بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >>  اخبار  >> عين على الوطن  >>  ملف كامل حول الحوار الوطني في سوريا  >>
المصالحات السورية: أسئلة ما بعد الحرب
  27/12/2016

المصالحات السورية: أسئلة ما بعد الحرب


كمال شاهين

المصالحات السورية، كما اصطلح رسمياً على تسميتها، هي أقرب لأن تكون وقفاً لإطلاق النار منها إلى مفهوم المصالحة المعروف عالمياً، حتى يمكن القول إنه من الأصح أن تسمى عمليات «تبادل» وليس تصالح.
تقوم آليات المصالحات كما تمت حتى الآن، على إعادة وصل المناطق المحاصرة بالحياة الموازية لها في المناطق المجاورة غير المحاصرة، فتعاد لها خدمات الحياة الضرورية التي حرمتها الدولة نفسها منها، وتفتح الطرق المغلقة وتباشر إعادة تأهيل البنى التحتية فيها. ويقود العمليات غالباً وفد عسكري مع شخصيات محلية نافذة مجتمعياً في تلك المناطق إضافة إلى الحاضر الدائم: رجال الدين. يسبق ذلك تسليم المسلحين سلاحهم الثقيل والمتوسط للدولة، محتفظين غالباً بسلاحهم الفردي، ويُخيّرون بين أن تسوّى أوضاعهم ـ لمن هم مطلوبون للجيش ـ أو العودة لحياتهم الطبيعية ـ كما يقال ـ أو يغادرون مع عوائلهم إلى جهات خارج المنطقة بالباصات الخضراء التي أصبحت من علامات الحرب السورية المميزة.
وفي الوقت الذي لا تزال تدوّي فيه طبول الحرب، فإن هذا الإجراء الآني يبدو مناسباً للدولة لتحييد مناطق صراع أكثر، ومهماً لحقن مزيد من الدماء وتوفير الدمار، إلا أن هذا لا يعني أن ما يحدث هو مصالحة وطنية حقيقية. فغياب المصالحة في مناطق لم تشهد معارك (تحت سيطرة النظام) يقود إلى الاستنتاج ـ أقلّه في الراهن ـ بغياب التفكير بمشروع مصالحة حقيقي.
لقد شهدت مناطق سيطرة النظام في وقت من أوقات الأزمة تظاهرات ومطالبات وشت بالكثير من الأوجاع مما يحتاج إصلاحاً جذرياً، سواء بعلاقة الدولة بالمجتمع، أو بعلاقة أطراف المجتمع بعضها ببعض. وحتى اليوم لم يحدث أي تغيير مجتمعي أو دولتي ذي أثر ملموس فيها، في ظل استمرار الدولة وأجهزتها بوظائفها التحكمية الأبوية نفسها، وغياب دور فاعل لجمعيات وهيئات المجتمع المدني أو القوى المعارضة أو الرقابية أو أي قوى أخرى، باستثناء قوى النظام نفسه التي لا تزال متشبثة بأحادية الرؤية المجتمعية ولا تسمح لأي قوى مختلفة معها بالظهور. فحتى اليوم لم تصدر صحيفة معارضة، حزبية أو مستقلة على سبيل المثال، في مناطق سيطرة النظام.
يفترض الحدث السوري المهول أن تكون المصالحة مشروعاً طويل الأمد نظراً للكوارث الكبيرة التي أحاقت ليس بالبنى التحتية الاقتصادية والاجتماعية فقط، بل وبمجمل كيان الإنسان السوري النفسي والسياسي. كما يفترض أن يكون الحل المقدم تعبيراً عن استشعار الجهات المتنازعة أهمية الاتجاه في بناء السلام والتخلي عن العنف، سواء كان ذلك نتيجة سياقاتها الداخلية أو نتيجة ضغوط خارجية بعد الوصول إلى مأزق الانسداد. لكنه في الحالة السورية الراهنة يخلو من تلك الرغبة أقله لدى المسلحين المناوئين للنظام. كما يغيب عنصر التوافق الوطني العمومي تاركاً الفجوات بين الأطراف على حالها بعد تغطيتها بدثار البروباغندا الإعلامية الحكومية التي تسوق للحدث بوصفه إقراراً شعبياً بالخطيئة، وأن البيئات الحاضنة (كما سميت) قد عادت إلى رشدها مع ضرورة الحذر الواجب أخذه من إمكانية حدوث انهيار المصالحات هذه في أي لحظة، نظراً لانتفاء شروطها الموضوعية والذاتية كما حدث في مناطق عدة منها التل والمعضمية في أطراف دمشق.
ليست المصالحات الراهنة أيضاً توافقاً وطنياً بغاية تقريب وجهات النظر المختلفة بين الأفرقاء. بل تعيد الزعم بالتطابق التام بين الدولة وأجهزتها والمجتمع المنكوب فيها، وهي سمة لطالما ميزت الأنظمة الشمولية. فلا يوجد أساساً اختلاف جوهري في «تفسير ما جرى». وهذه تعاد دائماً إلى الواجهة بعد الحديث عن «المغرر بهم» و «المخدوعين» ومن «لم تتلطخ أيديهم بالدماء». ولا اعتراف حقيقي فاعل حتى الآن من قبل الدولة بتغاير واختلاف وتعددية المصالح المجتمعية واختلاف تمثيلها السياسي والثقافي عن منظومة الدولة التي لا تزال تعيد الأسطوانة نفسها.
من جهة ثانية، يُفترض أن المصالحات، بما هي عملية بناء للمستقبل، أن تكون قادرة على تجسير الهوة مع الماضي الثقيل بما يحتويه من إرث يتطلب تصحيح ما نتج عنه من أخطاء وانتهاكات وجرائم، لكي يحقق قطيعة نهائية صحيحة مع الحلول العنفية في معالجة تلك القضايا الكارثية. يقوم بذلك جيشٌ من الحكماء وذوي الحضور المتفق على نظافته وعدالته مجتمعياً، في كل مجتمع محلي.
إن ألفباء المصالحة في أي مجتمع هو المصارحة التي تعيد التواصل بين أبناء الوطن على اختلاف رؤاهم لما حصل ويحصل في البلاد، ومن الحديث العلني عن المشاكل والهموم والأهوال والغبن الذي طال الجميع. فلا يوجد اليوم في سوريا بيت ليس فيه شهيد أو فقيد أو مخطوف أو معتقل، ولا بد في قادم الأيام من نقل هذه الآلام ليتشارك بها الجميع من منطلق غسل القلوب التضامن والتعاطف والتشارك في المصيبة التي تصنع أقوى الروابط، ليس بين الضحايا فقط بل بين السوريين كافة. علما أن تجربة وزارة المصالحة الوطنية (أنشأت 2012) تشير إلى فقر واضح في فهم آليات التصالح في حد ذاته. فالوزارة تقوم بالعمل في مختلف المناطق السورية حاملةً على عاتقها ثلاثة ملفات ثقيلة، هي المفقودين (يقدر عددهم بحوالي 200 ألف) والمخطوفين (فوق 20 ألفاً) وثالثها ملف غامض الرقم هو ملف المعتقلين الذي تتشارك مع الجهات الأمنية والقضائية فيه، وحق الوصول إلى أي ملف لأي معتقل مرهون بالجهة الأمنية، حيث يقتصر دور الوزارة فقط على تحويل الأهالي المطالبين بأبنائهم المعتقلين إلى هذا الفرع أو ذاك أو إلى محكمة الإرهاب في دمشق.
نوعية هذه المصالحات، كما يتضح، مؤقتة، ولم يرتق إي منها إلى مستوى اللجان التي بحثت في مصالحات أكثر من ثلاثين بلداً حول العالم، خاصة ما يتعلق بالضحايا ومعاقبة الجناة وجبر الضرر والملاحقة القضائية والإصلاح المؤسساتي وحفظ الذاكرة، وهو ما لا يتوافر حتى الآن في أي مما يحدث في سوريا.
إن مشهدية الحرب السورية تشي باقترابها من النهايات العسكرية، وسيبدأ قطار المصالحات يجر وراءه المزيد من البلدات والقرى والمدن، وإذا كان ممكناً القبول حالياً بالحلول المؤقتة، فإنه من الضروري في لاحق الوقت أن يطرح عقلاء البلد المصالحة كأحد المشاريع التي لن يمكن بالمطلق بناء البلد بغير المرور في «فِلترها»، مبيناً على تشاركية مجتمعية تمنع عودة الدولة وأجهزتها إلى تغوّلها على مواطنيها المصابين بما يكفي من آلام وأثمان.

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات