بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >>  اخبار  >> عين على الوطن  >> قضايا سورية >>
داعل.. «أم الشهداء» من حرب تشرين إلى أيام الحرّية
  30/10/2012

داعل.. «أم الشهداء» من حرب تشرين إلى أيام الحرّية

معتصم الديري
30/10/2012


«داعل» آرامية الاسم «دائيل» وتعني بيت الله. سوريّة الثورة والكرامة، وتعني هنا: «أم الشهداء».
مدينة يصل لطرفها الغربي وادي الغار. لها جسر حجري قديم، ويسكنها 40 ألف نسمة. هي أم الشهداء، أم الفداء، وأم الشعراء. لكنها لا تكترث للأسماء.
سمّاها الجنوب أم الشهداء حين قدمت العشرات منهم قبل حرب تشرين، يوم قصفها سلاح الجو الإسرائيلي، لاحتضانها المقاومة الفلسطينية.
وقتها لم يكن في المدينة مكتب إعلامي ليقدر عدد الشهداء، ولكن المدينة تحفظهم عن ظهر قلب. كانوا بالعشرات.
اليوم صاروا بالمئات.
سيدة الانتفاضات
شمال درعا، وقفت داعل تضجّ بالحرية في أول اعتصام صامت في سوريا في الخامس عشر من آذار من العام الماضي، حيث تجمع شبابها أمام فرع لحزب «البعث»، ليبدأوا ثورتهم عصر ذاك اليوم، مع خوف قليل كما يقول «رجل البث الأول في كل حوران» الناشط الجامعي ضياء: «جئنا من مختلف جهات المدينة، مع خوف بدء ينزح عنا كلما اقتربنا من المبنى. وقفنا صامتين إلى أن غابت الشمس، كان يعنينا أن نقول لا لنظام استهان بالشباب السوري، حتى انه نسيه تماماً، ونسي أننا كنا نرقص في الطرق الضيقة كلما سقط زميل له. خرجنا أمام فرع حزب «البعث» بالتحديد، لنريه أننا حين كنا أطفالا ونوقع على استمارة انتساب لهذا الحزب لم نكن نحبه، بل كنا نضحك على أشكال تواقيع أصدقائنا الصغار».
بين عصر ذاك اليوم وظهيرة اليوم التالي، كانت المدينة تذهب للثورة مثل سر ينفضح في ابتسامات الذين ذهبوا خفية إلى ذاك الاعتصام. استيقظت أم الشهداء لتزيح عن وجهها تمثالا للرئيس السابق حافظ الأسد. يبتسم شاب تحب داعل قامته الطويلة. يقول اسماعيل «مصور المدينة»: أفخر أن لي يدين شاركتا في هز الحكاية في مدينتي. لم أستغرب في اليوم الثاني الفراغ الذي تركه التمثال، بل كم أن السماء واسعة! وكم فعل مضارع نملك بداخلنا من دون أن ندري!».
أما علاء، المتحدث باسم المدينة وأول المطلوبين فيها فيقول: «رغم كل ذاك الفرح الغريب، وتلك النشوة، شعرت بأننا دخلنا مرحلة لا رجوع فيها. تشعر ببعض الأحيان بخوف منطقي، ولكن هذا الخوف كان ضرورياً لمعرفة الحسابات التي سنمشي وفقها، ومقدار التضحية التي نستعد لتقديمها».
أطنان من الحديد
بتسلسل غير مفهوم، كانت تجزأ درعا إلى مستعمرات صغيرة. مدينة تلو الأخرى تصبح منكوبة، بلا خبز ولا ماء ولا كهرباء ولا اتصالات، حتى تحط الدبابة رحالها.
بعد نحو شهرين على تلك الحادثة، استيقظ من نام من أهل داعل على صوت لا يشبه شيئا سواه: «دبدبة الدبابة». دام الصوت ساعات كثيرة. كان يرتفع عالياً مع صوت القصف، فتنخفض المدينة على من فيها. سقط حينها 4 شهداء.
يتذكر اسماعيل جيداً مشهد الدبابة على الجسر القديم، كأنها وجبة طعام: «كان متوقعا دخول المدينة، لكنك تصاب بالصدمة، وتظل تحفظ كل تلك المشاهد للأبد: جنود مضحكون، خوذات كثيرة، انفجارات غريبة، ودبابة أيضاً. أتستحق هذه الحناجر الجديدة كل تلك الأطنان من الحديد! هذا كل ما سألته. شتمتهم وصورتهم ثم مضيت»، يضيف.
تلك الدبابات لم تأت إلى داعل ليصورها اسماعيل فقط. هي تجلس فيها لتخنقها وتقتل ما تمكن لها من أحرارها. في الأسابيع التالية، كانت الدبابات تدك أم الشهداء من كل الجهات. لم ترحم الجغرافيا تاريخ المدينة الذي يضج بالحضارة. كأن النظام أراد أن ينتقم من ثورة أهلها، من أول تاريخها إلى آخر شهيد فيها. «استخدم في قتلها كل شيء، حتى براميل الـ«تي.أن.تي»، يقول ضياء.
صوت أعلى
سهل أن يمسح النظام مدينة عن وجه سوريا، وهذا ما يحصل يومياً في درعا.
«انتهوا من مدينة الحراك، ليأتوا بذات المعدات والخطط، ولنستيقظ ذات يوم كأننا لم نكن. السماء ليست لنا في درعا، سننتظر حتى يدخلوا براً لتصبح المجزرة كاملة. أموت أنا أو يموت الجميع أو يموت النظام.. لنا الأرض والمدينة والله، ولكم أنتم طيرانكم وسلاحكم.
قد نخسر يوماً، لكن على دول الخطابات والتأييد لثورتنا، على الأعداء والأصدقاء أن يخافوا منا، فقد نخرج عن كل شي، لنعلمهم درساً في الضمير..».
لا تستدير المدينة أثناء خروجنا منها. تودعنا في الطرق الضيقة، بينما ينهي ضياء حديثه: «سنحاول أن نعمر أكثر، سنحاول أن نشيع شهيد اليوم بصوت أعلى.. ولكن لو أن هذا الكون يحاول أن يستدير لنا فقط».

(دمشق)

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات