بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >>  قضايا عربية >>
هل يجرؤ القضاء العربي على محاكمة «النازيين الصهاينة؟
  20/10/2008

نحو تكوين»صندوق العدل للفلسطينيين والعرب» ... هل يجرؤ القضاء العربي على محاكمة «النازيين الصهاينة؟»

يعاني العالم العربي عقدتين تجعلان الجرأة في محاكمة النازيين الصهاينة أمراً بعيد المنال. العقدة الأولى هي أن الحكومات العربية نفسها لا تجرؤ على الحديث بسوء عن النازيين الصهاينة، والعقدة الثانية هي أن القضاء الوطني في الدول العربية لا يستطيع التصدي لهذا النوع من القضاء إلا بموافقة سياسية. ويجب أن نميز في هذا المقام بين أمرين، الأول عدم اختصاص القضاء الوطني ولائياً بحكم الدستور والقانون الوطني، باعتبار المسائل السياسية عادة تخرج من اختصاص هذا القضاء، خصوصاً المسائل بصلب العلاقات الخارجية للدولة التي تنفرد السلطة السياسية بتقديرها. أما الأمر الثاني فهو أن يكون القضاء مختصاً لكن السلطة السياسية تتدخل في بعض القضايا المعروضة عليه. وهناك عدد من الحقائق في هذا الموضوع يجب إثباتها وتسجيلها.
الحقيقة الأولى أن إسرائيل ترتكب بلا جدال جرائم وصفتها هي نفسها بأنها جرائم إبادة في حق الفلسطينيين، والثابت أيضاً، بصرف النظر عن الموقف الإسرائيلي، هو أن سياسة الإبادة والاغتيال الرسمية في إسرائيل هي جرائم وليست بطولات أو حقوقاً كما تزعم إسرائيل ومعها الولايات المتحدة، وأن القائمين بها مجرمون يستحقون المحاكمة والعقاب.
الحقيقة الثانية، هي أن الاختلاف داخل العالم العربي حول الصراع السياسي في فلسطين بين «فتح» و «حماس» لا ينفي مطلقاً أن الذي يتعرض لهذه السياسة الإجرامية هو الشعب الفلسطيني بقطع النظر عن انتمائه الســــياسي الداخلي. ولذلك لا يجوز للدول العربية أن تقف صامتة إزاء هذه الجرائم، ولا بد أن تعلن إدانتها لها بكل ثقة، وألا يكون صمتها موافقة على الطروحات الإسرائيلية الباطلة، والتي تقول بأن الشعب الفلسطيني يمارس الإرهاب وأن الإرهاب الإسرائيلي هو رد على هذا الإرهاب. والصحيح أن نقطة البداية هي الاحتلال الاستيطاني الذي يعتمد الإبادة أسلوباً لإخلاء الأرض من سكانها، وأن مقاومة هذا الاحتلال بكل السبل وإن بدت إرهابية هي حق مشروع في الدين والسياسة والمنطق، فلا يجوز بعد ذلك أن تتردد الدول العربية في المجاهرة بإدانة المواقف الإسرائيلية وهذا أضعف الإيمان.

الحقيقة الثالثة هي أن إعلان الإدانة العربية للسلوك الإسرائيلي يجب أن يكون ترخيصاً للقضاء العربي بالنظر في هذه الجرائم، لأنها ببساطة جرائم ضد المجتمع الدولي من نوع جرائم إبادة وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وهي في ظني أقرب إلى الجرائم ضد الإنسانية وفقاً للوصف القانوني الذي قدمته المادة الثامنة من نظام روما الأساسي، لأنه قتل وتدمير بنية الاقتلاع والحلول محله، فالنية الإجرامية أعلى بكثير من دافع الانتقام وهو بالتحديد ما يكيفها على أنها جرائم إبادة Genocide.
ومن الواضح أن الدول العربية تتعامل مع حقائق وليس مع تقديرات، وهذا يجب أن يعطيها الشجاعة في التصرف مهما كان اعتراض الولايات المتحدة أو غيرها. ويجب ألا ننتظر من الآخرين إنصافنا من دون أن نبادر نحن بإنصاف أنفسنا، وإذا حدث هذا فإن اسرائيل ستفكر آلاف المرات قبل أن تقوم بأي جريمة جديدة.
الحقيقة الرابعة هي أنه وإن كانت الدعاوى التي تُرفع على المتهمين الإسرائيليين في بعض الدول الأوروبية لا تصل إلى غايتها المنطقية لاعتبارات سياسية، فإنه يكفي أن هذه الدعاوى تعلن أسماء المتهمين من المسؤولين الإسرائيليين. ويجب ألا نقلل من قيمة هذا العمل بل يجب أن تتبناه أيضاً المنظمات الحقوقية العربية، وأن ينشئ المستثمرون العرب صندوقاً يسمى «صندوق العدل للفلسطينيين والعرب» للإنفاق على هذه القضايا الباهظة التكاليف. وقد رأينا القضية التي رفعت على شارون في بلجيكا بسبب مذبحة صبرا وشاتيلا، وكيف أنها حرمت شارون من زيارة بلجيكا، وأن الحكومة البلجيكية لجأت إلى تعديل قانون الإجراءات الجنائية حتى يتمتع المسؤولون في السلطة بالحصانة الجنائية.
نقول هذا لمناسبة اتجاه القضاء الأسباني إلى إصدار مذكرات اعتقال دولية بحق سبعة من المســـؤولين الصهاينة المتهمين بارتكاب جرائم حرب ضد الفلسطينيين، والاتصالات السرية بين الحكومتين الأسبـــانية والإسرائيلية للتوصل إلى اتفاق ســـياسي للحـــيلـــولة دون ملاحقتهم، خصوصاً أن منظـــمات حقوقية أســـبانية تتولى متابعة هذه القضية، وهي تتعلق بمـــجزرة واحدة من سجل مجازر لهؤلاء الصهاينة، وقعت في حي الدرج في غزة في تموز (يوليو) 2002 وراح ضحيتها 16 مواطناً أبرزهم الشهيد صلاح شحادة القائد العام لكتائب القـــسام، وتشــــمل الدعوى شارون وبن أليعازر وزير الدفاع حـــينذاك، وآفي دخـــتر رئيس «الشباك»، وبوغي يعلون رئيـــس الأركان ودان حلوتس المتهم بجرائم في لبنان 2006 حين كان رئيـــساً للأركان، لكنه في هذه المـــجزرة كان قائداً لسلاح الجو، إضافة إلى غيورا أيلند رئيـــس شعـــبة العمليات في القيادة العامة، ودورون ألمـــوغ قائد منطقة الجنوب، وهذا وفق ما أوردت صـــحيفة «يدعوت أحرنوت» الصادرة في 4 تشرين الأول (أكتوبر) 2008. وأقيمت دعاوى أيضاً في لندن ونيوزيلندا وفرنسا، ونأمل بأن تتسع موجة الدعاوى لتلقي الرعب في قلوب هؤلاء الصهاينة، ولا شك في أن الموقف العربي الذي أوصينا به سيشجع الآخرين على ملاحقة هؤلاء المجرمين.
الحقيقة الخامسة هي أننا يجب ألا نيأس من تعقب المجرمين وأن نتعلم منهم. فلا تزال إسرائيل تتعقب النازيين الذين تجاوزت أعمارهم التسعين وتتسلمهم من الولايات المتحدة وفرنسا وغيرهما، وتقوم بنفسها بتعقب هؤلاء أو ترشد إليهم أو تتولى خطفهم ومحاكمتهم كما حدث في قضية ايخمان عام 1962 وكأن العالم سلم لإسرائيل بهذا الحق. وإذا كان الهولوكوست الصهيوني أشد وطأة من الهولوكوست النازي، فيجب أن يكون للعالم العربي الحق في تعقب النازيين الصهاينة وألا يترك هذا التعقب لمنظمات فردية أو جهود شخصية.
الحقيقة السادسة هي أن اسرائيل والمنظمات الصهيونية ترفع دعاوى ضد الفلسطينيين في المحاكم الأجنبية بسبب العمليات الفدائية التي تمت في اسرائيل سواء ضد الجيش أو غيره، والمعلوم أن القيادة الفلسطينية كانت أيضاً جزءاً من الدعاوى القضائية التي رفعتها المنظمات الصهيونية في الولايات المتحدة. يقوم الموقف الصهيوني على أساس قلب الحقائق، فعندهم الشعب اليهودي شعب مختار ومعصوم وصاحب الحق، ومن حقه أن يبيد الشعب الفلسطيني الذي اغتصب أرضه طوال آلاف السنين، وهذا وهم لا يقبل به العالم، لذلك يجب كشفه وتعقب المجرمين الذين يدافعون عنه.
خلاصة القول إن توثيق الجرائم الإسرائيلية وتعقب المجرمين أمام القضاء الأجنبي هو مقدمة طبيعية للتحضير لتعقبهم أمام القضاء الدولي والعربي، وأن المحاذير السياسية التي كانت تتوهمها الحكومات العربية وهي حماية الولايات المتحدة لإسرائيل بدأت تتزعزع سواء بالنسبة الى رؤيتنا مستقبل العلاقات الأميركية - الإسرائيلية أو قدرة الولايات المتحدة على تغطية الجرائم الإسرائيلية التي لا يمكن سترها. لذلك يجب أن تتشجع الحكومات العربية ويتشجع قضاؤها على النظر في الجرائم الصهيونية كلها، فإذا كان الدهر يومين، يوم لك ويوم عليك فإن اليوم الذي جار علينا يكاد أن يولي.

عبدالله الأشعل الحياة - 20/10/08//
* كاتب مصري

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات