بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >>  قضايا عربية >>
البلاد العربية آخر معاقل الريغانية
  16/04/2009

البلاد العربية آخر معاقل الريغانية!

في أواخر السبعينات أو أوائل الثمانينات الماضية قال الأستاذ محمد حسنين هيكل في إحدى مقالاته، أو مقابلاته، ما خلاصته أنّ الأميركيين لم يعودوا يأبهون لردود فعل الجماهير العربية، وأنّ كلاّ من البلاد العربية سوف يصبح محكوماً من قبل فرد أو أفراد أو أسرة، وأنّ بعض حكّامها سوف يكونون أقرب إلى الجنون! إنّني أعتمد على مجرّد الذاكرة بعد حوالي ثلاثين عاماً، لكنّني متأكّد أنّ الأستاذ هيكل قال كلاماً بهذا المعنى بالضبط، ولشديد أسفي لم أحتفظ بالنص، أو أنني احتفظت به وفقدته بين ركام أوراقي!

على أية حال، وبغضّ النظر عمّا قاله هيكل أو لم يقله، فقد ظهر واضحاً ما يؤكّد صحّة ذلك في أكثر من قمّة حكومية عربية، خاصة في قمّة بيروت، ثمّ إن الموقف الراهن للنظام الرسمي العربي، وهو الموقف المذهل في غرائبه وشذوذه، لا يمكن أن يكون إلاّ محصّلة أنماط من الإدارات العربية المرعيّة أميركياً، التي اقتصرت بالفعل على فرد أو أفراد أو أسرة، وعلى حكام بعضهم أقرب إلى الجنون، فكان أن حكمت البلاد العربية قسراً وكرهاً طيلة عقود بمعزل عن رأي شعوبها وخلافاً لإرادتها ومصالحها!
كيف نفسّر، إذا لم نأخذ بما أوردناه أعلاه، أنّ البلاد العربية هي اليوم المعقل الأخير في العالم للريغانية والتاتشرية، وللبوشية ومحافظيها الجدد كآخر عهد من عهود الريغانية؟ كيف نفسّر أنّ الحكّام العرب يواصلون الدفاع بشراسة عمّا تخلّى عنه أصحابه الأميركيون؟ وكيف نفسّر أنّ الأميركيين يريدون الانسحاب من العراق وبعض الحكّام العرب يزيّنون لهم البقاء؟ وكيف نفسّر أنّ المقاومة العربية تنتصر هنا وهناك، فيصرّ الحكّام العرب أنّها لم تنتصر، ويفعلون كلّ ما من شأنه تبديد ما حققته من إنجازات تاريخية عظيمة، ويعملون على إقالة الأميركيين والإسرائيليين من عثراتهم وسقطاتهم؟ وكيف نفسّر أنّ حوالي ثلاثة عشر أمة نهض بعضها وبعضها الآخر على وشك النهوض المستقلّ، واعترف لها الأميركيون على مضض بأنها طرف ندّ في قمّة العشرين الدولية الجديدة، بينما حكّام البلاد العربية يصرّون على التبعية الذيليّة للسياسة الأميركية المنهارة وللاقتصاد الأميركي المنهار، ويستميتون في دعم بقايا الريغانية وفي المحافظة عليها كما لا تفعل أحزابها ومجتمعاتها؟
لعلّ ما ينبغي لفت النظر إليه هنا هو أنّ ما تذكّرته من كلام هيكل قد قيل عشيّة انطلاقة الحقبة الريغانية/التاتشرية، مطلع الثمانينات، وهي الحقبة التي تميّزت بالالتفاف الاحتيالي على الأزمة الرأسمالية المستفحلة موضوعياً وتاريخياً، التي كانت قد تبلورت وظهرت للعلن منذ نهاية الستينات ومطلع السبعينات، ففي ذلك التاريخ استنفر دهاقنة النظام الرأسمالي الربوي العالمي لمواجهة ما سوف يترتّب على تحوّل الولايات المتحدة من دائنة إلى مدينة ومن مصدّرة إلى مستوردة، فكانت "اللجنة الثلاثية" التي جرى تشكيلها بمبادرة من "بنك تشيس مانهاتن" ممثلاً بصاحبه ديفيد روكفلر، وهي اللجنة التي تمثلت فيها الأقاليم الثلاثة، الولايات المتحدة وأوروبا الغربية واليابان، والتي أخذت على عاتقها (من دون أيّ تكليف رسمي أو صفة رسمية!) وضع صيغة جديدة للعلاقات الدولية كفيلة باحتواء أزمة النظام العالمي وضمان سيادة مركزيته الأوروبية/الأميركية قسراً لعقود طويلة تالية!
لقد مهّدت أعمال لجنة روكفلر الثلاثية لسياسات الإرغام والحروب الاستباقية المدمّرة المباشرة وغير المباشرة، وهي السياسات التي تطلّبت إعداد كوادر حاكمة ملائمة في مختلف أنحاء العالم وفي الولايات المتحدة قبل غيرها، والتي اكتملت صورتها في عهد رونالد ريغان، الذي لم يكن كشخص بسيط يميّز فعلاً بين الروايات السينمائية الخيالية وبين وقائع الحياة الحقيقية، سواء في مواقفه اللاهوتية الخرافية من الاتحاد السوفييتي أم من فلسطين والعرب، أي أنّه كان مجرّد أداة ممتازة ولافتة مخادعة لتلك اللجنة ولمن واصلوا عملها من خلف اللافتة الريغانية السينمائية!
أمّا مرتكز مشروع اللجنة الثلاثية، وركنه الأساسي، ومفتاحه الدولي، فكانت البلاد العربية، بموقعها الاستراتيجي وبثرواتها النفطية التي تمكّن الأميركيين من الإمساك بعنق العالم كما كانوا يقولون، وقد بدأ منذ ذلك التاريخ بالفعل تشكيل قوات الانتشار السريع المتمركزة في الخليج العربي! وأمّا الحروب الاستباقية الرهيبة المباشرة وغير المباشرة، المفهومة وغير المفهومة، النظامية والأهلية، التي خلطت الأوراق وألغت الأصول المتبعة في العلاقات الدولية، فقد بدأت بالبلاد العربية، وانطلقت منها، وما زالت تطحنها!
لقد استنفدت الحقبة الريغانية طاقاتها في عهد بوش الابن، وآذنت بالأفول أو تكاد تأفل، حيث تقول اليوم وثيقة أعدّتها أجهزة الاستخبارات الأميركية أنّه: "نظراً لصعود الدول الناشئة، وانقلاب موازين القوى الدولية دراماتيكياً، فإنّ الثروة العالمية سواء بحجمها أو سرعة حركتها تتحوًل من الغرب إلى الشرق، وهو الحدث الذي لا سابق له في التاريخ المعاصر، والذي بدأ مع اليابان في الخمسينات، وتواصل مع النمور الأسيوية في الستينات، ومع الصين في الثمانينات، ثم مع البرازيل والهند في التسعينات، وإنّه تحوّل مستمرّ ومرشّح للبقاء طويلاً"! (أنظر صحيفة "السفير" 11/3 مقالة سمير التنّير).
غير أنّ الحكومات العربية، الريغانية/البوشية أكثر من ريغان وبوش، لا تأبه لهذه الوثيقة الموضوعة الآن على مكتب الرئيس أوباما، وتواصل دفاعها المحموم عن سياسة الحقبة الريغانية التي انهارت بانهيار المحافظين الصهاينة الجدد، الذين لم يكونوا ورئيسهم بوش سوى آخر حلقاتها!
في وثيقة الاستخبارات الأميركية التي أشرنا إليها، والتي حملت عنوان: "التيارات العالمية لعالم متحوّل"! ورد أنّ السياسات (الأميركية) التي اعتمدت بعد الحرب العالمية الثانية لن تعود صالحة بعد العام 2025! (المرجع السابق) فإذا كان الأميركيون، أو بعضهم، يرون أنّ بالإمكان استمرار سياساتهم العدوانية في الخدمة حتى عام 2025، رغم ضعف صلاحيتها، فإنّهم يقيناً يعتمدون على النظام الرسمي العربي وحده، وهو الذي لم يخذلهم أبداً، ويعتمدون على البلاد العربية، التي هي مناطق مدارة بحكم ذاتي لصالحهم، والتي هي اليوم فعلاً آخر معاقل الريغانية!
نصر شمالي: ( كلنا شركاء )

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات