بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >>  قضايا عربية >>
ملحمة جلجامش (2- 2)
  14/12/2008

ملحمة جلجامش (2- 2)

ابراهيم خطيب
*البحث عن الخلود*

بعد موت أنكيدو تحول جزعه على صديقه إلى قلق على مصيره الشخصي وخوف من موته هو. وهام في البراري هدفه الوصول إلى الحكيم اوتنابشتيم ليسأله عن سر الحياة والموت، وكيف يستطيع ألإنسان تحقيق الخلود لنفسه.
وبعد رحلة طويلة مليئة بالمخاطر والأهوال يصل جلجامش إلى شاطئ البحر الذي يفصله عن جزيرة أوتنابشتيم، حيث تقيم سيدوري صاحبة الحانة، ويحدثها عن نفسه وما حل بصديقه أنكيدو ويطلب معونتها للوصول إلى اوتبابشتيم.
خاطب جلجامش فتاة الحان بقوله:
والآن يا فتاة الحان، من أين الطريق إلى اوتنابشتيم.
فقالت له فتاة الحان:
إلى أين تمضي يا جلجامش
ألحياة التي تبحث عنها لن تجدها
فالآلهه لما خلقت البشر.
جعلت الموت لهم نصيبا
وحبست بين أيديها الحياة
أما أنت يا جلجامش فأملأ بطنك
افرح ليلك ونهارك
اجعل كل يوم عيدا.
دلل صغيرك الذي يمسك يدك
واسعد زوجك بين أحضانك
هذا نصيب البشر في هذه الحياة.
يخاطب جلجامش الفتاة،
أعطني الاتجاهات مهما تكن أعطني الاتجاهات
لو أمكنني سأعبر البحر
ولو أمكنني سأهيم على وجهي في البراري مجددا.
قالت له فتاة الحان، قالت لجلجامش:
لم يكن هناك قارب من أي نوع يا جلجامش
لم يعبر البحر أحد قط منذ الزمان الأزلي
المحارب شمش هو الوحيد الذي عبر البحر
وسوى شمش لم يعبر البحر احد قط.
العبور صعب، وطريقة شاقة للغاية،
وفي الوسط مياه مميته تعيق التقدم
فمن أين إذا يا جلجامش ستعبر البحر
وماذا تفعل متى بلغت المياه الميتة
ومع تصميمه تخبره عن مراكبي لدى اوتنابشتيم يدعى اورشنابي. الملاح الذي سيعبر به بحر الموت إلى حيث يوجد اوتنابشتيم.
سيكون منهمكا في تشذيب شجرة صنوبر صغيرة في الغابة اذهب اليه ودعه يرى وجهك.
وصل جلجامش الى اورشنابي، وعندما اورشنابي رأى جلجامش خاطبه:
لماذا تبدو وجنتاك مرهقتين، ووجهك موهن،
وقلبك بائس، ومظهرك منهك،
والحزن في صميم كيانك
ووجهك كوجه مسافر أعياه السفر الطويل.
خاطب جلجامش، خاطب ألمراكبي اورشنابي قائلا
كيف لا تبدو وجنتاي مرهقتين، ووجهي موهن،
وقلبي بائس، ومظهري منهك
والحزن في صميم كياني.
ووجهي كوجه مسافر اعياه السفر الطويل،
انكيدو صديقي، كان البغل المطارد، كان حمار الجبل البري، فهد الفلاة
صديقي الذي أحب كثيرا، والذي عانى معي كل المشقات
صديقي انكيدو الذي أحب كثيرا، والذي عانى معي كل المشقات
تغلب عليه قدر الفانين!
لستة أيام وسبع ليال بكيت عليه: ولم اسمح له بأن يدفن
حتى خرجت دودة من انفه
كنت متعبا.
إنني أخشى الموت، ولهذا أهيم على وجهي في البراري
كلمات صديقي تثقل قلبي
أهيم على وجهي في البراري في رحلات طويلة،
صديقي الذي أحب قد تحول إلى طين،
أولست أنا مثله، فهل سوف ارقد أنا أيضا
ولا تقوم لي قيامة بعد ذلك.
خاطبه جلجامش، خاطب ألمراكبي اورشنابي قائلا
والآن يا اورشنابي، من أين الطريق إلى اوتنابشتي

*اوتنابشتي يكشف سر خلوده لجلجامش* يصل جلجامش إلى اوتنابشتي ويقص عليه مغامراته وموت صديقه انكيدو، ورجاه أن يخبره كيف استطاع تحقيق ألخلود لنفسه دون بني ألبشر.
فقص عليه اوتبانشتم قصة ألطوفان بجميع تفاصيلها وكيف انتهت إلى مكافأته بنعمة ألخلود ، لأنه أنقذ بذرة ألحياة على ألأرض ، وقام إنليل بإسباغ نعمة ألخلود على اوتنابشتم وزوجته مكافأة له على صنيعه ، وأسكنهما في هذه ألجزيرة.
ويخبره أن الظروف التي جعلت الآلهه تمنح اوتنابشتيم الخلود، لن تتكرر مرة أخرى. ويصاب جلجامش باليأس، فيشفق عليه اوتنابشتيم ويخبره انه إذا تمكن من مقاومة النوم لمدة ستة أيام وسبع ليال فسيحصل على الخلود، ويحاول جلجامش ولكنه يفشل، فيصاب بمزيد من الحزن وألاسى.
فتشفق عليه زوجة اوتنابشتيم على جلجامش وتطلب من زوجها أن يعطيه شيئا وهو عائد إلى بلاده. فيكشف له اوتنابشتيم سرا من أسرار الآلهه، وهو نبات كالشوك ينبت في أعماق المياه، يجدد شباب من يأكل منها إذا بلغ الشيخوخة، ويغوص جلجامش إلى أعماق المياه، ويحصل على النبات بعد مجهود شاق، ويأمل في حمله معه إلى اوروك ليعيد شباب شيوخها وشبابه. وفي طريق العودة توقف جلجامش ليغتسل من بركة ماء بارد فنزل إليها واستحم بمائها تاركا النبتة عند الضفة، فانسلت حية إلى النبتة وأكلتها وتنزع عنها جلدها ويتجدد شبابها.
خاطبه اوتنابشتي، خاطب جلجامش قائلا:
لماذا تطيل الحزن يا جلجامش
بما أن الآلهة صنعتك من لحم الآلهة والبشر،
وبما أن الآلهة صنعتك مثل أبيك وأمك،
فالموت محتم في وقت من أللأوقات
لا احد يرى الموت
لا احد يرى وجه الموت
لا احد يسمع صوت الموت
الموت الوحشي يقطع الجنس البشري
ألأنوناكي، الآلهة العظماء، اجتمعوا
وقررت، مامي، التي تصنع الأقدار، المصائر معهم
فعيّنوا الموت والحياة
لم يحددوا عدد سنوات الموت
لكنهم فعلوا بالنسبة للحياة.
ويحدثه عن الطوفان فيقول:
دعني اكشف لك يا جلجامش
عن قضية في غاية الحذر
ودعني أخبرك عن سر الآلهة
شورباك مدينة أنت تعرفها بنفسك
تقع على ضفاف نهر الفرات.
كانت تلك المدينة عريقة في القدم عندما
قرر آلهتها أن على الآلهة العظماء صنع الطوفان
كان هناك والدهم انو
ومستشارهم المحارب أليل
وكانت نينورتا الحاجب الأكبر
وانوناكي مراقب القناة
وأقسم آيا البعيد النظر يمين السرية معهم
وأعاد تلاوة خطابهم لكوخ القصب
أصغ لي يا كوخ القصب ، وأنيبه يا جدار الآجر
فكّك منزلك ، وابن سفينة
وضعت على متنها جميع أنسبائي وأقاربي
ووضعت على متنها قطعانا من البرية ، وجميع أناع الحرفيين
كان شمش قد حدد ألساعة
شاهدت شكل العاصفة
كانت العاصفة مرعبة
صفرت بسرعة مفاجئة وجلبت سلاح الطوفان
فلم يعد أي رجل يرى رفيقه ولم يعد الناس يتميزّون السماء
حتى الآلهة خافوا من سلاح الطوفان
لستة أيام وسبع ليال
عصفت الريح ، وأغرق الطوفان والعاصفة الأرض
وفي اليوم السابع لهجوم العاصفة والطوفان
هدأ البحر، وسكنت ريح إيمخلو، وكبح الطوفان
ثم يحدثه، كيف الآلهة باركته وجعلته من الخالدين.
صعد أليل على متن السفينة،
أمسك بيدي وقادني إلى الأعلى
كما قاد امرأتي وجعلها تركع قربي.
لمس جبينينا، ووقف بيننا، وباركنا قائلا
" حتى الآن، كان اوتنابشتي فانيا،
أما من الآن فصاعدا فسوف يكون اوتنابشتي
وامرأته مثلنا نحن الآلهة
سوف يسكن اوتنابشتي عند مصب الأنهار".
أخذوني وجعلوني أسكن بعيدا عند مصب ألأنهار
إذا من يستطيع الآن يا جلجامش أن
يستجمع الآلهة من أجلك.
حتى تنال أنت أيضا الحياة الأبدية التي تسعى لها؟.
كبداية عليك ألا تنام لستة أيام وسبع ليال
وما أن جلس ووضع رأسه بين ركبتيه
حتى غالبه النوم كغمامة
خاطبها اوتنابشتي، خاطب زوجته قائلا:
انظري إلى الرجل الشاب الذي يسعى لحياة أبدية
فالنوم يغالبه كغمامة.
زوجته خاطبته، خاطبت اوتنابشتي النائي البعيد قائلة
المسه، ودع الرجل يفيق
دعه يعود بسلام من حيث أتى.
وفي اليوم السابع لمسه اوتنابشتي فأفاق جلجامش
وخاطب جلجامش، خاطب اوتنابشتي قائلا
ما أن غلبني النوم
حتى لمستني، وفورا أيقظتني
فيبلغه انه نام ستة أيام وسبع ليال
ركب جلجامش واورشنابي متن السفينة
خاطبته زوجته، خاطبت اوتنابشتي قائلة:
جاء جلجامش منهوك القوى، مكافحا
فماذا ستعطيه ليحمله معه إلى بلاده؟
خاطبه اوتنابشتي، خاطب جلجامش قائلا:
يا جلجامش، جئت منهوك القوى، مكافحا
فماذا أعطيتك لتحمله معك إلى بلادك
دعني اكشف لك عن مسألة شديدة الحذر، يا جلجامش
ودعني أطلعك على سر الآلهة
هناك نبتة لها جذور كشوك الجمل
شوكها، كشوك الوردة،
فإذا استطعت أنت أن تحصل على تلك النبتة،
فستعثر على تجدد الشباب
عندما سمع جلجامش هذا الكلام،
ربط حجارة ثقيلة في قدميه
فسحبوه إلى ألابسو ورأى النبتة
اخذ بنفسه النبتة، فغرز شوكها في يديه
وقذف البحر به إلى شاطئه
خاطبه جلجامش، خاطب اورشنابي قائلا:
يا اورشنابي، هذه النبتة تعالج أزمة!
سوف أعود بها إلى اوروك الحظيرة، وسوف أقدمها
لرجل كبير في السن كي يأكلها، وهكذا أجرب النبتة
وأنا أيضا سآكلها فأعود ذلك الشاب الذي كنته مرة.
وبعد أن قطعا عشرين فرسخا تناولا طعامهما.
وبعد أن قطعا ثلاثين فرسخا توقفا للمبيت
وشاهد جلجامش بركة من المياه الباردة،
فنزل إلى الماء واغتسل
ثم تنشقت أفعى أريج النبتة
فانسلت بهدوء وأخذت النبتة،
وبينما حملتها ورحلت، خلعت جلدها المحرشف
فانهمرت دموعه على وجنتيه.
يفقد جلجامش آخر آماله في الحصول على الخلود، ويعود إلى مدينة اوروك يتغنى باوروك وأسوارها وبساتينها.
وبعد أن قطعا عشرين فرسخا تناولا طعامهما.
وبعد أن قطعا ثلاثين فرسخا توقفا للمبيت.
وصلا إلى اوروك الحظيرة.
خاطبه جلجامش، خاطب اورشنابي قائلا:
تسلق يا اورشنابي سور اوروك وسر حوله،
تفحص مرتبة ألأساس، وعاين أعمال الآجر
واشهد أن قرميده هو من القرميد المخبوز،
وأن المستشارين السبعة هم الذين ارسوا أساساته
ميل مربع واحد مساحة المدينة ، وميل مربع واحد بساتينها
وتبلغ حفر الطين ميلا مربعا، وكذلك ارض الفلاة المحيطة بمعبد عشتار.
ثلاثة أميال مربعة ومساحة من ارض الفلاة تكون مدينة اوروك.

*الخلاصة*نلاحظ أن للبطولة وجهًا جديدًا، إنها تتخذ من صنع الحضارة الإنسانية هدفا لها ومضمونا، والبطل هذه المرة ليس البطل المنتصر في المعارك، أو المتحدي بقوته البدنية لمخلوقات أسطورية .
البطل هذه المرة هو الإنسان صانع الحضارة التي تمثل طريق الإنسان إلى الخلود الذي أصبح يتحقق للإنسان في ظل الحفاظ على إنسانيته وليس عن طريق تحول الإنسان إلى إله وهكذا تركز الملحمة على جلجامش البطل الإنسان صانع الحضارة، وليس على جلجامش البطل الإله .
إن ملحمة جلجامش بموضوعها الإنساني تؤكد على الذات الإنسانية، إنها دعوة واضحة إلى اكتشاف الذات الإنسانية والتأكيد على الجوهر الإنساني في مقابل الذات الإلهية، وضرورة الفصل بين الذات الإلهية والذات الإنسانية وإذ لا مجال للاتحاد فيما بينهما بسبب اختلاف جوهر كل منهما عن الآخر. أما الخلود فهو من نصيب الآلهة لأنه صفة أساسية فيها. إنه من طبيعتها ومن جوهرها. أما الإنسان فطريقه إلى الخلود ليست بطبيعته ولا بجوهره، إنما مرتبطة بفعله ودوره في البناء الحضاري للإنسانية.

المصادر:
فراس السواح- نصوص الشرق القديم
د. محمد خليفة حسن- الاسطورة والتاريخ- دراسة في ملحمة جلجامش
أساطير من بلاد ما بين النهرين- ترجمة د. نجوى نصر

 ملحمة جلجامش الجزء الاول  
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات