بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >>  اخبار  >> قــضــايـــا عربــيــة >> عين على تونس الخضراء >>
عروس عروبتـنا الخضراء تدفـن عصـر الخضوع: انتفاضة الكرامة التونسية تحاص
  11/01/2011

عروس عروبتـنا الخضراء تدفـن عصـر الخضوع: انتفاضة الكرامة التونسية تحاصر جيمس بن علي

مازن السيد

في 22 آذار 1980، وبعد إقفال أنور السادات جبهة المواجهة المصرية مع اسرائيل، سأل نزار قباني: «هل في العيون التونسية شاطئ ترتاح فوق رماله الأعصاب؟». اليوم بعد 31 عاما، تكتب العيون التونسية بالدماء سطور الجواب الوافي على كلّ «متعب بعروبته». بالحجارة كما بـ«فيسبوك»، تتكامل عناصر الوعي الشبابي التونسي المختلفة، وتتضافر الجهود من الداخل والخارج، بلا تسييس ولا «أسلمة» لتطبق دائرة الحرية حول رقبة نظام ينافس جديّا على صدارة قائمة أنظمة السحق العربية العارية من أي شرعيّة.
مساهمة في كسر الجدار الإعلامي الذي تخنق به سلطة زين العابدين بن علي أصوات الشعب، تنقل «السفير» من قلب ديناميكية الانتفاضة التونسية، رؤية متعددة الجوانب للأحداث والتوجهات.
البداية والتحوّل
ويقدّم يوسف (اسم مستعار) قراءة للأحداث مختلفة عن الرواية الشائعة بين وسائل الإعلام ووكالات الأنباء. فيؤكد لـ«السفير» أن الشهيد الأول للانتفاضة محمد بوعزيزي، الذي أشعل النار في جسده أمام مقر ولاية سيدي بوزيد «ليس متخرجا جامعيا كما يقال، بل الحقيقة التي أكدتها شقيقته في تقرير مصوّر» انتشر على شبكة الانترنت، «غير ذلك تماما».
ويوضح يوسف (25 عاما) أن «بوعزيزي لم يحصل سوى على البكالوريا (الشهادة الثانوية)، ولم يتمكن من مواصلة دراسته لأنه كان مضطرا للعمل من أجل إعالة أسرته». ويضيف «النقطة الثانية هي أنه ذهب ليرفع شكوى لأن عناصر الشرطة أبرحته ضربا عندما أتوا ليصادروا بضاعته»، وهو بائع خضار متجول، مشيرا إلى أن «امرأة من الشرطة صفعته فيما انهال عليه شرطيون آخرون بالركلات. وعند المرة الثالثة ذهب يصرخ أمام مقر الولاية وأشعل النار في نفسه».
«رسالته كرامة المواطن، دعوة إلى العدالة، لم يكن يطلب عملا بشكل مباشر. وانطلق الأمر من أعمال فردية. أشخاص يشبهون بوعزيزي وانبهروا بشجاعته وتضحيته»، يقول يوسف. ويضيف «لم تدفع أية نقابة أو حزب معارض الناس إلى الاحتجاج، كان الأمر عفويا. لاحقا بالطبع، تم تسييس الامر، لكن المعارضة لم تع ولا تدرك إلى الآن، أن ما تحاول القيام به منذ 23 عاما، تحقق بطريقة غير متوقعة وعفوية».
وتعزّز الناشطة التونسية من باريس رنا معتوق، التي تقدّم نفسها على أنها «مواطنة تونسية تؤدي دورها على هذا الأساس»، الصورة التي ينقلها يوسف، مؤكدة لـ«السفير» أن «الشعارات التي ترفع في الاحتجاجات تحولت تدريجيا، من التنديد بالبطالة المنتشرة إلى: تونس تونس حرّة حرّة، طرابلسية على برّة»، في إشارة إلى عائلة زوجة بن علي، ليلى الطرابلسي، التي «كانت تبثّ الذعر في قلوب التونسيين لسطوتها، والمعروف ارتباطها بأنشطة غير قانونية».
جبهتان مفتوحتان
أما عن دور الانترنت في الانتفاضة التونسية، فيرى يوسف أن «المحفز الأساسي للاحتجاجات كان فيسبوك: بن علي أحكم قبضته على كل وسائل الإعلام، والمدونات الالكترونية، وكل المواقع الاخرى إلا فيسبوك. وبالتالي فإن الشاب التونسي العادي الذي لا يريد المرور بخوادم الكترونية خارجية، يمضي كثيرا من وقته على الموقع، وبما ان الشرائط المصورة تفجّرت من كل حدب وصوب، فقد انتشرت أخبار الحركة». ويعطي مثالا على انتشار استخدام «فيسبوك»، أنه «قبل أشهر تم اختطاف فتى اسمه منتصر ونتيجة التعبئة عبر فيسبوك، علم الجميع في تونس بذلك، وتم العثور عليه. كان ذلك مفاجئا».
هكذا تأجج الإحساس الشعبي التونسي، وخاصة عند الشبان، بضرورة النزول إلى الشارع والوقوف في وجه النظام. «لكن الجميع كان ينتظر عودة الطلاب الثانويين في 3 كانون الثاني إلى صفوفهم لتبدأ موجات الاحتجاج الكبرى. فأحس النظام بأنه يفقد السيطرة وأطلق حملة رقابة على مجموعات فيسبوك، والحسابات الخاصة بالافراد على الموقع. حيث قامت الحكومة بقرصنة هذه الحسابات للحصول على كلمات السر، والعبث بالرسائل الخاصة».
وبين 3 و10 كانون الثاني، كان الطلاب في فترة امتحانات، كما ينقل يوسف، لذلك «انطلقت أمس الأول، منذ الثامنة صباحا، بعد مجازر نهاية الاسبوع (24 قتيلا في أقل تقدير)، تظاهرات في كل الجامعات التونسية، وفي وسط العاصمة، جمعت أعدادا كبيرة من المحتجين». ويوضح يوسف انه حتى يومها، لم تكن المشاركة في التجمعات الاحتجاجية في العاصمة تتعدى العشرات، أما يومها «فكانت هناك أعداد ضخمة، اتفقت على رفع الأيادي في الهواء لإظهار سلمية التظاهر. لكن المشاركين أكدوا كما أوضحت الشرائط المصورة، أنهم تعرضوا للضرب المبرح من عناصر الشرطة»، وعندها أمر بن علي بإغلاق كل المؤسسات التعليمية في البلاد حتى إشعار آخر.
وفيما يذكر أنه في «حي الزهور الشعبي في العاصمة كان القناصون يطلقون النار على الناس من فوق السطوح، وتأكد سقوط جرحى على الأقل»، نقل يوسف لـ«السفير» صورة صادمة عن همجية أمن النظام التونسي مؤكدا أن «الشرطة كانت ترمي جثث القتلى في الوديان، لخفض حصيلة الضحايا لدى المستشفيات. لقد تخطوا نقطة اللا عودة. الآن هناك عائلات ثكلى لن تغفر للنظام، وتفضل أن يكون بن علي نفسه من يدفع الثمن».
عروبة تونس

مواجهة مستمرة بين نظام يستخدم ضد شعبه عبوات اسرائيلية مسيلة للدموع، كما أظهرت الشرائط المصورة بوضوح على موقع «يوتيوب» الالكتروني، وموجة شعبية عارمة تقف على نقيض العلاقات الحميمة بين نظام بن علي والاحتلال الاسرائيلي، في الشارع كما في ميادين المواجهة الالكترونية، حيث أسقط الناشطون الالكترونيون التونسيون خلال العامين الماضيين دعوات حركها اسرائيليون من أصل تونسي للتطبيع بين الدولتين.
رنا معتوق تعرب لـ«السفير» عن آمال يشاركها فيها الكثيرون، إزاء التغيير المتوقع إنتاجه على يد الانتفاضة التونسية. وتقول إن «الاستحقاق الآن هو إعادة امتلاك الشارع، والتآلف مع فكرة الاحتجاج»، وفي مرحلة ثانية «على أحزاب المعارضة ان تعيد بناء نفسها. ولا أقصد هنا المعارضة الشكلية التي يسمح بها بن علي. قد تكون هناك أحزاب جديدة أيضا، عليها أن تعيد الارتباط مع الشارع والناس».
لكنها وهي تنقل لسائلها الاهمية التي يتخذها الدعم الشعبي العربي للتحرك التونسي، لدى غالبية التونسيين، تؤكد أنه سيكون على الشعب «إضافة إلى استرداد كرامته، أن يبني هويته. فبعد (الرئيس السابق حبيب) بورقيبة الذي ابتعد تماما عن عروبة البلاد، وغذى انبهارا بالغرب وفرنسا خاصة، لم يتطرق بن علي حتى إلى قضية الهوية، وترك البلاد تدخل في نوع من انفصام الشخصية». أما يوسف فيعرب عن «غضبه» إزاء المواقف الإعلامية والسياسية الفرنسية مما يدور في تونس: «يتحدثون عن بن علي على أنه حارب الإسلاميين، فيما بسبب ديكتاتوريته واختفاء مساحة النقاش العام، أصبح من الممكن للاسلاميين أن يتحكموا بالمعدومين. أفضل ألا تتدخل فرنسا، وأنا سعيد في نقل المشهد التونسي إلى الذين يعيشون مأساة العالم العربي بسبب زعماء مثل بن علي».
هكذا تتجمّل تونس بتضحيات أبنائها، لتصبح اليوم «عروس عروبتنا». لا عروبة الإسلام السياسي، ولا عروبة الأنظمة القمعية الحاكمة باسمها، بل عروبة نصوغها اليوم لإطعام ملايين الجياع، وفتح بوابات التعبير والتفكير على مصراعيها، تحرّر الأرض بالإنسان بعيدا عن أنظمة غربية تنظّر للديموقراطية والمدنية عندما يحلو لها، ولا يزعجها التحالف مع «جيمس» بن علي، كما يسميه أحرار تونس. للنضال صلة، على أمل العدوى
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات