بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >>  قضايا عربية >>
علي جدة: لم تنته صلاحيته بعد.
  19/11/2008

علي جدة: لم تنته صلاحيته بعد...

بقلم : عيسى قراقع


هذا الرجل الأسمر، القاطن في البلدة القديمة بالقدس، الموروث أباً عن جد فكرة التزاوج بين الروح والمكان، المتألق صبح مساء مع آذان المسجد الأقصى المبارك، محمولاً على خطوات حافية في شارع الآلام، يمشي رافضاً أن يتحول إلى صمت على جدارية لا تنطق عن صرخةٍ تشبه الصلاة...
علي جدة الذي قضى سبعة عشر عاماً خلف قضبان سجون الاحتلال، تجتمع الرحلة في كوشان ميلاده: ولد في البلدة القديمة بجوار الحرم القدسي الشريف، والده أفريقي جاء إلى فلسطين مع قوافل المسلمين لأداء مناسك الحج وللدفاع عن الأماكن المقدسة من طمع الطامعين، زوجته من عكا ساهمت في تحريك البحر في جسده وإعلاء نبرة الموج العالية في صوته...
هذا الرجل الذي عذبه الليل الطويل في المعتقلات، ظل إلى جوار بيت المقدس مقتنعاً أن من حقه أن يدافع عن جدارة الآية في حماية نبوءتها، وعن ظلال الفقراء عندما يصبح المكان ساخناً كرغيف خبز في الصباح...
لقد ورث من السجن ثقافة الملح وتعاليم القمر وهو يمد أصابعه الفضية يصافح السجناء متمرداً على التباطؤ بين النور والظلام في دوران زمنٍ من حديدٍ ونسيان...
لكي تعرف علاقة الأسير بالقمر، يتذكر علي جدة ما قاله صديقه الأسير المحرر ناصر عطية عندما طلب من السجان في ذلك المساء أن يبقيه خمس دقائق اضافية في الساحة لكي يرى ذلك القمر الذي حرم من رؤيته ثلاث سنوات...
خمس دقائق... وجه القمر... وجه الجميلات، الربيع المنتشي في السحاب، اللقاءات الطفولية في شارع المدارس... النساء المستحمات بالورد وأعواد العنبر، البلد المسكونة في القلب أغنية وأحلاماً... كل هذا لم يفهمه السجان في تلك اللحظة التي صار فيها القمر وطناً خاصاً للأسير وحده...
علي جدة المريض الآن... لم يعد قادراً أن يمارس نشاطه الصحفي، وأن يرافق الزوار والقادمين إلى فلسطين ليشرح لهم بلغاته المتعددة التي يتقنها أن البراهين هنا تضجر الحقائق، وأن عليه أن يبذل جهداً كبيراً في الدفاع عن الحياة في وجه من جعلها عبئاً على الأحياء...
يقول للسياح: هذه أرض وليست مزار، هذه زيتونة وليست أيقونة، هذا رباط المنصوري وباب العمود وحي الواد وليست جسراً بين منفى وأرضٍ متخيلة في عقل حاخام.
يقرأ الحجاب على ولده محمد، متوتراً أمام التحولات التي شطبت النقوش عن صفحات الذاكرة... يستشعر التهديد للهوية والوجود، ينادي اللغة كي تتخلص من حروف العلة وتمارس شهوتها في تجويد غضب البؤساء...
علي جدة المريض المسيج بالأسئلة والقلق والمستوطنات... العابر قسراً من باب إلى باب، ومن حارة إلى حارة، تستفزه اللافتات العبرية التي مسحت أسماء الحاضرين أمواتاً وأحياءً.... المفردات التي غيرت أسماء الأشجار، والأناشيد التي لا تمت بصلة للطيور...
يقرأ في الحجاب التوقعات في غدٍ لا يختاره، وفي نوم لا يملكه سوى السجان أو حمى الوجع المستعجل لوداع القدس ساعة الغروب، يناور بين موت جميل في الحياة وموت أجمل في القدس ليشتبك بين مفاوضات تقود إلى حديقة، ومفاوضات تقود إلى جنازة... وفي كلتا الحالتين يعبر بين الفرائض الخمس على أرض عالية كالسماء.
علي جدة يحفظ أصوات القتلى، يعرف رتب الجلادين وحيرتهم في إبداع خيال حربي كي يظلوا منتصرين على البلاغة في صمت الضحايا...
هذا الأسمر لم تنته صلاحيته بعد... مصراً أن يتكلم ويأخذ شوطاً واسعاً في التوتر، متيقناً أنه كلما علا صوت فلسطين في القدس كلما استضافت الصلاة مزيداً من الأنبياء لتعويض غياب الحضور...
يستعيد على جدة الرعشات التي هزته ومزقته في تلك الزنازين: حضور للموت، عذوبة الحياة، حنين يوجع السجانين، حلولٌ مفاجئ للمطر والمفاجآت، اختلاط الوقت بين الثابت والمتحول في الصراع على الحرية...
علي جدة لم تنته صلاحيته بعد... القدس تعطيه العافية والشبق إلى التحليق في السماء، الماء في جسده يبكي والغيم والهواء، يفاوض الصيف كي يؤجل رحيله في الشتاء، ويفاوض البعيد كي تصحو الكلمات....
في حي الأفارقة رجل أسمر لم يعقد هدنة بين شارعين، ولم يلتزم بقانون التقاعد لأنه كلما نظر إلى اليمين وجد شهيداً، وكلما نظر إلى اليسار وجد شهيداً يطل من شرفة الذاكرة.
لا يطلب سوى أن يمشي بلا غموض، أن لا يتوه في الجغرافيا، حياته ليست له، حياته ليست معه، أسماء كثيرة تدق جسده بالفولاذ، يكره السكينة كما يكره السجن.
علي جدة لم تنته صلاحيته بعد... لا زال في حي المجاورين في القدس، رجل أسمر يحاول أن يعيد بناء ما انكسر، وأن يقذف الليل من صدره، يرفض أن يوقع على وثيقة تقول أن حياته صارت مرهونة لحسن نوايا راحيل، كي لا يعيد إنتاج الموت الذي جربه سبعة عشر عاماً هناك في المعتقلات.
يقول من حقي أن أحلم، ومن حقي أن أكون حراً، أن أتمادى في الرجاء والغضب والجمال والفرح، وأن لا أقع وعياً وفكراً في تابوت المجزرة، كل الأشياء لها أسرار سوى القدس، أسرارها معروفة كروحي، منفتحة على الوضوح الذي لا يحتاج إلى ديباجة، لها مكان واحد وتاريخ واحد وجسرٌ واحد، هي المتعددة في واحد، لهذا أرفض الموت في مكانين، أو أن يؤلفني كاتب يهوى النهايات المفتوحة...
علي جدة يفك طلاسم الحجاب... الضمير أقوى من السياسة، الإيمان بالحرية تسبق المفاوضات، اسمي الرباعي ومنديل أمي قبل معاليه أدوميم وجفعات زئيف، لهذا لا حاضر إلا في الماضي، ولم آت إلى الغد من فراغ، بل من آية ونطفة وإيقاع امرأة في خان الزيت.......

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات