بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >>  قضايا عربية >>
وقف المذبحة
  28/12/2008

وقف المذبحة

في نهايات سنة الانهيارات الكئيبة أهدت إسرائيل العالم مذبحة في غزة. مذبحة غير عادية. من قماشة الارتكابات التي تفتح أبواب العنف على مصراعيها وتفتح معها أبواب جهنم. من قماشة الجرائم التي تستفز مشاعر الغضب والحقد والثأر وهي مشاعر تنطلق من الحق المشروع في الدفاع عن النفس. مذبحة تضخ توتراً غير عادي في عروق العالم العربي والإسلامي.
ولم تكن ثمة حاجة الى مذبحة ليتأكد العرب من وحشية إسرائيل. وان ما قيل عن رغبتها في السلام لم يروّض أنيابها. فالدولة العبرية صاحبة الرقم القياسي في ارتكاب المذابح. لم يتح لأي دولة عدوانية أن تسجل على مدار عقود هذه السلسلة الطويلة من مواسم القتل. كأنّ كل جنرال فيها يحتاج مذبحة ليحصد الأوسمة ومقعداً نيابياً أو حكومياً. كأنّ هذه الدولة الغاصبة تداوي قلقها بمزيد من الغرق في دم الفلسطينيين. كأنّ كل انتخابات إسرائيلية تحتاج بحراً من جثث الفلسطينيين.
أوحت وحشية الغارات الإسرائيلية أمس بأن الطائرات أرادت اغتيال غزة برمتها وليس فقط بعض المواقع فيها. شيء يشبه الرغبة في شطب غزة من الخريطة وإلقائها في البحر. فاض منسوب الوحشية لدى الجيش الإسرائيلي عما عرفناه سابقاً. بدت الحكومة الإسرائيلية راغبة في دفن غزة تحت أكوام الأشلاء وبحيرات الدم.
لنترك جانباً تعابير الإدانة والتنديد والاستنكار والغضب. نرددها منذ عقود وفي أعقاب كل حرب أو مذبحة. وليست الساعة الآن لمناقشة الأخطاء الفلسطينية بدءاً من الطلاق المعيب بين غزة والضفة. الوقت الآن لوقف المذبحة ومنع إسرائيل من استكمال عدوانها ومنع امتداد الحريق الى جبهات أخرى.
لا وقت لإنهاء الخلافات العربية وهي عميقة. ولا وقت لمعالجة الحساسيات وهي مقيمة. لكن يمكن أن يلتقي العرب على عنوان واحد هو وقف المذبحة. ومن أجل هذا الهدف يجب طرق كل الأبواب سريعاً. باب مجلس الأمن. والبيت الأبيض. والكرملين. والاتحاد الأوروبي. واستنفار كل الصداقات. وتوظيف كل الأوراق.
وقف المذبحة التي تستهدف غزة مهمة ملحة. فمعاني المذبحة التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي هناك تتخطى وقف إطلاق الصواريخ. وتتخطى محاولة قصم ظهر «حماس». انها في أحد وجوهها أول رد وحشي وصارخ على ما لحق بالجيش الإسرائيلي في حرب تموز (يوليو) في لبنان. انها محاولة استعادة الهيبة والقدرة على الردع وهالة آلة القتل والترويع.
ثم ان استمرار الحريق في غزة سينذر بامتداده. فماذا لو انطلقت غداً صواريخ من جنوب لبنان؟ ومن يضمن ألا يلتقط الجيش الإسرائيلي الفرصة لتصفية الحسابات وتنفيذ تهديداته ضد الدولة اللبنانية التي يقيم ممثلو «حزب الله» في حكومتها ومجلسها النيابي؟ وفي مثل هذه الحال ماذا عن سورية وإيران والمنطقة؟
اختارت إسرائيل لتنفيذ مذبحتها توقيتاً يضاعف القلق لدى العرب. أسابيع انتقالية في البيت الأبيض. انشغال دولي بالأزمة المالية العميقة. خروج «حماس» من التهدئة وافتقارها الى أي غطاء فلسطيني أو عربي يمكن أن يعرقل رغبة إسرائيل في العدوان. الوضع نفسه يدفع الى التخوّف من أن تكون إسرائيل تستعد لما هو أبعد وأخطر. لعمل ما يشعل حريقاً كبيراً في المنطقة.
وإذا كان وقف المذبحة يستلزم موقفاً عربياً حازماً فإنه يستلزم قبل ذلك قرارات شجاعة ومسؤولة من «حماس» نفسها تبدأ بإنهاء القطيعة مع الرئيس محمود عباس وقرار فوري بترميم البيت الفلسطيني. وقيادة «حماس» نفسها تعرف أن أوضاع غزة لا تسمح لها بتكرار التجربة التي خاضها «حزب الله» في حرب تموز، ليس فقط لأن خطوط إمداد الحزب كانت مفتوحة بل لأن غزة شيء وجنوب لبنان شيء آخر.
غسان شربل الحياة
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات