بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >>  قضايا عربية >>
محمـود درويـش: روح هويـة فـي لغـة وطنيـة
  14/08/2008

محمـود درويـش: روح هويـة فـي لغـة وطنيـة

خليل احمد خليل

»وأعشق عمري لأني إذا مت
أخجل من دمع أمي«!

ـ١ـ
﴿ على ايقاع قصيدة لم تكتب، عاد محمود درويش من موته البعيد في الولايات المتحدة الى موته المستدام في فلسطين، وقد ملأ أرضها حباً لحياة طالما عاش روحها في مرآة وجوده الذي لا يحتل. فعلى قدر معاناته الوجودية استنبط سندباد فلسطين من ترابها تراثاً نابضاً لثقافة عربية متجددة بمقاومات كموج بحر نشوان في هياجه وفي صمته. ملأ فلسطين والوطن العربي بموسيقى إنسانية، بطاقة شعرية، بشاعرية نابضة اقوى من رصاصة احتلال خارقة/ حارقة، فأعطى معنى لغد يخافه المحتل، وينتظره الأحرار الباقون هناك تحت الاحتلال وفي سجونه، الأحرار اكثر من كل المستعمرين والمحتلين والمستوطنين. الحرية ثقافة. التحرير ممانعة ومقاومة. فلسطين اكثر من وطن، والوطن اكبر من حبل غسيل لنشر مناديل دماء المقتولين. الآن تعود القصيدة المنفية الى أرضها؛ الآن محمود درويش في مهب تراب وطني يفيض شعراً لمقاومة قادمة.
ـ٢ـ
﴿ بشعره الغنائي الملتزم، الثوري حتى نجمة الحرية الاخيرة، اقام في كل المدن والعواصم التي اخترقها بحضوره الوجداني/ الانساني، جسوراً بين الناس والثقافة، بين الاشياء والكلمات، بين الحريات والأغنيات، بين الاطفال والحجارة ـ حيث الحجر فتى ووطن معاً ـ، بين المقاتلين والناهضين من نومهم الى القتال، بين المقيمين في موتهم والناهضين الى موتهم لأجل الحياة. هكذا، وضع محمود درويش سلالم موسيقية، نثرية/ شعرية، لسمفونية غير مسبوقة في اللغة العربية التي ازدادت حداثة بإلياذته الدرويشية. ووضعنا، من الخليج حتى المحيط، في كنف إلياذة العصر العربي المقاوم من ١٩١٨ حتى .٢٠٠٨ إلياذة فلسطين، التي شارك فيها المئات من المبدعين العرب، شعراً ورواية وحكاية، نقداً وبحثاً وعلماً. بقلم اخضر، مثل قلب فلسطين، كتب محمود درويش ومجايلوه ابجدية جديدة للهوية الحكائية، هوية الحكي بلغة الناس. حتى صار الأدب العربي المعاصر معلما لثقافة عربية/ إنسانية متنوعة، وصفها دومينيك دفيلبان في »النورس والحوت« بأنها »الشفة الاخرى لفم البحر المتوسط«. بطبيعة الحال، فلسطين هي الشفة الاخرى لهذا الفم المنقوص، الذي لا يكون فماً إلا بشفتين. مشكلة العالم المتأمرك، ومعه الصهيوني والمتصهين، انه يواجه فم فلسطين بأنياب وحديد ونار، اما مشكلة العالم العربي المحيط بهذا الفم المشروم فهي انه يخاف من نار الغزاة ولا يقرأ دم المغزوين. بشعره الوطني/ الإنساني جعلنا محمود درويش نقرأ ما في فم فلسطين من دم، وما وراء الدم من حب للحياة لكن ليس تحت حافر حمار او احتلال.
ـ٣ـ
﴿ لا بد لعين الأم، فلسطين، ان تدمع وهي تستقبل ديوان شعرها الصامت، الذي ارغم الاحتلال على الاعتراف به كنموذج ساطع لأدب فلسطيني رفيع، غير شوفيني ولا عنصري، مع انه يقارع عنصرية فائقة الوحشية والهجانة. بطبيعة الحال، لا يستطيع الاسرائيلي وهو يدرس العربية كلغة اخرى، ان يتجاوز أدب محمود درويش في تعليم او ثقافة، بعدما عبر بشعره »قوميات« الامم/ الدول التي جعلت »اسرائيل« دولة وفلسطين سجناً او أرضاً محتلة. في شعره الإلياذي الهادئ، كنهر يتقدم الى الامام دوماً عابراً الحدود، البحار والمحيطات، الأبواب والنفوس، اكد محمود درويش انه لا يمكن لمحتل أرض ان يحتل روح شعب. وكيف لمحتل ان يحتل روحاً في مرآة، في ذاكرة مكان، في مكان هو بذاته روح هوية للغة وطنية؟ شعر درويش وسيرته الثقافية شاهدان على روحية قضية، هي اكثر من تراب وتراث، اكثر من لغة وهوية يمكن استبدالها بثقافة مستعارة، مفبركة ومفروضة بالقوة. فمن خبز الأم، من رائحتها وهوائها وعصافيرها، نسج محمود درويش على مدى عمره الابداعي، اكثر من شعر. نسج ملحمة بشر من حجر الروح، حجر الوطن الذي لا يسكت ولو تكسر مراراً، وجرى استيطانه، تهجيره، تدميره، حين لا يجدي حبسه. من قمقم الحجر هذا، استخرج محمود درويش، كما استنقض معاصره ناجي العلي (١٩٣٦ـ ١٩٨٧) »حنظلة« من (الشجرة ـ بلدته)، بل استنبت فتى بمواصفات استثنائية لقضية فوق العادة: ذراعه سلاحه، حجره وطنه، ذاته مرآته، موته حياته، حبيبته فلسطينه... الخ.
ـ٤ـ
﴿ بلغة حية وصلبة، لغة كل فلسطين المخفية، اعاد محمود درويش وطنا الى الوجود، وليس فقط الى ذاكرة ثقافية دفينة. استنبش من كل شيء »ورداً وأكثر«، حين »أحب ألا يحب«، وتعلم من الحب هذا كيف يعيش مع آخر، خارج حوض الدم، خارج الجنون بالموت، وكيف يخرج من موته الى حياة طبيعية، تعطي لنفسها بعضا مما أحبه درويش لشعبه ولشعوب الأرض من تعايش وتسالم وتضامن. فأعلن لغته بوجه الاحتلال، ونصب خيمات شعره في كل مخيمات المواطنين الفلسطينيين الذين صيرهم عالم النار مهجرين او لاجئين، حتى على أرضهم. بلغته، بروح مرآته التي لا تخون طلاءها الفضي، اعلن محمود درويش هوية وطنية لشعب استشهاده صلاته، ودمه صومه، ومقاومته حجه المتواصل، وأخيراً، نام قلبه وهو مسافر على حذر، لكنه لم يأبه يوماً بخدر الموت. لم ينس ان »الموت عند الأهل نوم«. في حضن الأم/ الحبيبة، سيتجدد دراويش فلسطين، سيرفعون مصابهم بفقدانه الى رتبة المقاومة، سيتجاوزون ما بين الحماس والفتح/ ما بين غزة ورام الله... مرة اخرى، سيدلهم محمود درويش على حيفا، سيرشدهم بشعره الى طريق الناصرة.
ـ٥ـ
﴿ هكذا، تنطوي كوكبة طبيعية كبرى من رواد القضية الفلسطينية، من كمال ناصر (الشهيد في بيروت) وغسان كنفاني (الشهيد ايضا في بيروت) الى ناجي العلي (الشهيد في لندن)، وعبد السلام المسيري (القاهرة) ويوسف شاهين... وصولا الى محمود درويش. وتستمر روح الهوية ساطعة في مرايا لغة وطنية، عربية، كان محمود درويش نبراساً ومحراباً لها، على مدى أجيال من المقاومات والانتفاضات. وبعد، هل عادت فلسطين الى محمود درويش، أم هو الذي عاد إليها، بلا حقيبة سفر، هذه المرة؟
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات