بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >>  قضايا عربية >>
فاتحة الهزائم.. قراءة في دفاتر النكسة
  31/05/2009

فاتحة الهزائم..  قراءة في دفاتر النكسة

لم تكن الهزيمة التي مني بها العرب في حرب يونيو/حزيران 1967 ضد إسرائيل مجرد انكسار في موقعة عسكرية يمكن تجاوزها وتفادي آثارها بالاستعداد لموقعة أخرى يتحقق فيها الانتصار وتمّحي بها آثار الهزيمة، بقدر ما مثلت فاصلا حقيقيا بين زمنين خصوصا لجهة ما خلّفته من آثار غير مادية أي فكرية ثقافية كان لها تأثيرها في توجيه العقل العربي وصياغته، فضلا عن الصدى المدوي والانعكاس شبه الآلي لتلك الهزيمة في النتاج الفكري والثقافي العربي وفي دفعها إلى السطح اتجاهات فكرية إيديولوجية سياسية ما كان لها أن تنال ما نالت من التمكن والانتشار لولا هزيمة 1967 التي عرفت في الكثير من الخطابات العربية بتسمية "النكسة" في مقابل هزيمة عربية أخرى سابقة اشتهرت بـ"النكبة" وتعني وقوع فلسطين سنة 1948 تحت سيطرة العصابات الصهيونية ومن ثم تأسيس "دولة إسرائيل" على أجزاء واسعة من فلسطين التاريخية، بعد فشل الجيوش العربية في حمايتها.
ويعد دارسون تسمية "النكسة" في حد ذاتها جزءا من "النشاط الفكري" الذي نشأ على هامش هزيمة العام 1967 مبررا لحدوثها أو متفجعا من نتائجها الكارثية أو مشرّحا لأسبابها أو متهجما على المتسببين فيها. ذلك أن هذه التسمية في حد ذاتها لا تخلو من شحنة سياسية إيديولوجية تحيل على "مجرد الانتكاس" وبالنتيجة تترك باب الأمل مفتوحا أمام التعافي واستجماع القوة وتحقيق انتصار يطوي صفحة الهزيمة السوداء المريرة.
وإجمالا يمكن القول إن هزيمة 67 مثلت بداية النهاية لـ"زمن عربي حالم" ميزته الشعاراتية والثقة التامة في ما هو متحقق حضاريا، أي إمكانية الاعتماد على ما كان بابتعاثه وترميمه وإدخال بعض الرتوش المعاصرة عليه، ليحل محله زمن آخر ارتفعت فيه بشكل لافت نبرة "واقعية" تجلت في أكثر من مظهر وتراوحت بين الإيجابية الداعية إلى حسن تقييم قدرات الذات بغرض دعمها وتطويرها، وبين التشاؤم والتشكيك في إمكانية النهوض مجددا وبلغت بالبعض حد الانهزامية والتسليم للعدو.
ولئن مثّلت تلك الهزيمة شرا مستطارا على المستووين العسكري والاستراتيجي، فقد مثلت قادحا لحركة مراجعة فكرية بلغت لدى بعض الكتّاب والمفكرين شأوا بعيدا من العمق والشمول. وحتى على المستوى الفني أوجدت الهزيمة أصداءها مسرحا وسينما ورسما، وخصوصا أدبا وشعرا. وإن تراوح ما أنتجته في هذا الباب الأخير بين الغضب العارم على الطبقة السياسية التي حُمّلت مسؤولية الهزيمة، وبين البكاء والتفجع على ضياع أحلام النصر وخسارة أجزاء من أوطان كانت قبل الحرب بيد العرب يرومون الانطلاق منها لتحرير ما سلب من قبل، فإذا بهم يخسرونها هي بدورها لاسيما مدينة القدس بكل رمزيتها الحضارية والدينية، فضلا عن الجولان السوري وما له من أهمية استراتيجية.
ويعبّر الباحث د. حسن الرموتي عن ذلك بالقول "كانت هزيمة 1967 شرخا مؤلما في جسد الأمّة العربية، فكان قدر الشعراء خصوصا أن يتشرّبوا مرارة النكبة، فجاءت قصائدهم داكنة مريرة، تتأرجح بين الألم والأمل، لكن سمة الحزن المفعمة بالأسى والإحساس بالهزيمة كانت هي الطاغية".
وتعتبر قصائد الشاعر المصري أمل دنقل "1940 - 1983" أبرز نموذج عن أثر هزيمة 67 في الشعر العربي حيث يقول عنه الباحث الدكتور جابر عصفور إنه "واحد من أبرز الشعراء العرب في عالم ما بعد كارثة العام السابع والستين. ولا تحتسب المكانة، في هذا السياق، بالكم الشعري الذي كتبه الشاعر، أو الدواوين التي أصدرها، فأعمال أمل دنقل قليلة مثل عمره القصير، ولكنها أعمال متميزة بما تنطوي عليه من إنجاز ودلالة، ابتداء من ديوان "البكاء بين يدي زرقاء اليمامة" الذي لفت إليه أنظار الأمة العربية عام 1969، وكان بمثابة احتجاج وإدانة للعالم الذي أدى إلى هزيمة يونية 1967، مرورا بديوان "تعليق على ما حدث" عام 1971 الذي كان استمرارا لاتجاه الديوان الأول"..
وكما مدت "النكسة" ظلالها على الشعر العربي، فقد بسطتها كذلك على مختلف الأجناس الأدبية لا سيما الرواية العربية حيث ظهرت العديد من الكتابات الروائية العربية المرتبطة بحدث الهزيمة، حتى شرّع بعض الدارسين للحديث عن "رواية الهزيمة". وفي هذا الباب يقول الباحث عبد الرحيم العلام إن "هزيمة 1967 قد استأثرت بالنصيب الأوفر من الاهتمام السردي بها داخل العديد من النصوص الروائية الراصدة والمستوحية للأجواء العامة لحرب يونيو، ولانعكاساتها التاريخية والسياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية والنفسية على المجتمعات العربية، بمنظورات مختلفة ومن زوايا إبداعية متباينة، باعتبارها الهزيمة العربية التي كان لها، حتى اليوم، الأثر البالغ والصدمة الكبرى على الوطن العربي برمته، بمن فيه فئة الأدباء أنفسهم، كما أنها الهزيمة التي خلخلت الكثير من المفاهيم والقناعات والقيم".
وفي الأجواء العربية الداكنة لما بعد الهزيمة لمعت أسماء العديد من الأدباء والفنانين العرب يذكر الباحث د.جبرا الشوملي منهم " فدوى طوقان في قصيدتها "لن ابكي"، وكذلك سعد الله ونوس في مسرحيته "حفلة سمر من أجل 5 حزيران"، ونزار قباني في ديوانه الشهير "هوامش على دفتر النكسة"، وأمل دنقل بقصيدته "الخيول"، وعبد الوهاب البياتي الذي تنبأ بالهزيمة في ديوانه "النار والكلمات"، فضلا عن هجائيات أحمد فؤاد نجم التي يرددها الناس من المحيط الى الخليج كأسمائهم".
إن الثابت أن الهزيمة المدوية التي مني بها العرب أواسط عقد الستينات من القرن العشرين كانت من القسوة بحيث حفرت عميقا في الوجدان العربي وكيفت نتاجه الفني والأدبي والإبداعي عموما. لكن يبقى أعمق أثر فكري أحدثته هو تدشينها مرحلة من المراجعة والنقد الذاتي، حيث خلخلت تكلك الهزيمة الكثير من الثوابت والقناعات ووضعت العرب أمام حتمية النقد الذاتي والمراجعة.
وفي هذا الباب يمكن القول إن كتابات قسطنطين زريق وصادق جلال العظم دشنت مرحلة جديدة في الفكر العربي تتميز بإيجابيتها غير الحالمة حيث يسودها الإيمان بإمكانية التقويم بعد حسن التقييم.
وعن هذين العلمين يقول د. جبرا الشوملي أرسى قسطنطين زريق في كتابه "معنى النكبة" عام 1948، وفي كتابه " النكبة مجددا" عام 1967، اللبنات الأولى لخطاب النقد الذاتي للهزيمة، محيلا البحث عن هزائم ونكبات العرب إلى داخل بيئة العرب، وفي المساحات السياسية والاجتماعة والثقافية المسكوت عنها، وفتح بكتاباته النقدية الرصينة الأبواب على مصراعيها لما أصبح يُعرف بأدب النقد الذاتي المعاصر".
ويضيف "تدافع بعد زريق زخم من الكتابات النقدية، أبرزها ما خطه صادق جلال العظم في كتابه "النقد الذاتي بعد الهزيمة" الصادر عام 1968، والذي أثار جدلا واسعا في أواسط النخبتين العربية والفلسطينية، بما ترتب عليه من ردود كتابية مؤيدة ومعارضة".

ويورد الباحث أن قسطنطين زريق ردّ "وبمنظور قومي- ليبرالي، أسباب الهزيمة العربية في فلسطين إلى تفاعل غياب الديمقراطية مع غياب التفكير العلمي، وقد طور رده بعد هزيمة 1967 معتبرا ان ضعف المجتمع العربي هو الذي ولد الهزيمة، فيما تجاوز جلال صادق العظم مفهوم الضعف الى مفهوم العطب، محيلا اسباب الهزيمة الى التركيبه الاجتماعية والذهنية العربية وفكرها الغيبي".
ويضيف "تدفقت بعد زريق والعظم عشرات المساهمات في النقد الذاتي للهزيمة، ونشأت خطابات نقدية بين جديدة ومتجددة، تراوحت بين خطاب ماركسي تجديدي ينشد ماركسية عربية، وخطاب قومي أعاد وضع الديمقراطية والتنمية في صلب نصابه، وخطاب ليبرالي يقوم على الحريات وحقوق الانسان، وخطاب اسلامي .. فسر الهزائم بغياب الشريعة.. إضافة الى خطابات اكاديمية متنوعة اشتملت على مقاربات متطورة، حيث في بحر هذه الخطابات منذ عام 1967 حتى اليوم انهمرت مياه غزيرة، ولم تعد منظوراتها هي هي في العديد من احكامها واستخلاصاتها".
لقد بلغ اتّجاه "النقد الذاتي" مع صادق جلال العظم ذروة من الاتقان بحيث كان يمكن أن يتحول إلى تيار في الثقافة العربية لو وجد من يحمل المشعل بعد العظم ولو أن الطبقة العربية الحاكمة أولت نتائج ما توصل إليه حدا أدنى من الاهتمام.
يقول الباحث المصري د. السيد ياسين عن مؤلف صادق جلال العظم "النقد الذاتي بعد الهزيمة "كتاب العظم ثري بالتحليلات العميقة لكثير من جوانب الضعف في الفرد العربي وفي المجتمع العربي‏.‏ وهو لا يقف عند حدود وضع يده على مواطن الضعف التي تسم الطابع القومي للشخصية العربية ويربطها بالهزيمة‏، ولا بسمات التخلف للبناء الاجتماعي للمجتمع العربي، ولكي يمد بصره أيضا لينفذ الى نظم الحكم القائمة في البلاد العربية، باعتبارها مسؤولة عن النكسة بحكم وسطيتها‏ التي جعلتها تتأرجح بين المصالح الطبقية المتعارضة وأدى بها الى التذبذب في اتخاذ المواقف الاجتماعية والسياسية‏.‏
وفيما يتعلق بالطابع القومي للشخصية العربية يستفيد صادق جلال العظم من دراسة معروفة للعالم الاجتماعي حامد عمار عن الشخصية الفهلوية نشرها في كتابه تجارب في بناء البشر‏.‏ وقد عرض العظم سمات هذه الشخصية الفهلوية‏ بعد أن ركز على نماذج معينة من نزعة إزاحة المسؤولية عن النفس، وإسقاطها على الغير التي تجلت في نظره بعد هزيمة الخامس من يونيو‏1967.‏ ومن خصائص الشخصية الفهلوية ـ كما حددها الدكتور عمار ـ البحث المستمر عن أقصر الطرق وأسرعها لتحقيق هدف معين أو غاية معينة، مع تجنب العناء والجد المطلوبين عادة في اجتياز العقبات للوصول الى تلك الغاية، وتجنب استخدام الوسائل الطبيعية لتحقيقها‏.‏ وفي تحليله لجوانب التخلف في بناء المجتمع العربي أشار العظم الي سيادة العقلية التقليدية التي تنتمي الى أطوار البداوة والزراعة والتعلق بالغيبيات، أي الى أطوار سابقة على مرحلة الثورة الصناعية والانقلاب العلمي في تاريخ الانسانية".‏.‏
وينتقد د.شوملي تيار "النقد الذاتي العربي" معتبرا أنه "رغم كل التطورات التي شهدها خطاب نقد الهزيمة، فهو لم يقطع مع مفهوم النقد الوظيفي، ولم يحسم انتقاله النهائي لمفهوم النقد المعرفي، فجملة تفسيرات أسباب هزيمة عام 1967 هي بأغلبها تفسيرات وظيفية – دعائية، فالقوميون يردونها لغياب الوحدة، والليبراليون لغياب الديمقراطية، والماركسيون للبنية الطبقية، والاسلاميون للابتعاد عن الله، وان كان النقد الوظيفي ينجح احيانا في وضع اصابعه على بعض الاسباب الصحيحة، فإن طابعه الوعظي يبقيه مختزلا ومتعاليا على الواقع".
ويخلص إلى أن "النص الوظيفي قد أنتج في حقل الثقافة والسياسة ما يمكن وصفه بنص الوصاية، وهو من أخطر منتوجات النقد الوظيفي، الذي حول النقد الى نص فوقي - هدمي يستمد مشروعيته من الادعاء والاقصاء لا من الحوار والمحاكمات والحجج والواقع".. و"في نص الوصاية يجد المفكرون والمثقفون والكتاب واصحاب المقالات عقولهم مبرمجة مسبقا، ومنحازة تلقائيا لممارسة النقد التسويغي، أي النقد الذي يتغذى من التوجيه وليس من معطيات الحياة، وما يترتب عليه من مسخ للنظر العقلي وفقر في النتائج العلمية.
ويعتبر د. جبرا الشوملي أن"هذه الملاحظات – التشريحات تكشف عن واحدة من أهم المشتركات في الخطاب السياسي العربي بمنابعه الايديولوجية المختلفة في ميدان نقد الهزيمة، كما تكشف في نتائجها عن التقلص المستمر بين السياسة وجمهورها، أي مأزق عزلة السياسة عن صُناعها، وفي هذا يكمن أس جوهري من أسس الهزائم، وحقل جوهري من حقول انتاجها".
ويخلص إلى أنه "بهذا المعنى فإن الهزائم ستبقى مستمرة باستمرار خلو مشروع نقدها من مصطلحه المعرفي الذي يحيل بغيابه الجمهور من صانع للسياسة الى موضوع من مواضيع لعبتها، أي الافتراق التفاقمي المريع بين شرط نقد الهزيمة وشرط تجاوزها".
وينتهي إلى القول "بدون الدخول في مناقشة العوامل والاسباب البديهية التي أنتجت نكبة 1948، وهزيمة 1967: بنية القيادة السياسية، التركيب القبلي للمجتمع، غياب الحزب الجماهيري، ضعف الدولة القطرية واستبدادها، ضعف المنجز العلمي، الاختلالات في موازيين القوى، فإن عملا سياسيا ذا معنى، تراكميا، جديا، وتغييريا، يستنهض طاقات المجتمع ويطلق ديناميات العقل والارادة ويذلل عوامل الهزائم الخارجية والداخلية، لا يمكن كأولوية أولى، إلا بطي صفحة العقل ذي البعد الواحد، المسؤول الخفي عن عوامل الهزائم ودوامها".
ولمثل هذا الجدل الفكري حول هزيمة 1967 يمكن القول إن الاستجابة الفكرية الثقافية العربية والتفاعل مع نتائجها كانت كافية لتفجير "ثورة ثقافية" في العالم العربي، غير أن تشتت الاتجاهات في معالجة الهزيمة وتناقض الرؤى بشأنها وخضوعها لمقتضيات الإيديولوجيا، بالإضافة إلى وجود هوة فاصلة بين المثقف ومتخذ القرار السياسي العربي، جعلت جميعها النتاج الفكري المترتب عن هزيمة 67 يبقى في طور النظري دون تأثير ملموس في الواقع. ولم يكد العرب يصحون من سكرة الهزيمة حتى داهمتهم العولمة برياحها العاتية التي فتحت الأبواب على متاهات ثقافية لم يعرف العرب مثيلا لها في تاريخهم.
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات