بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >>  اخبار  >> عين على الوطن  >>  ملف كامل حول الحوار الوطني في سوريا  >>
خطاب معارض في دار النظام: ارتفاع السقف بغياب الأعمدة
  11/07/2011

خطاب معارض في دار النظام: ارتفاع السقف بغياب الأعمدة
 
رامي عمران
غدي فرنسيس

لم يعد هناك من جديد في المشهد السوري، لا الحوار ولا طاولاته تضيف شيئاً إلى اللغة السياسية السائدة: الحل الأمني خاطئ، البطل كسر الخوف، لكنه ليس طاهراً بالكامل، المؤامرة ليست هاجساً فقط، السلطة تغرق في الأخطاء، المعارضة خالية من البرامج. شارع الاحتجاج أكبر من أن يتسع في إطار أحد. السقف في ارتفاع، والأعمدة غائبة.
الخطاب يكاد يصبح واحداً، والاختلاف هو في موقع المنبر والوجوه... اللعب السياسي في أشدّ مواسمه والأقنعة وفيرة، ولا قائد أو بطل من أرض الغضب. ولا ملامح واضحة لآلية التغيير. التلفزيون السوري عرض «مطالبة بتفكيك النظام الأمني» على مسامع المواطن من جلسة الحوار أمس... إذن دخلنا في مرحلة اللعب بالخطوط الحمراء.
الخطوط الحمراء
حين تتبادل «دكاكين النظام» التهم، نكون في مرحلة الخطوط الحمراء. حين يدور حديث الكواليس عن أسماء «المبعَدين» من النظام... حين تصبح مناصب النفوذ المتعددة كالدوائر الصغيرة... كديكتاتوريات صغرى تخاف من العاصفة. حين تصبح «الدبلوماسية الخبيثة» خطاباً من الداخل معارضة وموالاة... حين يبدأ صراع انفصام الشخصية في العلن... حين يرتدي الفاسد قناع «الإصلاحي»... حين يلبس «العسكري» حلّة «الفيلسوف»... حين تصبح اللعبة مرتكزة على الأقنعة، نكون تجاوزنا الخطوط الحمراء، أصبحنا نلعب في المنطقة الحمراء.
تغيرت سوريا في آذار. بعد أربعة أشهر تكاد تلتاع حريقاً.. شهوة.. صراخاً.. نشوةً، ولا يزال ناظرها يفتّش عن إطار وبراغماتية وتذاكٍ في الحلول والتفاصيل. يصنع أبطالاً في الإعلام والاعتقال والسياسة، يصنع من «الأدوات» نجوماً قبل أن يعترف بنجومية الشعب السوري الصارخ. هي تغيّرت، وهو لا يزال في مرحلة تأطير تغييرها قبل إدراكه.
في موسم السياسة السورية الكل يكيل الانتقادات نفسها، والكل يجلس مع السلطة. البعض يجلس معها في قاعاتها الكبيرة وحول موائدها المستديرة، والبعض الآخر يحرّم هذه القاعات ويجلس معها على الطاولات المنفردة الصغيرة. المعارضون السياسيون جميعهم باستثناء القلة، يعيشون «نشوة» أحلامهم السياسية فوق أزهار الربيع العربي، تصريحات ومواقف وآراء واتصالات هاتفية...
وتحت كل هذا المشهد، ثمة «خدمة» دبلوماسية حصلت في حماه.. وثمة تغيير حصل: للمرة الأولى منذ سنوات يأتي النظام لحماه بمحافظ حموي. «أنس عبد الرزاق ناعم» كان قد عيِّن أميناً عاماً لفرع حزب البعث في حماه منذ شهر ونصف الشهر. اليوم، نقيب الأطباء السابق أصبح محافظاً، ويُحكى عن رواجه «شعبياً»... تعليقاً على التعيين الجديد يقول الحموي: كأنهم يقولون لنا «حلّوها بين بعضكم يا حمويّي»! حمويّ نعم، لكنه بعثي. بعثي نعم، ولكن محبوب. ومن يدري، امتحانه الأول لن يتأخر، ففي كل أسبوع هناك يوم جمعة.
وفي كل يوم جمعة هناك بطل ومندسّ ومجرم وفاسد وثائر وطائفي وعلماني وعميل وخائن ووطني ومثقف وجاهل ومتشدد ومنفتح وانتهازي وصادق ومؤمن ومنافق في ساحة حماه، وفي كل سوريا. في كل جمعة هناك أرض، وفي كل حوار وتصريح هناك تصعيد... لكن أياً من المصرّحين لم يطرح بعد ملامح الغد.
متابعة الحوار من الخارج مع المعارضين
رغم أن اللقاء التشاوري الأول للحوار الوطني بضيافة النظام خلى من وجوه المعارضة «النجومية»، إلا أن الخطاب بكليّته حمل لغتها. في منزله بينما يتناول قهوته مع رئيس تحرير صحيفة «لوموند» الفرنسية آلان غريش، ميشيل كيلو كان حائراً بجهاز التحكم بالتلفاز. يرى الطيب تيزيني، فيرفع الصوت. تنتهي مداخلة تيزيني، فيهزّ رأسه موافقاً. يرى ذاك الناطق الفصيح الخطيب باسم الشباب «يعلك»، فيخفض الصوت معلّقاً «ما الجديد في أننا سوريون؟». يلمح «قدري جميل» و«علي حيدر»، فيسمع موافقاً... لا بد من الخلاص من الحل الأمني: «طلع الشعر على لساننا». يتابع نقاش ربيع التغيير العربي مع الصحافي الفرنسي على ضفاف «حوار وطني ينقل كل مطالبه بوجوه مختلفة».
فلعلّ أبرز ما حدث، سياسياً، ولادة «جبهة شعبية للتغيير والتحرير» بين الشيوعي المنشق «قدري جميل» والسوري القومي الاجتماعي المنشق «علي حيدر» بخطاب معارض واعٍ.
فبعد مداخلة حيدر اقتنص جميل الفرصة الاعلامية للاعلان عن هذه الجبهة بين الحزبين مضيفا بذلك شرعية لفرع الحزب المنشق. فانتفض مسؤول الفرع في الحزب القومي في الجبهة صفوان سلمان، حيث قصد سلمان «الدكتورة بثينة» شعبان معاتباً: عملياً، اعطى فرع الحزب المعارض مع علي حيدر، شرعية تفوق شرعية فرعه الجبهاوي مع صفوان سلمان ممثلاً عصام المحايري التسعيني. فجأة هوى حزب وصعد آخر امام الاعلام. هكذا الجبهة وعقليتها الخائفة على الدور والحصة بينما تنزف سوريا.
بالعودة من فروع الأحزاب إلى فروع المعارضة. لو قبل ميشيل كيلو الدعوة، لكان نجم الحوار ربما، لكنه جلس مستمعاً في منزله. وفي الخلاصة قال معلّقاً: «ما قيل في المؤتمر ليس لغة حل وسط بل هو فعلياً لغة المعارضة بأشكال مختلفة. كان واضحاً في المؤتمر أثر ومعنى غياب المعارضة عندهم. أنا أعتقد أن المشكلة الفعلية، أن المعارضة لم تكن هناك. حكى لغتنا وأفكارنا... غيابنا كان ظاهراً. لكن الواضح أن مطلب التغيير الديموقراطي أصبح مطلب الجميع، ولا يمكن القفز من فوقه».
أما سلامة كيلة، الموقّع على «سميراميس 1» في المعارضة المستقلة، يدير ظهره لشاشة الإخبارية السورية في مقهى الشعلان إذ يتابع نظريته الاقتصادية السياسية: «الاميركان تخوفوا من انحراف النظام في حل عسكري على حماه، حاولوا إيصال رسائلهم للنظام وليس للشارع: لا تتهوّر. التنسيقية في حماه أخرجت بياناً يؤكد أنها ضد التدخل الخارجي».
الزيارة رغم ترحيب الأهالي هنا أو هناك، وتهليلهم لفرنسا أحياناً في بعض الأحياء، هي «استثارة لتشويه الوضع» برأي كيلة. ويضيف: الحراك يتطوّر، السلطة تحمل أزمات، إحداها اقتصادية، بدأت تظهر بوضوح. القوة العسكرية لن تبقى بهذه الفعالية. إنها مرحلة تغيّر ميزان القوى. لا يستبعد كيلة أن يبدأ ظهور شخصيات تغيّر مواقفها. لا شيء يكبح هذا سوى عنصر مفاجئ ما. طبقة التغيير الذي طرأ على سوريا أثمرت «رؤوس الأموال الجدد» راكموا أموالهم، وأصبح الجهاز الأمني يجيّر مصالحهم. الفساد المستشري في السلطة ودكاكينها من يزيله؟ الحل الوحيد خارج الحوارات واللجان والتمييع السياسي للتغيير: الحل الوحيد بالقرار الرئاسي. فليأتِ برئيس حكومة تكنوقراط ويقول له: تفضّل نظّف البلد.
مساء الجمعة، جلس لؤي حسين وفايز سارة الى يسار الطاولة، وحسان سلّوم ورامي عمران على يمينها. معارضتان، واحدة تحاور النظام في العلن، وواحدة تحاور النظام بالهواتف والتصعيد والتصريح فوق الشارع. حين احتدم النقاش عن حماه، رد حسان سلوم على فايز سارة «أنا معارض قبلك». هكذا هو شعورهم، أولئك الذين ولد وعيهم السياسي بالمطالبة بدولة مدنية وضعت لها أسس وهوية وعقيدة.
رامي عمران، الذي خرج من حزبه السوري القومي الاجتماعي حين دخل إلى الجبهة خلف البعثيين، له قوة ما في النظام نواتها عمله في الشأن العام. فهذه القوة وضعت اسمه على لائحتي فاروق الشرع وبثينة شعبان للحضور إلى الحوار. في مكتبه، وخلف حاسوبه، رامي قاد حملة «أنا سوري» الإعلانية.. منذ اللحظة الأولى هو المختلف عن حزبه وعن النظام وعن المعارضة. انتهت السهرة بأن رامي حسم بالحديث مع لؤي: «انا أرى ان الذهاب إلى الحوار سيوصل رأيي وإن اختلف، يختلف هناك» فيرد لؤي حسين: «أنا أعضّ على أصابع النظام ليأتي هو إلى طاولتي».
وبالأمس ذهب رامي إلى الطاولة في فندق صحارى. جلس واستمع إلى خطاب أعجبه، وغاب المضمون والبرنامج، فخرج منتقداً اللمحة الأولى من الحل السياسي.
رامي عمران في طريقه إلى الخارج:
لم آتِ بحثاً عن منبر!
خلع رامي سترته الرسمية ظهر الأحد، وعاد إلى مكتبه بعد الاستراحة الأولى من الحوار في فندق صحارى. لم يكمل جلسة اليوم الأول. لكنّه لم يحدث «انسحاباً درامياً».
في مكتبه العصري في المنطقة الحرة يعقّب رامي على انسحابه «الصامت» بالقول «في هذا الزمن حيث تزداد وتيرة الأزمة خنقاً على عنق الوطن... كان على اللقاء التشاوري أن يخلص أولاً بمهمته الوظيفية بالتحضير لمؤتمر حوار وطني».
يوافق عمران على ما قاله ميشيل كيلو إن بعض النقاط التي قيلت في الجلسة الافتتاحية كانت مهمة وصارمة، لكنه يضيف إنها كلمات كان من الممكن تشاركها وتداولها مع الرأي العام قبل المؤتمر، عبر فتح أي منبر صحافي في سوريا لكل الآراء مهما تنوّعت ومهما ارتفع سقفها. وبالتالي لا يكون اللقاء التشاوري المعني بالتحضير لمؤتمر حواري منبراً لإعلان المواقف، على أهميتها.
«أثبت اللقاء التشاوري في جلسته الافتتاحية أن معظم أسباب الخلاف في الرأي السياسي السوري تعود إلى المنابر واللافتات، لا إلى المحتوى والمضمون. حيث تصنّف المعارضة والموالاة على قياس المكان، لا على قياس الرأي».
في «صحارى» قيل ما يشابه ويزيد عمّا قيل في «سميراميس» وفي بيان الأحزاب المعارضة، فهل ينتقل الرأي السياسي السوري باتجاه البناء على الرؤى بدلاً من احتكار المنابر؟
أعفى اللقاء التشاوري نفسه من المهمة الأساسية التي كان عليه أن يناقشها ويسددها، حيث إن الغرض الوظيفي من اللقاء التشاوري هو تحديد ماهية مؤتمر الحوار الوطني وماهية الهيئة التأسيسية المالكة لأدائه وإيقاعه وتفاصيله، فهل ستكون ملكاً لأصحاب الدعوة أو تكون كما يجب عليها، ملكاً للمجتمع السوري بكامله، عبر هيئة تجمع فيها كل أطيافه السياسية التي تمتلك مساحة ندية من قرارها؟ هل سيكون مؤتمر الحوار الوطني استشاري الطبيعة أو تقريري الوظيفة. هذا ما يدعو إلى السؤال الأساس، هل يذهب النظام السوري حقاً إلى شراكة مع الأطياف السياسية السورية كافة لإنتاج شكل الدولة الجديد أم أنها شراكة يحتفظ فيها لنفسه بحق النقد.
إذا كان غرض مؤتمر الحوار الوطني، الاتفاق على شكل الدولة السورية المدنية التعددية الحديثة، فكيف يناقش اللقاء مجموع القوانين التفصيلية المؤدية لبناء هذه الدولة قبل أن يتفق على شكلها في مؤتمر وطني شامل.
إن معظم القوى السياسية في سوريا تشترك في شعاراتها ومواقفها تجاه الدولة المدنية الديموقراطية الحديثة التعددية، وتنأى بنفسها عن التفاصيل المؤدية إلى هذه الدولة.
لا أجد قيمة في أن أضيف خطاباً أو موقفاً إلى الخطابات والمواقف التي قيلت. سيما أن في العناوين العامة نلتقي مع مجمل الآراء داخل اللقاء وخارجه. لكن إذا لم يتم التدارك السريع لمنهج إيجاد خطة عمل لتحقيق هذه الشعارات، فيمكن الاتفاق على أن يكون الشعار لغماً مؤجلاً يختبئ في التفاصيل.
وتحت الحوار وفوقه وقبله وبعده... أجمل ما في شوارع دمشق ومقاهيها اليوم، أن كل شيء، بما فيه الطاولة، عرضة للبحث فوق الطاولات.. والأقنعة تهوي سريعاً... وكذلك الأحزاب. وريثما تعطى الحرية السريعة للشارع أن يفرز نفسه تيارات وأحزاباً جديدة، يبقى الحلم السياسي السوري بسقفه العالي من دون أعمدة... كبالون الهواء.

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات