بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >>  قضايا عربية >>
يهود الدول العربية.. هل هم لاجئون وضحايا حقّا؟
  19/06/2009

يهود الدول العربية.. هل هم لاجئون وضحايا حقّا؟
د. عبد اللّطيف الحنّـاشـي
تزايد اهتمام بعض الدوائر الإسرائيلية والصهيونية "الرسمية وغير الرسمية"، مؤخرا، بموضوع اليهود الذين كانوا يعيشون في الدول العربية؛ وتعتقد تلك الدوائر أن هؤلاء اضطروا إلى ترك تلك البلدان ومغادرتها رغما عنهم، بسبب الممارسات التي تعرضوا إليها، أو نتيجة لقرارات الترحيل التي اتخذتها بعض الدول العربية تجاههم، تاركين ممتلكاتهم المنقولة وغير المنقولة وراءهم... والتجأ هؤلاء إلى إسرائيل في حين استقر البعض منهم في الولايات المتحدة الأمريكية أو بعض دول أوروبا الغربية، لذلك اعتبروا ضحايا ولاجئين حسب الرواية الإسرائيلية والمنظمات الصهيونية المرتبطة بها والتي أخذت تطالب بعض الدول العربية بالتعويض عن أملاك وأموال هؤلاء الذين كانوا يعيشون في ربوعها قبل قيام إسرائيل وحتى بعد ذلك. وتبنت المؤسسات الإسرائيلية والصهيونية هذه "القضية"، منذ سنوات مبكرة، وتأسست للغرض سنة 1975 "المنظمة العالمية لليهود المولودين في الأقطار العربية" المعروفة اختصارا بـ"ووجاك" التي ظل نشاطها مستمرا إلى حدود سنة 1999.
وكان الرئيس الأمريكي، بيل كلينتون، قد أعلن في اجتماع القمة الثاني المنعقد في كامب ديفيد خلال شهر جويلية/ تموز 2000 التوصل إلى "اتفاق" يتضمن الإقرار بأن يهود البلاد العربية هم "لاجئون"، والعزم على إنشاء صندوق دولي لتقديم التعويضات عن الممتلكات التي اضطرّ هؤلاء للتخلي عنها عندما هاجروا إلى إسرائيل في الخمسينات من القرن الماضي... كما برزت مؤخرا منظمة "العدالة ليهود الدول العربية" برعاية المؤتمر اليهودي العالمي ولجنة رؤساء المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة وبتوجيه منه، ومن أهدافها الرئيسية تحويل قضية "اللاجئين اليهود" من الدول العربية إلى قضية رأي عام دولي والمطالبة بالتعويض عن أملاكهم وأموالهم التي قدرتها بنحو بنحو 100 مليار دولار..
وتعززت جهود تلك المنظمات بعد اتخاذ الكونغرس الأمريكي، قرارا بالإجماع "القرار رقم 185" في نيسان/ أفريل 2008 أقرّ بحقوق يهود الدول العربية باعتبار أنهم لاجئون؛ كما رهن القرار تقديم أي مساعدات أو تعويضات إلى اللاجئين الفلسطينيين بتقديم مساعدات وتعويضات مماثلة إلى اللاجئين اليهود، بل واعتبـار ذلك أحد الشروط الأساسية لأي اتفاق سلام شامل وعادل في الشرق الأوسط.. ومما لا شكّ فيه أن الهدف المباشر من إثارة هذه المسألة، من قبل تلك الأطراف، يمثل محاولة لمقايضة قضية اللاجئين الفلسطينيين، الذين طردوا عنوة بالسلاح والتهديد والترويع، بهؤلاء اليهود بالإضافة إلى إضفاء الشرعية على جريمة التطهير العرقي التي مارسها الصهاينة ضد السكان الفلسطينيين خلال سنة 1948. ولكن، هل طُرد اليهود من البلدان العربية حقّا؟ وهل يمكن، بالتالي اعتبارهم ضحايا ولاجئين؟!
بداية لا بد من الإقرار بأن عملية طرد أي مواطن من بلاده تتنافى والقوانين والأعراف الدولية، كما تمثّل إجراء غير أخلاقي وغير إنساني؛ أما بالنسبة لما وقع ليهود الدول العربية فهو غير ذلك؛ إذ أن هؤلاء لم يُطردوا، عمليا وواقعيا، من جميع البلدان العربية، إذ لم تصدر قرارات بهذا الشأن من قبل تلك الحكومات خلال الخمسينات من القرن الماضي، كما أشيع، بل كان ذلك إثر الحرب العدوانية التي شنتها إسرائيل ضد الدول العربية سنة 1967. أما عدد الذين أجبروا على الخروج من بعض الدول العربية "وليس كلها" فقد كان عددهم محدودا وتحت ضغط الحرب وتداعياتها النفسية. وحتى وإن حصل أن طُرد هؤلاء بقرار، فإن الأمر كان يخص دولة أو دولتين فقط؛ ورغم ما كان يبرر عملية الطرد تلك، حسب قناعة تلك الدول، فكان من الأفضل أن تُحلّ المسألة بطرق أخرى غير الطرق التي اعتمدت، فهؤلاء مواطنون لهم نفس حقوق وواجبات بقية السكان.
غير أن الأمر هو غير ذلك في العمق، إذ أن الهجرة والاستيطان كانا ولا يزالان يمثلان أحد أهم ركائز الإيديولوجية الصهيونية وأهدافها، ودون ذلك لم يكن بإمكان الحركة تحقيق مشروعها. الأمر الذي يفسّر سعي الحركة الصهيونية بكل الطرق والوسائل لدفع اليهود وتحريضهم لمغادرة البلاد التي كانوا يقيمون فيها منذ مئات السنين والالتحاق بفلسطين بغرض الاستيطان، مقابل ذلك عملت الحركة الصهيونية بكل الوسائل للاستحواذ على أراضي الفلسطينيين ودفعهم لمغادرة بلادهم. أما في سنة 1948 فمارست بالعنف والإرهاب عمليات التطهير والاقتلاع القسري للفلسطينيين من أرضهم، مما أدى إلى تشريد نحو مليون فلسطيني وتدمير حوالي 400 قرية فلسطينية.
لقد كان هدف الحركة الصهيونية وكيانها، وما زال، هو تجميع يهود العالم للاستيطان في أرض فلسطين، أي ما تعتبرها الأرض الموعودة للشعب اليهودي، وهو ما عملت الحركة على تحقيقه بطرق مختلفة وحسب الظروف، اعتمادا على وسائل سلمية وسرية حينا، وممارسة العنف والإرهاب ضدّ اليهود ومصالحهم ومؤسساتهم حينا آخر، وذلك بهدف خلق مناخ من الاختناق وصولا إلى أن يترك اليهود تلك البلدان، والهجرة إلى فلسطين.
لقد كان من أهداف الحركة الصهيونية أيضا السعي لإفساد العلاقة بين الأقليات اليهودية في البلاد العربية والأغلبية من السكان حتى لا يتحقّق الحدّ الأدنى من اندماج تلك الأقلية في تلك المجتمعات، لأن ذلك يفسد المشروع الصهيوني، ولهذا السبب وغيره من الأسباب استهدفت الحركة، منذ العشرينات من القرن الماضي، أيضا يهود البلاد العربية إذ خصصت العديد من المنظمات الصهيونية الأموال والدعاة لتحريض يهود المنطقة لمغادرتها والالتحاق بأرض الميعاد.
ومثلت عملية تجميع الأموال لصالح المشاريع الصّهيونية، والدعوة للمساهمة في شراء الأرض بفلسطين أحد أبرز نشاطات الحركة الصّهيونية بالبلاد العربية منذ ثلاثينات القرن الماضي وساهم فيها اليهود بشكل مكثّف... وكان أغلب هؤلاء ملتزمين سياسيا يدفعون ضريبة "الشاقل" "Le chekel" التي تسمح لدافعيها الترشح لتمثيل الصهاينة في المؤتمر الصهيوني العالمي بينما كان غير الملتزمين يدفعون تبرّعاتهم "الطوعية" للمنظمات الصّهيونية وخاصة لمؤسسة الصندوق القومي اليهودي تحت عناوين مختلفة..
وكانت "التبرعات" المالية تلك تلعب دورا رئيسيا في "تقوية الروابط العاطفية" بين اليهود في أنحاء العالم، كما كانت تمثل إحدى أهم الوسائل التي يعبّر اليهود بواسطتها عن ارتباطهم بالحركة الصّهيونيّة وبأهدافها الاستراتيجية، ويجسّد تعدّد الصناديق المالية الصّهيونيّة وكثرتها الأهمية القصوى التي أولتها الحركة الصّهيونيّة لمسألة التبرعات المالية تلك، والتي لعبت بالفعل دورا مركزيا في عمليات الهجرة والاستيلاء على الأراضي الفلسطينية في مختلف مراحل تطور هذه الحركة وعملها لإنجاز شعاراتها في فلسطين..
لذلك فإن مساهمة يهود الدول العربية ماليا في دعم المشروع الصهيوني ينزع عنهم عمليا صفة المواطنة والوطنية، في حين يكرّس ذلك ارتباطهم بالمشروع الصهيوني الذي كانت الجماهير العربية وطلائعها تناهضه؛ كما كان الشعور الوطني لتلك الأقلية ضعيفا، حتى لا نقول منعدما، واندماجهم محدودا، ومن مظاهر ذلك عدم إتقان هؤلاء اللّغة العربية، وهي اللغة الوطنية لكل البلدان العربية، في حين كانوا يجيدون اللغات الأجنبية ويكتبون بها، وليتهم كانوا يجيدون اللغتين معا كتابة ومشافهة، كما لم يسع أفراد النخبة اليهودية في البلدان العربية من جهة أخرى إلى النضال ضد المشروع الصهيوني أو العمل على تشكيل منظمات يهودية معادية لذلك المشروع ومناهضته، إلا في حالات قليلة جدا همّت بعض الأفراد الذين نشطوا في أحزاب أو منظمات أممية بالرغم من مساندتها لقيام الكيان الصهيوني ودعمه، لذلك كان هؤلاء جزءً من المشروع الصهيوني...
وقد أبرزت الكثير من الدراسات والبحوث الموضوعية المتزنة محدودية، حتى لا نقول انعدام، تفاعل يهود الدول العربية مع القضايا الوطنية، أثناء مرحلة التحرر الوطني؛ إذ كان انخراط هؤلاء في المنظمات والأحزاب الوطنية نادرا جدا، وكانت أغلب أطراف النخبة اليهودية في البلاد العربية تنشط إما في إطار المنظمات الصهيونية أو في إطار الأحزاب الأممية، التي كان لها فهمها الخاص للمسألة من زاوية محددة. كما انحاز عدد كبير من أفراد النخبة اليهودية للإدارة الاستعمارية التي كانت تحكم البلدان العربية، وهو ما كان يتعارض وتطلعات النخبة الوطنية التحررية العربية ومواقفها.
ومن الطبيعي أن تولّد ممارسات يهود الدول العربية تلك ومواقفهم شعورا بالمرارة عند النخبة السياسية الوطنية في البلدان العربية في الوقت الذي ترى حماس تلك المجموعات متّجها للحركة الصهيونية والنشاط لصالحها؛ إذ تشير الوقائع والمعطيات إلى أن تجاوب تلك المجموعات كان بالأساس مع المشروع الصهيوني والانتماء إليه والولاء له أكثر من انتمائها لمشروع الحركات الوطنية التحررية المناهضة للاستعمار في تلك البلدان، مما جعل السكان العرب المسلمين ينظرون إلى تلك المجموعات كحلفاء موضوعيين للسلطات الاستعمارية التي تحتل البلاد...
وبعد مرحلة الحرب العالمية الثانية سعت الحركة الصهيونية إلى تنظيم الهجرة إلى فلسطين وحثّ الشباب اليهودي للتطوع في المنظمات العسكرية الصهيونية وقتال الفلسطينيين... وبعد تأسيس الكيان أخذت الدولة والحركة بتحويل أعداد كبيرة من يهود الدول العربية إلى الدولة الصهيونية، بطرق غير شرعية وبالتواطؤ مع الحكومات الاستعمارية أو "الوطنية" الجديدة أحيانا.. وهو ما حدث مثلا مع يهود الفلاشا في إثيوبيا أواسط الثمانينات من القرن الماضي، ومع بعض يهود اليمن، مؤخرا، إذ غادر هؤلاء بلادهم عن طريق عملية سرّية قامت بها إسرائيل وبعض المنظمات الصهيونية دون علم السلطات المحلية...
لذلك يعتبر الكثير من المختصين أنه لا يمكن الحديث عن لاجئين يهود من الدول العربية لا من الزاوية القانونية و/أو الأخلاقية باعتبار أن هؤلاء قد غادروا الدول العربية برغبة منهم وتحت ضغط الوعود والإغراءات التي مارستها الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل، كما يقرّ الكثير من يهود الدول العربية بأنهم لم يكونوا ضحايا سياسات الدول العربية التي عاشوا فيها مئات السنين وكانت أوضاعهم أفضل بكثير من يهود الدول الغربية، بل كانوا ضحايا الوعود الزائفة للإيديولوجية الصهيونية التي استغلت بعض الظروف القاسية التي كان يعيشها البعض منهم وتمكنت من تحويلهم إلى وقود لمشروعها غير الإنساني، مما أفقدهم تاريخهم وهويتهم العربية وتوازنهم النفسي في ظل دولة عنصرية لم تحقق لهم لا الرفاهية ولا المساواة الدينية والمدنية ولا الاطمئنان النفسي والاجتماعي...

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات