بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >>  اخبار  >> قــضــايـــا عربــيــة >> عين على تونس الخضراء >>
أبـنـاء مـهـد الـثـورة الـتـونسـيـة يدافعون بالدم عن رفضهم الغنوشي
  29/01/2011

النقابات في مركز القرار ... وتترك مكانها للـ«تكنوقراط»

أبـنـاء مـهـد الـثـورة الـتـونسـيـة يدافعون بالدم عن رفضهم الغنوشي

عناصر من الشرطة التونسية يعتقلون مواطنين من سيدي بوزيد أمام القصر الحكومي في العاصمة تونس أمس (أ ب أ)



محمد بلوط/باريس :
المعتصمون القادمون من سيدي بوزيد، والأرياف اختبروا الانتقال السريع من الثورة إلى الدولة. والذين عاندوا منهم الاتفاق الأخير بين الاتحاد العام للشغل، والأحزاب والجيش بالإبقاء على محمد الغنوشي رئيسا للحكومة الإنتقالية، دفعوا الثمن غاليا ليلة أمس. ولن يعود إلى سيدي بوزيد ، الأربعمئة من المعتصمين الذين تحصنوا بالقصبة لإجبار آخر رموز العهد السابق على الخروج من الحكومة ومقر الوزارة الأولى. فبعد أن أخلى الجيش محيط مقر الغنوشي، عادت الشرطة والقوى الأمنية لمحاصرة المنطقة ومنع وصول الإمدادات الغذائية اليها. وقامت القوى الأمنية بمهاجمة المعتصمين، ومطاردتهم في الشوارع القريبة، ومحاولة تفريقهم بالغاز المسيل للدموع مما ادى إلى جرح 15، كما ترددت أنباء عن استشهاد مواطن. وقال شهود عيان ان عناصر من ميليشيات تنتمي إلى التجمع الدستوري آزرت القوى الأمنية في الهجوم على من تعتبرهم «غرباء» عن العاصمة تونس.
وكانت المواجهة أكيدة ومنتظرة، بعد أن تخلى كوادر الاتحاد العام للشغل عن تنظيم معسكر الاعتصام صباحا، تاركين المعتصمين في مواجهة الشرطة التي انقضت عليهم عصرا. فبعد أن جاءت بهم النقابات إلى القصبة من مدنهم قبل خمسة ايام، بدأ صباح أمس انسحاب اللجان النقابية التي كانت تشرف على تموين الاعتصام، وتأطيره، وتنظيمه، لإجبارهم على العودة إلى مناطقهم، وإخلاء الساحة للحكومة. وجرت نقاشات مطولة خلال النهار بين اعضاء الأحزاب المعارضة والمعتصمين، لإقناعهم بأن الساعة حانت لترك الحكومة الانتقالية تعمل على التحضير للانتخابات التشريعية بعد ستة اشهر. وأجهش بعضهم بالبكاء، لتخلي الاتحاد العام للشغل عنهم، لا سيما أولئك الذين فقدوا أخوة وأقارب في المعارك مع قوات الامن، قبل سقوط زين العابدين بن علي.
وفي صوت عبد الجليل بدوي تعبر غيمة مرارة. خبير الاقتصاد لدى الاتحاد العام للشغل، أمضى شطرا طويلا من حياته في خدمة «القضية» وكاد يتقلد وزارة التشغيل والتكوين، في الحكومة
الانتقالية الأولى، قبل أن ينهاه الاتحاد وقاعدته الأكثر يسارية عن التساكن مع التجمع الدستوري في حكومة واحدة. المناضل النقابي أطاع كرمى لعيون الثورة، من دون نقاش. المرارة، لأن الاتحاد العام للشغل، خسر فرصة تاريخية، لاستكمال تطهير السياسة من التجمعيين، بعد ان أوقف مسيرة حكومة محمد الغنوشي الانتقالية، في اضرابات متنقلة، واعتصام رغم حظر التجول، في ساحة القصبة وتحت نوافذ الغنوشي. وعندما نجح بإخراج الإثني عشر وزيرا تجمعيا المندسين في الحكومة، وإسقاط الوزارات السيادية ورموز العهد السابق، باستثناء الغنوشي، الذي وافق على بقائه حفاظا على الصلة بالجيش، لم ينتهز الفرصة للإمساك بالسلطة، كما يجدر بالحركة النقابية «التي تركت في المواجهات مع شرطة بن علي عشرات الشهداء، وترك لتكنوقراطيين قدموا في طائرة واحدة من فرنسا، احتلال المناصب من دون ثمن، سوى كفاءاتهم».
ذلك أن التمثل بتكنوقراطيين،لا يعبر عن حقيقة الثورة: «وهل تعرف ان اكثرهم يحمل الجنسية الفرنسية، وأفكار اليمين الفرنسي النيوليبرالية، كوزير التخطيط (الاقتصاد) والإصلاحات الاجتماعية الياس الجويني». وأصبح توزير التكنوقراطيين، عنوانا شائعا لتسهيل العملية الانتقالية، ومخرجا من السجال حول هوية الوزراء، وحتى الإبقاء على وزيرين لم تثبت «تجمعيتهم». وبعد إسباغ التكنوقراطية عليهما، احتفظ النوري الجويني، وزير بن علي السابق، بحقيبة التخطيط والتعاون الدولي، وواصل العفيف الشلبي عمله في وزارة الصناعة. وعاد جلول عياد من المنفى، إلى وزارة الدفاع، تحت يافطة التكنوقراطية، وطمأن القوى الأمنية احتلال تكنوقراطي كفرحات الراجحي، وزارة الداخلية.
والمرارة أيضا في الاعتصام الذي رفس التجمعيين خارج الحكومة الانتقالية، لكنه لم يستطع إخراج محمد الغنوشي. وأضفى ليل امس الاول هتاف الترحيب بخروج التجمعيين من الحكومة، اسى واضحا لبقاء الغـنوشي على رأسها.
وحبست الحكومة الانتقالية والأحزاب والجيش والتجمعات المدنية أنفاسها، خلال ثلاثة ايام من الاجتماعات المتواصلة الصاخبة للاتحاد العام للشغل في بطحاء محمد علي. وخاض قطب الاتحاد العام للشغل، اليساري المتمركز في قطاع التعليم والبريد والاتصالات والنقل صراعا مكشوفا مع التيار «العاشوري» الذي يسيطر على الأكثرية في الهيئة الإدارية العليا للاتحاد. وهو تيار يرث الامين العام التاريخي للاتحاد الحبيب بن عاشور، ويسيطر بقوة على النقابات الصناعية، ويتمركز في حوض صفاقس الشهير.
وبانتظار أن تنطلق عملية تطهير الاتحاد ممن تواطأوا مع نظام بن علي، جلس عبد السلام جراد، رئيس الاتحاد العام للشغل، إلى طاولة المفاوضات بين جناحي الاتحاد. وترك لعبيد البريكي، رأس العائلة اليسارية وتياراتها الديموقراطية، أن ينافح عن مطلب المعتصمين في القصبة بإخراج التجمعيين من دون استثناء من الحكومة، وإنشاء جمعية تأسيسية، تعيد كتابة الدستور، وتقود تونس إلى انتخابات تشريعية. ودعم اليسار مطالبه، باستعراض قوة واستنهاض انصاره في الوسط الغربي، والجنوب، وقيادة الاعتصام في العاصمة.
ودافع علي رمضان زعيم «العاشوريين «عن مشاركتهم التاريخية في الثورة، وخلال النقاشات كانت كتائب العاشوريين تقود الإضراب العام في صفاقس وتشل القطاعات الصناعية الرئيسة. وشملت النقاشات توزيعا جهويا متعادلا، بين الساحل الغني، والداخل الفقير، وحصل الاتحاد على راس التجمع الدستوري في الحكومة، واثنتي عشرة حقيبة، ادت الخلافات على حملها، إلى منحها إلى تكنوقراطيين، تجنبا لإغضاب القاعدة من اي مشاركة مباشرة، وتأجيل الخلافات إلى ما بعد الانتخابات التشريعية.
وولدت حكومة الغنوشي بعد طول استعصاء في القصبة وبطحاء محمد علي، وتم تثبيت المسار الانتقالي للثورة التونسية، بعد اتضاح التوازنات داخل الاتحاد العام للشغل، الذي تحول إلى مركز القرار في تونس ما بعد زين العابدين بن علي، لكن من دون ان يتقدم بوجه سافر وواضح لملء الفراغ. وهو ما يشجي عبد الجليل بدوي، وآخرين، لم تكف سنوات النضال الطويلة لتوزيرهم في خدمة الثورة، التي يقود حكومتها الاولى عائدون من المنافي وليبراليون لا يغيرون شيئا في اقتصاد بن علي الليبرالي.


 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات