بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >>  قضايا عربية >>
تراكمات السياسة والصراع... السوريون من خريف 1973 إلى صيف 2006
  06/10/2008

تراكمات السياسة والصراع... السوريون من خريف 1973 إلى صيف 2006
عماد فوزي شُعيبي الحياة -

درسان أتقنهما السوريون؛ الأول التقليل من الخسائر إذا كانت المواجهة خارج ميزان القوى الذي يسمح بالنصر، والدرس الثاني هو: «كيف تنتصر وكيف لا تستعرض انتصارك» بانتظار جولة أخرى طالما أن المعارك جولات.
من تشرين الأول (اكتوبر) 1973 إلى تموز (يوليو) 2006 ثمة حبل سري يصل التاريخ السوري بمشيمة هي الجغرافيا التي لا تستشير أحداً. وجولات الصراع. لم يُستشر السوريون فيها، بل فرضتها اعتبارات الجغرافيا والتاريخ؛ ففلسطين اقتطعت من سورية ليس بالاعتبار القومي السوري الذي قد لا يخطئ في هذه الحيثية إنما بالاعتبار الجغرافي والتاريخي. صحيح أن سايكس بيكو يبقى السم الذي تجرعه السوريون زعافاً، لكن رفض هذا التقسيم لم يعد يتمسك بشكليات الصورة المرفوضة للتجزئة، من تمثيل ديبلوماسي واعترافات بدول... إنما تحول إلى اللعبة الاستراتيجية في المنطقة، وهي لعبة الصراع بدءاً من السياسة وصولاً إلى المقاومة.
لا يخطئ السوريون الإمساك بالحبل السري. تعلموا السير على السكة وعدم اللعب خارج الملعب. حددوا هرم أولوياتهم في الصراع، وعرفوا كيف يتقدمون وكيف يتراجعون تكتيكاً، لكنهم لم يلعبوا بالنار وإن كانوا امتهنوا لعبة مطمطة الخطوط الحمر ضمن معادلة ميزان القوى.
معركة تشرين 1973 كانت جولة. لم يتأخر الرد عليها داخل سورية وفي محيطها ومع إسرائيل وصولاً إلى مواجهة مع الطيران الأميركي مطلع الثمانينيات.استمر الصراع. كانت ساحة عملياته في الخاصرة السورية. انتصر السوريون عام 2000، وكان لا بد من جولات لاحقة: انسحب الإسرائيليون إلى معادلة الداخل وتفرغ الأميركيون لتطويع سورية. قرر المحافظون الجدد تحويل الصراع على الشرق الأوسط إلى المربع الأول: أي على سورية.
كثيرون تصوروا أن (كفى) التي أطلقها الرئيس الأميركي في وجه سورية إثر الاستفادة المنظمة من أحداث مطلع عام 2005 ستعني ارتداد سورية إلى مربع الصراع عليها بما يسهل تطويعها وإنهاء اللعبة. لم يتخل السوريون عن دورهم الإقليمي؛ عاندوا وقضموا الوقت وربحوا الزمن، وكان فيصل الصراع في المنطقة هو حرب 2006.
كانت محاولة لإنهاء الممانعة السورية وإنهاء الصراع بلغة المهزوم كليا والمنتصر كلياً.
دخلت المنطقة اللعبة. هدد السوريون في اليومين الأولين للمعركة بأنهم سيدخلون الحرب إذا لم يتم التقيد بقواعد حددوها سلفاً للعبة، قاموا بإجراءات على الأرض فهم منها الإسرائيليون والأميركيون أن «خيار شمشون» هو ما بعد عدم الالتزام بالشروط السورية لقواعد اللعبة. وافقوا عليها وخرج الإسرائيليون على مدى أسبوع يطمئنون علناً بأنهم ملتزمون بها.
انتصرت إرادة إزالة آثار عدوان 1967 في الجولة الأخيرة في سلسلة الحروب الممتدة منذ عام 1973. ولكنها لم تكن انتصاراً من النوع العادي؛ كانت انتصاراً استراتيجياً بتغيير ميزان القوى وقواعد اللعبة الإستراتيجية: فللمرة الأولى منذ تأسيس الدولة العبرية لا تقايض عمقها بعمق عدوها المدني؛ فنصفها يُقصف والنصف الآخر تحت التهديد بالقصف، وللمرة الأولى لا تنقل حربها إلى (أرض الآخرين)، وفي الأيام الأخيرة للحرب زعموا أنهم أنزلوا قوات جنوب الليطاني... كان الجميع يعرف أنهم لم يُنزلوا جندياً. ولأن اللاعبين عقلانيون ضمنوا لإسرائيل المهزومة أن تنسحب بماء وجه مُصان إلى تقرير فينوغراد... هكذا هي قواعد اللعبة لدى لاعبين محترفين من أمثال حزب الله وسورية.
ولأن السوريين يعرفون لغة الدول العقلانية في صون قاعدة كيف تنتصر ولا تستعرض، اكتفى الرئيس الأسد بأن يعلن أن المرحلة القادمة هي جني الثمار السياسية للنصر. هكذا هي دمشق، تنتصر ولا تقيم احتفالية كرنفالية، وتحضر نفسها لما هو آتٍ.
تستوقفنا هذه اللغة السورية التي لا تريد أن تنسب النصر لنفسها وتتركه للأمة، ويستوقفنا الرئيس الأسد الذي لا يحب الزهو لحظة انتصاره، فتراه يتقن قواعد اللعبة، ويتعالى على الذات الإنسانية في لحظة زهوها، ويهيئ نفسه للمرحلة القادمة، فيمد اليد لإخوانه من العرب ويطبق على عدوه قاعدة ذهبية في السياسة وهي:»لا تحشر عدوك في الزاوية وتغلق عليه كل الأبواب «اترك له نافذة يمر منها عبرك»، ومن هنا جاءت جولة الاستطلاع التفاوضي: يمدون أيديهم لهم بالسلام من دون أن ينحنوا أو يستعجلوا.
يستطيع السوريون أن يطمئنوا إلى أنهم باتوا يطوون صفحة من أخطر صفحات تاريخهم المعاصر. صحيح أن الستارة لم تنسدل عن أعنف صراع إقليمي - دولي كانت سورية في لبِّه، ولهذا فهم لا يستطيعون أن يركنوا إلى أن الأمور انتهت، لكنهم بالتأكيد يعرفون أنهم في ربع الساعة الأخير من المشهد الأخير من إحدى جولات الصراع على الشرق الأوسط وتحت ذلك العنوان الأكبر كان المشهد الأول فيه بعنوان الصراع على سورية.
لم يكن لأحد أن يتصور أن سورية التي سجلت لنفسها عبر نحو ثلاثة عقود خروجاً من الصراع عليها إلى صراع على الشرق الأوسط هي الطرف الأساس فيه، ستشهد ذلك التحول الذي كاد أن يعيدها إلى المربع الأول؛ الذي كانت فيه تلك الدولة ريشة تتجاذبها الأهواء، وأن السوريين الذين نسوا القاعدة الإستراتيجية القديمة التي كانت تقول: من يسيطر على سورية يعين إحداثيات السيطرة على الشرق الأوسط»، سيستعيدون ذلك في قلق عارم مع هبوب الرياح القادمة من الشرق المنهار تحت وطأة احتلال بغداد.
كان على السوريين الذين تعرضوا لأعنف قصف ارتجاجي إعلامي وديبلوماسي دولي وإقليمي أن يعينوا إستراتيجية دفاعهم ومن ثم هجومهم المضاد كي يستعيدوا مكانتهم الإقليمية، التي كان واضحاً أن من دونها لن تكون سورية إلا ممراً عابراً وسماداً لاستراتيجيات الآخرين.
حدد السوريون قواعد لعبتهم على النحو التالي:
> من الضروري الانحناء أمام العاصفة (لحظة سقوط بغداد) ولكن من غير المجدي تقبل الانحناء بصورة دائمة، وأن المسألة يمكن تلخيصها بأن صدَّ المطالب أفضل من تقديم ولو الحد الأدنى من التنازلات التي لن تنتهي.
> تكريس مبدأ «قضم الوقت وربح الزمن» وهو مبدأ رسمه السوريون على أساس أن تداعي ميزان القوى لا يسمح بالتسارع الزمني، وأنه بناء على ذلك لا يستوجب اختلال ميزان القوى القيام بمبادرات دراماتيكية، باعتبار أن ذلك يقتضي تأمين مسارها لإيصالها إلى نتائجها النهائية، وهو أمر لا يمكن القيام به إلا بتوافر ميزان القوى المناسب، الأمر الذي يعني اصطياد أخطاء الآخرين في مبادراتهم وتقويض نتائج إنجازاتها الدراماتيكية عبر الاستفادة من تلك الأخطاء لتدمير المنجز في مبادراتهم بكليته.
> اعتماد مبدأ «الاشتباك الدائم في قضايا المنطقة»: يعرف السوريون أن موقع بلادهم على عقدة وصل بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، يجعل من بلادهم مساحة جيو- ستراتيجية في غاية الحرج. فإذا كان عليهم إلا يصبحوا ممراً عابراً للآخرين وسياساتهم فإن عليهم أن يشتبكوا! والاشتباك لا يعني الصدام أو الحرب، لكنه يعني عدم ترك القضايا التي تفرضها على سورية الاعتبارات الاستراتيجية تحت أي اعتبار. فعندما تكون طرفاً في أزمة فإن ذلك يتيح لك أن تديرها من ناحية وأن تصبح طرفاً في أي تقاسم وظيفي في الساحة الإقليمية مع القوى الدولية، أقله لجهة عدم استباحتك واعتبارك سماداً لسياسات الآخرين.
> الإصرار على «مبدأ السيادة» وما يرافقه من اعتبارات يرفض فيها السوريون بإلحاح كل ما يجعلهم يدورون في فلك الآخرين، فتحالفاتهم لا تصل إلى حد الارتهان، فيها سمة عليا من الحفاظ على مشاطرة الإرادات والمصالح، والأهم أن لديهم ضرباً من (عُصاب) القبول بسياسات الدول العظمى. يسيرون على حد الشفرة، يوازنون مصالحهم بميزان القوى، وفي اللحظة المناسبة لا يردون على كل ما يأتيهم من مطالب أو مقترحات إذا كانت لا تتناسب مع مبدأ السيادة، الذي يراعي أبسط التفاصيل بدءاً من وزن الرئاسة الذي لا يعتبر فيه الرئيس أن بلاده (وبالتالي مقامه) يقل عن أي دولة في البروتوكولات وشرعة الأمم المتحدة وإن كانت دولة عظمى، فالدولة هي الدولة.
> لا استعراض في السياسة ولا تهديد ولا وعيد لكن العمل المضاد يشتغل على آليات بعيدة من الإعلام والتصريحات والانكشافات. إذ تعمل السياسة السورية على أساس أن لديها الكثير مما يمنحها معاملات القوة من دون الحاجة إلى التصريح عن ذلك لأن الفعل في العمل السياسي ليس للإعلام والصمت في السياسة يمنح اللاعب السياسي فرصة إخفاء أوراقه وعدم الالتزام بما لم يصرح به وتخفيض درجة (الخفة السياسية) وصولاً إلى إقرار متعارف عليه برصانتها وإمكانية التعامل معها دائماً بعقلانية سياسية.
> ومع تعرض هذه السياسة غير المفهومة من العامة بوضوح - وهذا طبيعي - لنقد ولهجوم إعلامي من خصومها وأعدائها، فإنها استمرت بأداء دورها من دون ارتجاج معتمدة على أن «العبرة في النتائج» وأن السياسات مهما كانت معبأة إيديولوجياً تجاه منطقة ما (كما هو حال المحافظين الجدد) فإنها ستكون محكومة بـ «قواعد اللعبة» التي تفرضها المصالح الاستراتيجية المتداخلة وحقيقة أن كل إيديولوجيا سياسية، مهما بلغت قوتها العسكرية، لا بد من أن تخضع في المآل الأخير لاعتبارات العقلانية السياسية.
تعمل دمشق على الخط الذي انتهجته. لا تدخل في صراعات جانبية، مشروعها يتجه إلى سمت الصراع الرئيس، أي الصراع العربي - الإسرائيلي، فلا يضيع السوريون في صراعات جانبية.
لم يقبلوا الصراع مع إيران وهي نتيجة ذلك في متن الصراع الرئيس. لم تستفزهم حشود الأتراك عام 1998 والعلاقة مع تركيا اليوم هي الأحسن حالاً والأتراك بدورهم أفضل وسيط يهيئ للمفاوضات المباشرة في وقت تتجسد الاستراتيجية السورية بكسب الجيران التاريخيين كشركاء في ... البقاء.
لا تناحر مع العرب ولو أرادوا. «فإذا كان مصيرنا أن نلتقي عاجلاً أم آجلاً مع بعضنا فلنلتق عاجلاً لا آجلاً» هذا ما استهله الرئيس السوري في أول قمة عربية يحضرها كرئيس.
يريد السوريون العرب جميعاً في متن الصراع الرئيس، يمتلكون إرادة العمل المشترك كلٌ بطريقته، شرط امتلاك الإراداة الذاتية. لا يعترفون إلا بإسرائيل عدواً، فحتى في أبلغ لحظات العدوانية الأميركية في المنطقة والفحيح على سورية ، لم يستعدها السوريون، فكيف بالعرب.
لا مانع لدى السوريين من أن يختلف بعض العرب معهم، ولكن على أن لا يعطلوا على من هم في قلب النار والعاصفة، عملهم في مواجهتها بعقلانية وبحسابات وعدم الامتثال، طالما أن الخاسر والرابح في متن الصراع هو الملاصق للصراع وليس من هم على أطرافه، فالمركزي مــركزي والطرفي طرفي ، وهذا ليس فيه إقلالاً لقيمة أحد أو تضخيماً لقيمة أحد آخر. والقاعدة: «دعونا نعمل فنحن لا نخاطر وقد نغامر ولكننا في صلب الصراع وإرثنا في العقلانية يجعل الثقة بنا حافزاً لمدرسة أخرى في السياسة هي مدرسة الصراع بالعقلانية الترانسيدانتالية».
* كاتب سوري.
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات