بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >>  قضايا عربية >>
مات كمال عاش وليد
  14/04/2009

مات كمال عاش وليد

حبيب فارس


كالصبيّ الذي لا يدري أنّ للأبوّة أكثر من معنى جهوزيّة الأب لنجدة الإبن، كلّما دعت الحاجة، بدت أبوّة الشهيد المعلّم كمال جنبلاط، غائبة عن مسيرة الإبن السياسيّة، فيما عدا تلك المرّات التي احتاج فيها الإبن لنجدة الوالد وإخراجه من المطبّات التي أوقع نفسه فيها، نتيجة اللّعب المتسرّع. فمنذ بداية مسيرته السياسيّة، أسند الأستاذ وليد جنبلاط ظهره إلى حائط إرث الوالد الشعبي الصّلد، دون النظر الكافي – على ما بدا - الى ماهيّة وكيفيّة تشييد الأب لهذا الحائط، الذي تتطلّب صيانته المستمرّة إسمنتاً ومعدناً من نوع ذلك الذي استخدم لتشييده، كي لا ينهار بما فيه وعلى من استند إليه. لكن الأستاذ وليد، لم يكتف بإهمال مهمّة الصيانة وحسب، ولم يتصرّف وكأنّ الحائط عرضة لظروف بنيويّة وبيئويّة قد تؤدي لتفسّخه وتآكله وحسب، بل ونحى منحىً يساعد على ذلك التفسخ والتآكل، بما في ذلك اللطم عليه بمطارق من أشيد لمواجهة مشاريعهم التدميريّة والتخريبية بالذات. أكثر من ذلك، لم يتوانى الأستاذ جنبلاط، كلّما أحسّ (بالسّخن)، عن استحضار تراث الوالد استنجاداً، لا ضدّ ضربات أصحاب المطارق، بل ضدّ من هم ضدّها.
يطيب للأستاذ وليد جنبلاط، بين الحين والآخر، استحضار تراث المعلّم الشهيد، كلّما استشعر الخطر على مشاريع – وأصحاب مشاريع - قاومها المعلّم الشهيد حتى الإستشهاد. فقضايا العروبة وفلسطين والحركة الوطنيّة اللبنانيّة، أي القضايا التي عاش واستشهد من أجلها الأب، تُستحضر من قبل الإبن، فقط كلّما احتاجت القضايا المعاكسة لها، بعض أوكسجين البقاء والإستمرار. في مثل الظروف الحاليّة التي يشهدها لبنان والمنطقة، لو كان الأب مكان الإبن، لما احتاج إلى التطبيل والتزمير للعروبة وفلسطين واستقلال وسيادة لبنان ليلوي أصابع الإتهام المصوبة نحوه، كان اكتفى، على سبيل المثال لا الحصر بإغلاق بوابات المختارة وكليمنصو بوجه السفيرة الأميركيّة مز سيسون وأغلق جوّاله بوجه مكالمات سلفها ورئيسها الحالي مستر فيلتمان، وكان الله يحبّ المحسنين. أمّا أن يواصل الإستاذ جنبلاط "مشاغباته" ولطماته لخصومه من اللاعبين في غير فريقه، صارخاً كلّما أكل لطمة، من الصديق قبل الخصم"بابا...بابا"، على طريقة ضربني وبكى...سبقني واشتكى، فهذا أمرٌ لم يكن يوماً من سيم وقيم وشيم الأب الشهيد.
سألت أحد أصدقائي ورفاقي من مسؤولي الحزب التقدمي الإشتراكي في أستراليا، في عزّ "مشاغبات" الوليد، عن سرّ هذا الخطاب الذي يتناقض تماماً مع خطاب الوالد الشهيد، أجابني: ألا ترى أنّ حياة الرّجل مستهدفة؟ لم أعلّق لأنّني شعرت بأنّ استحضار مواقف الشهيد تجاه استهداف حياته سيضيف إلى حرج صديقي ورفيقي. أما السؤال عن سر "جرأة" الوليد في استحضار التراث الوطني والقومي للشهيد الخالد كمال جنبلاط باسم خصوم الشهيد، أشخاصاً ومشاريعاً، وفي "عزّ دين" حملة انتخابيّة يعتبرها هؤلاء معركة انهاء جذوة المقاومة، ولو تحت عناوين أخرى، قاتل أيضاً الشهيد ضدها، هذا السؤال حول هذا الإستحضار "الضروري" في خطاب موجّه بالأساس لجمهور تربّى على أفكار الشهيد الوطنية والقومية والتقدمية، سيكون أكثر إحرجاً لصديقي ورفيقي الذي – كالكثيرين من رفاقه - لا حول له ولا قوة ولا جواب عن العديد من الأسئلة الصعبة!
مع ذلك، مهما يكن رأيك بسيرة الأستاذ وليد جنبلاط السياسيّة، عليك أن تبدي إعجابك بمواهبه البراغماتيّة والديماغوغيّة الزئبقيّة القادرة على التحرّك بين قطبيّ التّصلب والمرونة، بسرعة تتامس الحد الأقصى من الحركة، وإمكانيّة الإقناع بإخلاصه لأية من القضايا والمواقف التي يتبنّى ويتّخذ، خلال فترة تلامس الحدّ الأدنى من الوقت. هذه المواهب وحدها ما يجعل من الأستاذ جنبلاط أحد أذكى وأكفأ رموز الطبقة السياسية اللبنانيّة. وهي، وليست المبادىء، إضافة إلى إرث الوالد الشهيد، في أساس تثبيت زعامته داخل شريحة من جمهور كمال جنبلاط ، وبالتالي نفوذه السياسي الملحوظ على المستوى الوطنيّ، وداخل فريق الرابع عشر من آذار تحديداً. لكنّه شتّان بين الشطارة السياسيّة والصلابة المبدئيّة، حيث أن الثانيّة هي الأكثر نفعأً لمصالح ومصير القوم على المدى البعيد، بينما الثانيّة وإن أدّت أحياناً إلى تحقيق بعض الأهداف الجمعيّة الآنيّة واستثارة الإعجاب بالقائد، لكنها قد تأتي على المصير والمستقبل. فالحنكة السياسيّة لدى القائد شيء ومصالح الوطن والناس ومستقبلهم شيء آخر. ربّما استطاع الأستاذ جنبلاط كسب ثقة جمهور واسع داخل طائفته الكريمة وعلى المستوى الوطني، إلاّ أن التاريخ حافل بالقادة المؤثرين، لكن المنسيين عندما يأتي الحديث عمّا أنجزوه لصالح من كانوا يمثلون. والتاريخ قلّما برّر مواقف هؤلاء أو رحم مسيرتهم السياسيّة.
يستطيع الأستاذ جنبلاط تغييب التراث الوطني والقومي البطولي للزعيم الخالد كمال جنبلاط معظم الأحيان، واستحضاره بعض الأحيان. لكنّ ما لن تحقّقه كلّ مواهبه المشهودة، هو ترك شيئاً مشابهاً لمآثر الأب الخالدة ما دامت لم تحد حسابات الثاني عن ثوابتها المبدئيّة، مهما تنوّعت الظروف، وحتى الإستشهاد، وما دامت حسابات الأوّل تعتمد، بشكل أساسي على الشطارة للشطارة وآنيّة مصالح فئة من الفئات في أحسن الأحوال. فليت الأستاذ جنبلاط الإبن، يعود للغرف من تراث الأب المعلّم – لا من رصيد الأخير وحسب - مضيفاً إلى حنكته السياسية عنصرا مبدئية وثبات الأب، ما يعطي مصداقيّة لاستحضار تراث الثاني. بذلك فقط تتجاوز الأبوّة مجرّد أبوّة الدّم، وهذا هو الأهمّ!

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات