و في قول اخر لله تعالى : " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ " ( الحجرات:13 ) . وهذا القول فيه تعليل لفلسفة التعددية البشرية بانها معروفية كغاية اولى لغاية التكامل المشترك . فعلى الناس ان يتعرفوا على بعضهم ويكتشفوا مكامن القوة ولا ينطووا على انفسهم ويحبسوها عن الاخر .وهذا يدعوا الى الانفتاح والتواصل والحوار لنقل الثقافات والمفاهيم وتقبل الاخر .والا فلن يكون هناك تعارف ولا اعتراف وبالتالي يحل التضارب محل التقارب كما هو الحال اليوم على وجه العموم.
فلكي لا يكون علمنا بلا عمل كمثل شجرة بلا ثمر( و شجرة لا تثمر فالنار اولى بها) ولكي لا نقع في شعارات خاوية على مستوى علاقتنا الانسانية . لا بد ان نزرع الصدق والاخلاص في القلب حتى تثمر القبول بالحق كما تقره مرأة الفطرة ويقرها صفاء الضمير.
ومن أجل الرضا بالتقاسم المبدئي والقبول واحترام الاخر وتحقيق الهدف المشترك علينا تطبيق المبدأ القائل : (أحب لغيرك ما تحب لنفسك) الذي به ينعم الجميع بالخير والبركات . وقال تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ " ( الصف:2) .
فالانسان لو فلح في تهذيب نفسه وترويض غرائزها لفلح في كل الميادين الاخرى. فالنفس ان عدلها صاحبها اعتدلت وان حررها طغت (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها ) فالمفاهيم الثقافية في الحرية والحوار لا تنفع ما لم يكن وراءها ارادة متصلة بها من داخل النفس لتحركها، لتنتج التغيير على أرض الواقع.
وفي الاخير ومن أجل بناء مستقبل افضل الخص قولي بما يلي :-
• علينا استماع الغير ومحاولة فهم الاخر، وعدم التسرع في اتخاذ القرار والحكم على الاخرين.
• عدم التعصب، والعناد، والتكبر، والاستبداد فيما نعتقد ونفكر واسقاط رأي وفكر الاخر.
• عدم قبول الامور السلبية التي من شأنها خلق النزاعات والمشاكل.
• عدم رفع الصوت واعطاء الاخر فرصة لإبداء رأيه.
• ان تكون نقاشاتنا بناءة مع هدف بناء الخير ولا لأجل تبرئة النفس والخروج منتصرا بقناعات حتى لو كانت مغلوطة.
• عدم جهل الطرف الاخر وتلصيق التهم بما ليس له نفع.
• احترام مبدأ التواصل والحوار ذلك لان الانسان كائن اجتماعي يؤثر ويتأثر وقابل للتغيير بتبادل الآراء وآداب الحديث ونبذ الاستهزاء بالغير.
وفي الختام اقول لكي يصل الانسان الى كماله المنشود عليه بتهذيب اخلاقه في علاقتنا مع كل انسان اخر حتى لو كان اختلاف في بعض الامور والجزئيات، فالمشترك من الوصايا الاخلاقية والتربوية التي تنظم حياة الانسان السلوكية التي بدورها تؤدي الى خلق حالة من الانسجام والوئام ونشر الفضيلة والعدالة أنكى وأزكى وأكبر.
فالرسالة التي ينبغي ان نحملها هي رسالة المبادئ و القيم التي جاء بها جميع الانبياء والديانات والتي تقوم على مكارم الأخلاق وقال تعالى: " فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ " (الزمر:18 )
وتبقى الأخلاق هي ضالة الشعوب التي متى ما وجدتها والتزمت بها أصبحت أكثر قدرة على الحياة والاستمرار في رفد الارث الحضاري بكل ما هو صالح ونافع لهذه الانسانية التي ذاقت الأمرين على يد من تخلى عن أخلاقه وإنسانيته، والابتعاد عن هذه القيم الاخلاقية هي التي تسبب في كل المآسي والفجائع والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

مأذون من الدائرة الدرزية / دالية الكرمل


 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات