بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >>  قضايا عربية >>
الحياة في حوار مع جورج حبش
  28/01/2008

 

قصة ولادة «حركة القوميين العرب»

جورج حبش: خطف الطائرات كان ضروريا

 و«فتح» حاولت الاستيلاء عليها ... تعذر تحويل بيروت ستالينغراد ثانية فتبلور قرار الخروج وشاركت فيه
لندن - غسان شربل الحياة - 28/01/08/
/

كان ذلك في العام 1995. سألت الدكتور جورج حبش، في منزله في دمشق، عن إمكان عودته الى مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية بعدما سبقه إليها الرئيس ياسر عرفات وآخرون إثر توقيع اتفاق اوسلو في 1993. وجاء رده صريحاً واضحاً: «أنا لا أستطيع المرور عبر معبر يرفع العلم الاسرائيلي. لا أستطيع قبول أي عودة مشروطة. مثل هذه العودة تخالف قناعاتي وتفوق قدرتي على الاحتمال». شعرت يومها ان الأمين العام لـ «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» سيموت في المنفى بعيداً عن الضفة الغربية وغزة وبعيداً عن اللدّ التي ولد فيها قبل 82 عاماً.
خشيت في تلك الأيام ان يغدر القدر بالرجل قبل ان يروي قصته وتجربته. وهي قصة مهمة وخطيرة ومثيرة على امتداد عقود من عمر المنطقة والعالم. زرته محاولاً استدراجه الى سلسلة «يتذكر». وكانت المهمة شاقة. فهذا القائد الفلسطيني لا ينتمي الى مدرسة البارعين في تلميع أدوارهم أو تسويق حكاياتهم. وأوضاعه الصحية لا تساعد على جلسات طويلة تفتح باب الاسترسال واستعادة المحطات ببريقها وخيباتها. وفي النهاية تفهم دوافع الإصرار والإلحاح وكانت الثمرة أربع حلقات نشرت في مجلة «الوسط» بدءاً من 30 تشرين الأول (اكتوبر).
حبش وياسر عرفات وأبو إياد وأبو جهاد وأبو ماهر اليماني في مهرجان في بيروت في ذكرى انطلاقة حركة «فتح». (الحياة)
كانت الصفحة الأولى من «الحياة» في طريقها الى المطبعة حين بلغنا نبأ رحيل «حكيم الثورة» الذي أمضى سنواته الأخيرة في عمان، فسجلنا خبر رحيله. ووجدنا البارحة ان خير تحية نوجهها الى هذا القائد الفلسطيني هو ان نعيد نشر مقاطع محدودة من حديثه الطويل تسلط الضوء على بعض المحطات.
كان حبش لاعباً بارزاً على المسرح الفلسطيني. وكان لاعباً بارزاً على المسرح العربي ايضاً. أما على الصعيد الدولي فقد تحول في نظر جهات غربية كثيرة «إرهابياً» و «مطلوباً».
وهنا بعض ما دار في الحوار:
ما هي قصة خطف الطائرات الغربية وإنزالها في «مطار الثورة» في الأراضي الاردنية؟

- عملية خطف الطائرات الغربية الى الاردن كانت عملية ضرورية جداً بالنسبة الينا، واستغرقت عمليات الإعداد لها حوالي ستة اشهر، كان هدفها الوحيد - وأرجو ان يكون ذلك واضحاً للجميع - هو مقايضة الرهائن الاسرائيليين بالافراج عن المعتقلين في سجون العدو، ولم يكن هذا العمل موجهاً ضد السلطة الاردنية أو غيرها من الحكومات الاوروبية، اثناء عملية التخطيط كان يهمنا ان تهبط الطائرات في مكان آمن نستطيع الدفاع عنه، وفي الوقت نفسه ان يكون هذا المكان صالحاً لهبوط الطائرات، اذ بالطبع لا يمكن ان ننزل الطائرات في المطارات الحكومية سواء العسكرية او المدنية، وكان المخطط ان نخطف ثلاث طائرات، طائرة اسرائيلية، وطائرة اميركية، وطائرة سويسرية، وبالفعل وصلت ثلاث طائرات الى المطار ولكن لم تكن بينها الطائرة الاسرائيلية، لأنه عندما خطفت الطائرة الاسرائيلية من مطار امستردام، وقع اشتباك داخل الطائرة التي خطفتها الرفيقة ليلى خالد ورفيق من الاورغواي استشهد اثناء الاشتباك، فيما قبضت الشرطة البريطانية على الرفيقة ليلى خالد، وقد وصلت في البداية الطائرة السويسرية ثم الاميركية، وبعد مرور 18 ساعة وصلت طائرة ثالثة تطلب النزول وقد التقطنا طلبها عبر اجهزة الطائرات الجاثمة في منطقة صحراوية كان يطلق عليها اسم «قيعان خنا»، وهي منطقة منخفضة ذات تربة صلبة تتحمل هبوط الطائرات، واختير المكان بعدما استشرنا احد المهندسين المتخصصين في هذه المسألة، والطائرة الثالثة كانت بريطانية قادمة من أبوظبي وعلى متنها أحد رفاقنا يطلب اتخاذ الاجراءات اللازمة لنزول الطائرة، كان ذلك يوم 6/9/1970، اي قبل حدوث الاشتباكات الدامية مع الحكومة الاردنية.
 كيف تصرفتم مع ركاب الطائرات؟
- في البداية أطلقنا النساء والاطفال والمسنين وأوصلناهم الى عمان ومن هناك نقلتهم طائرات الى بلدانهم. وبعد ذلك قمنا بعملية فرز لبقية الركاب فأطلقنا بعض الركاب من بعض الجنسيات التي تتخذ حكوماتها موقفاً معادياً لقضيتنا، والباقون كانوا مواطنين يحملون جنسيات مزدوجة. بعد الفرز والتدقيق تبين ان هناك اسرائيليين على الطائرات (لكنهم كانوا يحملون جنسيات مزدوجة)، وقد عرفنا ذلك عندما اكتشف احد الرفاق مجموعة من جوازات السفر الاسرائيلية ملقاة في سلة المهملات. كان عددهم 51 اسرائيلياً وكانوا في الطائرات التي أتت من اوروبا، أما الطائرة التي أتت من أبوظبي فكانت تقل بعض الجنود الاميركيين القادمين من الفيليبين وتايلاند وكوريا. وقررنا بعد ذلك الاحتفاظ بالاسرائيليين في منطقة بعيدة عن مكان وجود الطائرات. في هذه الاثناء وصل الينا مبعوث من وزير الدفاع العراقي صالح مهدي عماش، حاملاً برقية منه تطالبنا بإطلاق سراح الرهائن، بالطبع نحن لم نستجب طلبه، وطلبنا من اللجنة الدولية للصليب الاحمر التدخل من اجل اطلاق المعتقلين الفلسطينيين في السجون الاسرائيلية، كما أرسل أبو عمار وفوداً سياسية ضم أحدها حامد ابو ستة عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، طالباً اطلاق الطائرات والرهائن لأن المنظمة بدأت تتعرض لضغوط سياسية كبيرة. كما ارسلت «فتح» مجموعات مسلحة تحت ستار زيارة الطائرات (لأننا كنا سمحنا للمواطنين بزيارة الطائرات في أوقات محددة) وقد حاولت احدى هذه المجموعات الاستيلاء على الطائرات من الداخل، لذلك منعنا اي شخص مسلح من الصعود اليها.
 كم يوماً استمرت عملية خطف الطائرات؟
- احتجزنا الرهائن والطائرات الى 13/9/1970 اي لمدة اسبوع بعدما اتخذنا قراراً بنسف الطائرات، ونقل الرهائن الى عمان لاستكمال الاتصالات والمفاوضات مع الجهات الدولية المعنية، ويوم 16 ايلول (سبتمبر) اندلعت المعارك مع الحكومة الاردنية فكانت عملية حماية الرهائن تزداد صعوبة يوماً بعد يوم. في هذه الاثناء اتصلت بنا السفارة المصرية في عمان وقالت ان الرئيس جمال عبدالناصر يتمنى عليكم إنهاء موضوع الرهائن، على ان تتولى الحكومة المصرية عمليات نقلهم، ومتابعة المطالب التي اعلناها. وافقنا على طلب الحكومة المصرية لأن قضية الرهائن لم تعد تحتل مكاناً مهماً بالقياس الى ما هو حاصل من معارك ومجازر ولأن مصير الثورة ووجودنا أهم بكثير من الرهائن وهكذا أنهيت العملية من دون ان تحقق الهدف الاساسي منها وهو اطلاق المعتقلين في سجون الاحتلال.
هل كان لوديع حداد دور في هذه العملية؟
- بالطبع كان لوديع حداد دور اساسي فهو كان المشرف الأول على العمليات الخاصة، لكن تنفيذ العملية تم بقرار سياسي من الجبهة. في المناسبة كان وديع حداد موجوداً في منطقة خطف الطائرات لكنه غادر المكان قبل أيلول بأيام معدودة الى مكان آخر وتسلم الرهائن عقيد مصري اسمه ابراهيم الدخاخنة (سامي).
خلاف مع وديع حداد
 ألا تعتقد ان عمليات خطف الطائرات أضرت بالقضية الفلسطينية ورسمت لكم صورة ارهابية في العقل الغربي؟

- الهدف الأساسي من خطف الطائرات هو محاولتنا إبراز القضية الفلسطينية لدى الرأي العام الغربي، لأن القضية الفلسطينية، خلال فترة ليست بالقصيرة، لم تكن واردة او معروفة بشكل واضح للغرب عموماً، وذلك بحكم سيطرة الحركة الصهيونية على وسائل الاعلام الغربية. وكان لا بد من كسر هذا الاحتكار عبر لفت الانظار الى القضية الفلسطينية. وهذا موضوع قديم أذكر ان بعض اساتذتنا في الجامعة الاميركية لفتوا انتباهنا اليه وطالبونا بعمل شيء لتنبيه الرأي العام الغربي، خصوصاً داخل الولايات المتحدة الاميركية. وفكّرنا نحن في أشياء كثيرة وكان من ضمنها موضوع خطف الطائرات. كنا مدركين منذ البداية ان عمليات خطف الطائرات لا تشكل عنوان مواجهة مع اسرائيل وأداة ضغط على الغرب بل وسيلة إبراز القضية الفلسطينية، لذلك عندما استنفدت هذه الوسائل أغراضها وأدت وظيفتها، قررنا وقف هذا النمط من العمليات. وكان هذا القرار الذي اتخذ في المؤتمر الوطني الثالث للجبهة موضع خلاف مع رفيقنا وديع حداد الذي استمر في هذا النهج بعد ذلك.
 هل يمكن ان نسأل كيف اقتحم جورج حبش عالم السياسة ومعترك النضال؟ ومن أين كانت البدايات؟
- حتى اكون صادقاً معك ومع نفسي فانني قبل نكبة العام 1948 كنت أعيش حياة عادية جداً، ولم تكن السياسة تشكل لي هاجساً خاصاً اذ لم اكن منخرطاً في اي تنظيم سياسي. وكنت قبل النكبة أقوم بدوري بحدود دور اي انسان وطني عادي، يحس ويعيش الاضطهاد الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني على يد قوات الاحتلال البريطاني والعصابات الصهيونية من قتل وتدمير واستيلاء على الأرض. وحتى تاريخ النكبة لم أقم بأي دور مميز على صعيد العمل النضالي. ومع حدوث النكبة بدأ التحول الحاد في حياتي باتجاه العمل الوطني والقومي. هذه هي البداية وتلك كانت البوابة التي دخلت منها معترك السياسة. تم ذلك كله تحت ضغط الاجواء العامة التي ولدتها النكبة وتشريد الشعب الفلسطيني وهزيمة الجيوش العربية، فالاجواء التي كانت سائدة في الوطن العربي عموماً وفي فلسطين ولبنان خصوصاً كانت تدفع بكل انسان حر الى ضرورة التفكير في الرد على النكبة. حينها كنت لا أزال طالباً في الجامعة الاميركية في بيروت حيث كان الجو العام في لبنان كله وفي الجامعة الاميركية خصوصاً وداخل المدارس، مشحوناً جداً وأكثر مما نتصور. في هذه المرحلة التحقت بجمعية «العروة الوثقى»، وكانت هذه الجمعية ذات نشاط قومي فعّال على الصعيد الاعلامي والثقافي، خصوصاً على صعيد الندوات العامة التي كان يحاضر فيها كثير من المفكرين والأدباء العرب حيث تركز النقاش في تلك الفترة، سواء داخل أروقة الجمعية او خارجها، على اسباب هزيمة الجيوش العربية وكيفية ضياع فلسطين والسبيل الى استردادها. وأعتقد بأن أهم الاجابات وأكثرها موضوعية وعلمية قدمها الدكتور قسطنطين زريق في كتابه الشهير تحت عنوان «معنى النكبة»، وكذلك الكتاب الذي أصدره ساطع الحصري وتناول فيه اسباب هزيمة الجيوش العربية السبعة أمام العصابات الصهيونية. والتي يمكن تكثيفها بالخلاصة الآتية: ان تفتت العرب وانقسامهم، وغياب وحدتهم كانت العامل الرئيسي وراء خسارتهم المعركة امام العدو. وقد تعرفت الى ندوات الجمعية الى الأخ الكبير المرحوم كمال جنبلاط، كما تعرفت الى شاعرنا العظيم عمر ابو ريشة الذي ألقى في احدى ندوات الجمعية قصيدة عصماء ألهبت مشاعر الحضور. وفي هذه الفترة كان يدور حوار فعّال داخل اسوار الجامعة بين الاتجاه القومي والاتجاه الشيوعي. وكان الخلاف يتركز على شرعية قرار تقسيم فلسطين والاعتراف به، حيث كان الشيوعيون يدافعون عن قرار التقسيم نظراً الى موقف الاتحاد السوفياتي المؤيد للقرار. وكنا نرى في موقف الشيوعيين تبعية مطلقة للاتحاد السوفياتي. كذلك كانت الانتخابات داخل الجمعية تدور بين الاتجاه القومي - ومن ضمنه البعثيون - والتيار الشيوعي، وكان الرأي العام يميل الى مصلحة القوميين، وبالتالي فإن نتيجة الانتخابات كانت لمصلحة التيار القومي، وقد ترشحت كنائب لرئيس الجمعية وفزت. وفي العام التالي ترشحت لمنصب رئيس الجمعية وفزت به.
 في أي عام خضت الانتخابات للمرة الأولى؟
- خضت الانتخابات للمرة الأولى سنة 1949، وكذلك في الأعوام 50 و51 ولم يكن نشاطنا مقتصراً على الجامعة بل تعدى اسوارها الى المحيط، وبالذات في المخيمات الفلسطينية في لبنان حيث كانت الاجواء السياسية مشحونة والناس تريد فعل اي شيء للرد على الهزيمة. وباشرنا الاتصال بالناس. ومن خلال هذه الزيارات التي كنت أقوم بها أنا والشهيد وديع حداد تعرفنا الى الرفيق أبو ماهر اليماني، والرفيق المرحوم أبو عدنان قيس (عضو المكتب السياسي للجبهة الديموقراطية لاحقا). بعد ذلك بدأنا بإجراء اتصالات مع القوى السياسية السائدة آنذاك، ولا سيما منها حزب «النداء القومي» وكذلك مع حزب «البعث» الذي كانت تربطنا به علاقات جيدة. جملة هذه الاتصالات طرحت علينا جميعاً السؤال التاريخي الكبير «ما العمل؟» وماذا علينا ان نفعل من أجل فلسطين؟ اتصلنا بحزب البعث وعقدنا حوارات جدية مع الرفاق البعثيين ومن بينهم ميشيل عفلق، وهم رفاق موضع احترام وتقدير، الا ان محصلة الحوارات والنقاشات أظهرت ان هناك خلافات تمحورت حول قضيتين جذريتين: أولى هذه القضايا مركزية القضية الفلسطينية، وضرورة التركيز على فلسطين باعتبارها القضية المركزية ومحوراً للنضال القومي، فيما كان حزب البعث يركز على قضايا التحرر الوطني، من دون ان يعني ذلك ان البعث لم يكن يأخذ القضية الفلسطينية في الاعتبار بل كان يدرجها في جدول مهماته، لكنها لم تكن تحظى بالأولوية. وثاني هذه القضايا التي كانت مثار خلاف مع البعثيين، موضوع الاشتراكية التي شكلت ركيزة اساسية في نضال البعث، حيث كنا نرى ان طرح هذه القضايا لا يزال مبكراً، وأن التركيز على القضايا القومية يجب ان يأخذ المكانة الرئيسية بعد القضية الفلسطينية.\
 في تلك المرحلة كانت حركة «الاخوان المسلمين» احدى القوى الرئيسية الفاعلة في المجتمع العربي عموماً وفي مصر خصوصاً، ما هي نظرتكم الى هذه الحركة في تلك الفترة؟ وهل كانت بينكم وبينها اي حوارات، سواء في لبنان أم في الأردن؟
- في لبنان لم يكن بيننا وبين حركة الاخوان المسلمين اي حوار او نقاش، اما في الأردن فكانت العلاقات بيننا في تلك الفترة علاقات عدائية، لأن موضوع التحرر الوطني كان طاغياً على كل الساحات العربية ومن ضمنها الأردن، والحركة لها موقف، والاخوان لهم موقف آخر مغاير بحكم طبيعة علاقاتهم وتحالفاتهم. اما في مصر، فلم يكن لنا وجود في مرحلة التأسيس، وبعد ذلك كانت العلاقة مع عبدالناصر والصراع بين عبدالناصر والاخوان هما اللذان يحكمان العلاقة بيننا.
نواة حركة «القوميين العرب»
 في المرحلة التي شهدت الحوار والخلاف مع البعث هل كانت حركة القوميين العرب قد شكلت؟

- في هذه المرحلة شكلنا نواة حركة «القوميين العرب». شكلت من ثمانية اشخاص أذكر منهم: وديع حداد وهاني الهندي وأحمد الخطيب وأنا، أما الاسماء الأربعة الاخرى فأعتقد انهم يفضلون عدم ذكر اسمائهم في هذه المرحلة. شكلنا هذه النواة وقررنا تالياً تأسيس التنظيم. حينها تساءلنا في البداية: ما هي شعارات هذا التنظيم، وكان الجواب: «وحدة، تحرر، ثأر». وكان شعار الثأر يشير بشكل اساسي الى عملية تحرير فلسطين. وبعدما بلورنا شعاراتنا التي كانت تعكس مضمون برنامجنا السياسي، برزت حركة جدل في اوساط الاطار المحيط بحركة القوميين العرب، تكثفت بالسؤال الآتي: لماذا لا نلتحق بحزب البعث؟ وفي ضوء ذلك التحق فريق من المحيط المتعاطف مع الحركة بحزب البعث، فيما بقي فريق آخر ملتحماً مع الحركة. وهنا أود لفت النظر الى مسألة في غاية الاهمية، وكانت تشكل لنا في حركة القوميين العرب ركيزة اساسية في رؤيتنا البرنامجية، وهي اننا كنا نرى في التلازم الجدلي بين تحرير فلسطين والوحدة العربية بعداً مهماً وضرورياً لا غنى عنه، لأننا كنا نرى في المشروع الصهيوني المندفع، مشروعاً استعمارياً توسعياً، يستهدف عموم المنطقة العربية والأمة العربية، وليس فلسطين فقط، وبالتالي ان مواجهة هذا المشروع يجب ان تتم من خلال مشروع قومي عربي يتجسد من خلال الوحدة العربية. ويكون في رأس جدول أعماله تحرير فلسطين باعتبارها جوهر الصراع وقضية العرب المركزية. ومن هنا كنا نشدد على قومية الصراع وقومية المعركة وقومية تحرير فلسطين. لكن البعث كان بعيداً نسبياً عن هذا الفهم الواضح. وأجزم بالقول ان تأكيدنا عملية الربط بين الوحدة العربية وتحرير فلسطين شكلت الأساس الذي خلّف امتدادات جماهيرية كبيرة وواسعة من حولنا، أوصلتنا بعد خمس او ست سنوات الى ان نكون احدى قوى حركات التحرر الرئيسية في المنطقة العربية.
 عندما توضحت اتجاهاتكم القومية، بأي المفكرين كنتم متأثرين؟
- من أبرز المفكرين القوميين الذين تأثرنا بهم قسطنطين زريق، وساطع الحصري.
 هل تأثرتم بفكر ميشيل عفلق؟
- كنت أحب ميشيل عفلق وأقرأ كتاباته، لكنني كنت أتساءل: لماذا يغيب عن فكر ميشيل عفلق، وهو الكاتب والمفكر اللامع، قضية الكفاح المسلح لاسترداد فلسطين؟ اضافة الى اني لم أكن مقتنعاً في تلك الفترة بضرورة طرح شعار الاشتراكية، هذا الشعار الذي تبنته الحركة لاحقاً، اذ أصبح شعار حركة القوميين العرب «وحدة، تحرر، اشتراكية، استرداد فلسطين». أنا اعتبر ان تطور شعارات الحركة بهذا الاتجاه كان يعبر عن المسار الطبيعي لآلية هذا التطور.
الا تعتقد بأن إدخال شعار الاشتراكية أتى لتقوية عمليات المنافسة والصراع مع حزب البعث والشيوعيين؟
- لا لم يكن الهدف من تبني الاشتراكية منافسة الشيوعيين او البعثيين وإنما كان نتاجاً طبيعياً لتطور فكرنا. كذلك لعبت الاجراءات الاقتصادية التي اتخذها عبدالناصر في مصر على صعيد عمليات التأميم وإعادة توزيع الملكية الزراعية عاملاً اساسياً في تبنينا شعار الاشتراكية الذي تبنته «ثورة يوليو» لاحقاً.
 عندما نضجت حال وعيكم السياسي والفكري في بداية الخمسينات هل فكرتم في الانتقال من اطار العمل في اوساط الجامعة الى الاطار الجماهيري الأوسع؟
- نعم فكرنا في ذلك جيداً، وهنا برز سؤال مهم: هل نستطيع ان نأخذ على عاتقنا موضوع تشكيل حزب سياسي؟ كان جوابنا: اذا شعرنا بأن الشعارات التي نطرحها، خصوصاً في ما يتعلق بالكفاح والتمايز ستكون موضع تطبيق ونكون قادرين على تجسيدها وتمثيلها، حينها يكون جوابنا: نعم نحن قادرون على تشكيل حزب سياسي متميز. من هنا كانت مرحلة الأردن أول ساحة اختبار لقوتنا وسلامة شعاراتنا، وبالتالي مقدرتنا على بناء حزب وتنظيم جماهيري واسع.
العيادة - «القيادة»
 عمان الخمسينات كانت المحطة الأهم في تاريخك وتاريخ حركة القوميين العرب، كانت العيادة وكان وديع حداد وكان الاختفاء، والأهم كانت تجربة بناء حركة القوميين العرب، كيف تنظر الى هذه التجربة اليوم وأهم المحطات فيها
؟
- بعد انتقالي الى عمان بستة أشهر عاد الرفيق وديع حداد الى عمان، وكنت تخرجت قبله بسنة. حينها قرر والدي ان يفتح لي عيادة في عمان، وكان والدي انساناً ميسور الحال يحبني كثيراً وأطلق لاحقاً على العيادة اسم «القيادة» لأنها كانت بمثابة غرفة عمليات لقيادة العمل الشعبي والجماهيري في الأردن. وهذه العيادة كانت تقع في شارع الملك طلال وقد بدأت العمل أنا والدكتور وديع حداد في العيادة بأجور رمزية جداً كنا نوظفها لسد بعض مصروفات الحركة. وفي تلك المرحلة كان الدكتور أحمد الخطيب عاد الى الكويت. وكان يتقاضى راتباً مقداره مئة دينار كويتي يحول منها تسعين ديناراً شهرياً كمصروفات للحركة. بدأت أنا والرفيق وديع بالدخول الى عمق العمل الجماهيري، خصوصاً وديع الذي كان دائم الحركة والفاعلية في الأوساط الشعبية، خصوصاً داخل المخيمات، حيث افتتحنا دورات محو أمية، وكذلك مستوصفاً لعلاج الجماهير. والجميع يعرف حالة الفقر التي كانت تئن تحته جماهيرنا في الأردن في ذلك الزمن. وكان لنا خط بناء آخر مواز للخط الجماهيري، يتمثل في بناء صلات مع الكثير من الشخصيات الوطنية في الأردن، وبالذات فئة البرجوازية الوطنية التي كان لنا بها صلات منذ أيام الجامعة الأميركية. وكان هذا بطبيعة الحال يعبر عن انفتاحنا على جميع فئات الشعب الوطنية. وعند اعادة قراءة تجربتنا في الأردن أستطيع القول بأمانة بأننا تمكنا خلال ثلاث سنوات من العمل الدؤوب والجاد، ان نوازي في قوتنا أحزاباً عريقة كحزب البعث، والحزب الشيوعي، وأصبحت حركة القوميين العرب احدى القوى الرئيسية العاملة في الأردن. خلال هذه الفترة أصدرنا صحيفة اسبوعية باسم جريدة «الرأي» التي رأس تحريرها الدكتور أحمد الطوالبه. ولعبت هذه الصحيفة دوراً مهماً جداً في التحريض على ضرورة تعريب الجيش الأردني، وطرد غلوب باشا الانكليزي رئيس هيئة أركان الجيش الأردني آنذاك. وأدى هذا بدوره الى قيام الحكومة بوقف الصحيفة.
في تلك الفترة كانت سورية تشهد حالاً من الانفراج والليبيرالية، فأصدرنا الصحيفة من سورية، وكنا نوزعها في الأردن الى ان جرت تحولات محدودة في عمان في العام 1956 في عهد حكومة سليمان النابلسي تجسدت بانفراجات سياسية على الصعيد الوطني العام. حينها عدت الى الأردن بشكل طبيعي. وفي تلك الفترة جرت انتخابات نيابية عامة وخضنا الانتخابات بكتلة من أربعة مرشحين، ولم يحالفني الحظ في النجاح إلا اننا في حركة القوميين العرب اعتبرنا ان الأصوات التي حصلنا عليها جيدة (مع الأخذ في الاعتبار انني كنت حينها شاباً صغيراً وفي بداية تجربتي النضالية والسياسية) وانجاز معقول لحركة سياسية فتية كحركة القوميين العرب. هذا أولاً، وثانياً كنا نرغب في قياس مدى عمق صلاتنا بالناس والشعبية التي نتمتع بها. وبعد الانتخابات بعام تقريباً دخل عامل مهم أثر في طبيعة الحركة، وتمثل هذا العامل بانقلاب النظام في الأردن على حكومة سليمان النابلسي الوطنية عام 1957. وكان لهذا الانقلاب تأثير كبير علينا، لكنه أفرز تجربة مهمة، اذ اعتقل الرفيق وديع حداد، وقررت أنا الاختفاء داخل الأردن لإعادة بناء الحركة ومواجهة المرحلة المقبلة التي كانت تتسم بالتسلط والقمع والملاحقة وكذلك البدء بممارسة الكفاح المسلح ضد العدو الصهيوني. وكنت أثناء اختفائي أقود العمل اليومي والسياسي داخل الأردن وفلسطين بشكل رئيسي. وبقيت على هذا الحال الى ما بعد قيام الوحدة بين مصر وسورية اذ غادرت الأردن الى سورية في كانون الثاني (يناير) عام 1959.
 هل كانت بنى حركة القوميين في الأقطار الأخرى ناضجة؟
- ليس في كل الأقطار العربية، ففي لبنان أكملت الحركة نضجها نسبياً، وأصبحت تنظيماً هرمياً من القيادة الى القاعدة. وكان من أبرز الشباب النشطين في تلك الفترة محسن ابراهيم، وشاب آخر على قدر كبير من الأهمية في كفاحه ونشاطه، خصوصاً في الجنوب اللبناني وهو المرحوم محمد الزيات الذي غادرنا مبكراً عن عمر يناهز 32 عاماً. وللإنصاف لعب المرحوم محمد زيات دوراً مهماً في أواخر الخمسينات اذ خاض الانتخابات النيابية في مواجهة قوائم وتكتلات للعائلات التقليدية والاقطاع الجنوبي، ولا بد من ذكر دوره بوصفه أحد الأركان المهمين في قيادة الثورة العام 1958 في لبنان ضد الرئيس كميل شمعون، هذه الثورة التي انطلقت من الجنوب اللبناني وامتدت لاحقاً الى مختلف الأراضي اللبنانية. وبالطبع كان هناك الرفيق أبو ماهر اليماني والرفيق أبو عدنان قيس والكثير من الرفاق المخلصين.
أما في سورية والعراق فكان وضع الحركة أقل نضجاً وأكثر بطئاً في فاعليته من لبنان والأردن، وذلك يعود الى وجود حزب البعث في كل من سورية والعراق بشكل قومي وفعال. الا ان تجربة القوميين العرب في كل من اليمن وليبيا والبحرين تستحق التوقف أمامها.
حصار بيروت
 كان حصار بيروت الامتحان الأصعب للمقاومة الفلسطينية، كيف كان الحكيم يعيش يوميات الحصار؟

- بطبيعة الحال كنت في بيروت عندما بدأت المعارك وكنت أمارس مهماتي الداخلية والخارجية. وكان لدي عشية الاجتياح مشروع لتوحيد القوى الديموقراطية في الساحة الفلسطينية لمواجهة العدوان الاسرائيلي المتوقع، والمخططات المرسومة لتصفية المقاومة. ولكن حتى أكون صريحاً معك لم نكن نتوقع ان تأتي الضربة الكبرى من اسرائيل مباشرة. كنا نعتقد ان الضربة المباشرة ستقوم بها الرجعية اللبنانية ممثلة بالجبهة اللبنانية ووحدات عسكرية نظامية. وتم تشخيص ذلك في مقررات المؤتمر الرابع للجبهة. وكان في ذهني باستمرار وجود مخطط لضرب المقاومة، وكان حجم هذا المخطط قائماً على اعتبار الرجعية اللبنانية أداته بالدرجة الأولى، ثم اسرائيل التي قد تكون حدود عدوانها الجنوب اللبناني فقط.
 كيف تقوّم أداء المقاومة في اجتياح 1982 بأمانة وصدق؟
- سأجيب عن سؤالك بمنتهى الصدق والمسؤولية: أداء المقاومة في مواجهة الاجتياح كان متفاوتاً. كان بائساً بمظهره الرئيسي في الجنوب وأقصد صور وصيدا، على رغم المواقف المشرفة التي شكلت مظهراً ثانوياً في بعض المواقع مثل النبطية وقلعة الشقيف وأرنون، وخاض خلالها المقاتل الفلسطيني قتالاً بطولياً ومشرفاً، وكان مثالاً للتضحية والتفاني. لو كانت المقاومة في الجنوب منظمة لتغيرت النتائج بعض الشيء، ولما تشجعت القيادة الاسرائيلية على الاندفاع وتوسيع رقعة الاجتياح باتجاه بيروت والجبل. وعندما اتضح المخطط الاسرائيلي وحجمه كنت على يقين انه لا يمكن ان يصمد في مواجهة هذا المخطط إلا إرادة جبارة بكل معنى الكلمة. ولم يكن في ذهني غير قرار الصمود وتحويل بيروت الى ستالينغراد ثانية في مواجهة الغزاة. وفي أول اجتماع للقيادة الفلسطينية عقدناه في منتصف حزيران (يونيو) قلت: نحن صامدون ومن يريد الصمود فليبق ويقاتل، وكانت الغالبية منسجمة مع هذا الرأي. خلال حصار بيروت كان أداء الثورة الفلسطينية في القتال أكثر تنظيماً، وقدم المقاتل الفلسطيني على مدار 86 يوماً من الحصار مثلاً رائعاً. دافع المقاتلون عن بيروت المحاصرة دفاعاً مستميتاً في ظل صمت عربي رسمي وهجوم اسرائيلي اطلسي مركز وكثيف، وعلى رغم قرار الخروج الذي حكمته جملة اعتبارات لبنانية داخلية وعربية واقليمية، شكلت معركة بيروت صفحة مشرفة في تاريخ الثورة الفلسطينية والأمة العربية، ولا يمكن لأي قائد فلسطيني ان يتجاهل التضحيات الكبيرة والجسيمة التي دفعها الشعبان الفلسطيني واللبناني ثمناً لهذا الصمود.
أثناء فترة الحصار هل تعرضتم لضغوط من الحركة الوطنية اللبنانية، للخروج من بيروت؟
- في البداية كان قرار الجميع الصمود، ولكن مع مرور الوقت واشتداد الحصار، وتطبيق اسرائيل سياسة الأرض المحروقة، وشل كل مرافق الحياة بدأنا جميعاً نقوّم المرحلة وندرس امكان الصمود ومدى نجاعته. وعلى اثر تقويمنا المشترك بدأت أقتنع بأن لا ضرورة للعناد والدخول في مواجهة انتحارية، خصوصاً ان الموضوع لم يعد موضوع المقاومة والحركة الوطنية، بل اصبح موضوع الجماهير اللبنانية وشعاره تجنيبها المزيد من الضربات والخسائر، لأنني بت مدركاً ان شعار تحويل بيروت الى ستالينغراد أخرى مستحيل.
 عندما كان أبو عمار يفاوض فيليب حبيب عبر الرئيس شفيق الوزان وبعض الشخصيات اللبنانية هل كان يطلعكم على تفاصيل هذه المفاوضات؟
- يصف أبو عمار نفسه دائماً بأنه انسان ديموقراطي لكنه لم يكن كذلك، فهو لم يكن يطلعنا على تفاصيل مفاوضاته بالكامل مع فيليب حبيب، لذلك عليك ان تسمع لأبي عمار ثم تقوم أنت باستنتاج ما يريده أو ما يعرفه.
 قرار الخروج من بيروت، كيف تبلور؟ من اتخذه؟ ومن عارضه؟
- الغالبية الساحقة من قيادة المقاومة شاركت في اتخاذ قرار الخروج وأنا واحد منهم.
 ولكن كيف تبلور قرار الخروج؟
- الواقع ذاته هو الذي بلور قرار الخروج من بيروت، خصوصاً بعد اشتداد الحصار إذ أصبح لا بد من أخذ حال الجماهير اللبنانية في الاعتبار، وكذلك موقف الحركة الوطنية اللبنانية.
 ومن عارض قرار الخروج من بيروت؟
- اعتقد ان هناك بعض القيادات التي عارضت الخروج سواء داخل منظمة التحرير أو داخل كل فصيل، وعلى صعيد الجبهة كان الرفيق ابو ماهر اليماني من معارضي الخروج، اضافة الى خمسة اعضاء من اللجنة المركزية للجبهة.
 ماذا عن علاقتكم في «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» بكارلوس، وهل تعرفونه جيداً؟
- كارلوس مناضل ثوري وأممي، وبحكم انتمائه للفكر الثوري، جاء وتطوع للنضال الى جانب الشعب الفلسطيني وانتمى الى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ونحن في الجبهة الشعبية وفي الثورة الفلسطينية، كنا على الدوام نستقبل بكل ترحاب، كل أممي يأتي للانضمام الى ثورتنا ومناصرة قضيتنا، وكارلوس واحد من هؤلاء المناضلين. وشعبنا الفلسطيني الذي ضحى وناضل ولا يزال في سبيل حريته واستقلاله يدرك معنى الانتماء والتضحية، ولن ينسى كل من ناضل وضحى الى جانبه في نضاله المشروع، بل سيبقى حافظاً لهذا الجميل من دون أن يأبه لتشويهات الأعداء، لأن نضاله الذي حفظته له شرعة الأمم المتحدة يعتبر بنظرهم إرهاباً، بينما اسرائيل التي تمارس الإرهاب الرسمي على مستوى الدولة هي الضحية! ان تزوير حقائق التاريخ ليس بالأمر الهين أو السهل وان انطلى هذا التزوير لفترة فهو لن يدوم، وحديثهم عن الارهاب لن يضيرنا أو يخيفنا، بل سيجعلنا اكثر تصميماً على مواصلة النضال والتمسك بقيمنا الثورية والوطنية العادلة التي يحاول الغرب الرأسمالي تشويهها واعتبارها قيماً ماضوية طواها الزمن. معرفتي الشخصية بكارلوس معرفة عابرة، وعلاقته المباشرة كانت مع الرفيق الشهيد وديع حداد الذي كان مسؤولاً عن العمليات الخارجية في الجبهة.

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات