بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> قرى الجولان السورية المدمرة  >> شهادات حية ... >>
من شهادة عمر الحاج خليل /قرية عين عيشة
  22/04/2012

 من شهادة عمر الحاج خليل /قرية عين عيشة


طفولتي في قريتي الواقعة في الجولان كانت ملتصقة بالطبيعة. أمضيناها في الكروم والبراري نطارد الحيوانات ونرعاها، ونعتني بالأرض ونزرعها. عرقنا ملح الأرض، ونحن والطبيعة متلاصقان. أنهيت المرحلة الابتدائية عام 1966 والتحقت بمدرسة أحمد مريود في القنيطرة. وأحمد مريود أحد أبطال الجولان، من قرية جباتا الخشب، استشهد في الثورة السورية الكبرى التي قادها سلطان باشا الأطرش سنة 1925.
نحن تركمان ولا وجود في قريتنا غير التركمان. أما في القرى المحيطة مثل الجويزة ففيها تركمان وشركس. وقرية الغسانية فيها شركس. وهناك قريتا بير عجم وبريقة جميع سكانها من الشركس. وفي الجولان 14 قرية يسكنها التركمان. نحن تركمان طبعاً، لكنني مواطن سوري أولاً وأخيراً، وإن كنا نتكلم التركمانية في منازلنا. نحن نعلم أطفالنا الصغار هذه اللغة التي لا أبجدية لها، أي أنها غير مكتوبة، وهي لا تختلف عن اللغة التركمانية في العراق أو في فلسطين.
تبعد قريتي عن خط الجبهة نحو 20 كيلومتراً، وأذكر الاشتباكات التي كانت تندلع شرقي بحيرة طبرية. كان المعتدي في جميع الحالات الجيش الإسرائيلي. وسبب الاعتداءات هو الطمع الإسرائيلي بمصادر المياه المتساقطة من نهري الحاصباني وبانياس اللذين يصبان في نهر الأردن، وبالأراضي الزراعية الخصبة في منطقتي الحمّة والبطيحة. فهذه المنطقة تنخفض عن سطح البحر، فهي غور دافئ ينتج الخضروات في الشتاء من دون الحاجة إلى البيوت البلاستيكية.
أذكر بحيرة طبرية جيداً وإن كنت لم أذهب إليها إلا مرة واحدة فقط. لم أسبح فيها، لكنني سبحت في الحمّة. الصيادون السوريون كانوا يصطادون في مياه البحيرة، وزوارقنا ترسو على شاطئ البحيرة. لم يكن الصيادون السوريون يتوغلون في البحيرة كثيراً لكنهم كانوا يبحرون في الجهة الشرقية منها. ودائماً كانت الزوارق الإسرائيلية تتعرض لهم وتبعدهم عن عمق المياه نحو الشاطئ الشرقي.
امتلك والدي أراضي مساحتها نحو 600 دونم موزعة على عدة مناطق في الجولان. ولدينا أوراق رسمية مسجلة بحسب الأصول، وبعضها مسجل في زمن الدولة العثمانية.
بدأت الحرب في 5/6/1967. وأذكر أننا شاهدنا أربع طائرات سورية من طراز «ميغ 17» تمر فوق القرية باتجاه فلسطين. عادت طائرتان منها فقط. هذه كانت أولى إشارات الحرب. ثم اشتعلت المعارك بالدبابات والمدفعية وبدأت القذائف تتساقط علينا. في هذه الحال انتشر الجنود السوريون في أحراج القرية للاختباء من الطائرات الإسرائيلية. لكن هذه الطائرات لم تميز الجنود من المدنيين وبدأت تقصف القرية وأحراجها. عند ذلك شرعت الوحدات العسكرية السورية في مغادرة المنطقة حتى لا يتأذى المدنيون، وابتعدت عن القرية.
في جوارنا كان ثمة قرية تدعى «الجويزة»، وهي قرية يسكنها التركمان. وفي اليوم الرابع من الحرب بينما كان ثلاثة شبان من أقربائنا التركمان قادمين إلى قريتنا أطلقت عليهم القوات الإسرائيلية النار، فقتلت اثنين منهم وجرحت الثالث. نحن شاهدنا جزءاً من الحرب بالعين المجردة. بقينا ستة أيام في القرية بعد دخول الجيش الإسرائيلي إليها. بعضنا كان يفكر بالبقاء ويرغب فيه. لكن ما حصل في بعض القرى مثل قرية المنصورة الشركسية، حينما جمع الجيش الإسرائيلي عدداً من الشبان وأطلق النار عليهم، جعل الكثيرين يترددون في البقاء. وفي اليوم التالي اتفق الجميع على النزوح باتجاه المناطق التي لم تخضع للاحتلال.
الشركس تكاتفوا وساعد بعضهم بعضاً ولديهم جمعيات خيرية، وكانت وطأة النزوح عليهم غير قاسية. بينما نحن التركمان لم نتمكن من الاتفاق على إقامة أي نوع من أنواع العمل الاجتماعي. لهذا ظلت أحوالنا سيئة. مع العلم أن 70% من التركمان يسكنون في منطقة القدم ونحو 20% منهم في الحجر الأسود، و10% في مخيم فلسطين، أي أننا لم نتشتت كمجموعة تركمانية.
العيش قريباً من مدينة دمشق غيّر الكثير من عاداتنا. فصرنا نتزوج من القوميات الأخرى ونتزوج عربيات وشاميات وغيرهن. فالانغلاق الذي كان موجوداً في الجولان، ما عاد موجوداً هنا. غيّر أن شبابنا لا يهاجرون إلى الخارج ولا حتى إلى تركيا.
قريتنا، عين عيشة، مدمرة. وفي حال عودة الجولان إلى السيادة السورية، سنعود بالتأكيد. وما يقلقنا أن الجيل الجديد الذي وُلد في دمشق لا يرغب في العودة إلى الجولان والإقامة هناك بصورة دائمة. إنه يرغب في جعل القرية مجرد مصيف يزوره في الصيف فقط.
 ـ عمر الحاج خليل معلم مدرسة، من قرية عين عيشة.

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات