بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >>  قضايا عربية >>
الحريّات ـ الشباب ـ التنمية
  22/07/2009

الحريّات ـ الشباب ـ التنمية


كيف يتداول جيل الشباب الحريات العامة، والخاصة منها، في وطأة الركود الاجتماعي والمعرفي والاقتصادي والسياسي؟ هل يتعامل الشباب اليوم مع الحريات "المقّننة حُكْما" بقدر من "المسؤولية" التي لا تكتمل وتثمر الحريةُ إلا بممارستها؟ وما هو دور الشباب، إذا ما امتلك أسباب حريته الواعية، في عملية الإصلاح والتطوير على صعد التنمية الوطنية كافة؟
تتحكم البنى السوسيوثقافية بتوجيه دفّة ميول الشباب في الدول الناطقة بالعربية من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بشكل لافت، نظرا لتشابك الثقافي والاجتماعي في مجتمعات هي أصلا إسلامية "ثقافيا"، وعربية "مرجعيا"، وهذا التصنيف لا يبتعد كثيرا عن مظلة "السياسي" الذي يشكّل العامل الطاغي في إدارة دفّة الفعل الاجتماعي، والمنعكَس الثقافي، في آن.
لكن هذه الفئة العمرية ـ أعني جيل الشباب ـ هي أصلا مرحلة تقوم على اكتشاف دائب للذات لتحديد أهوائها وسبر طبائعها النفسانية ومقوماتها الأنتروبولوجية، وكذا على تقصٍّ للمحيط الاجتماعي والسياسي لتحديد اتجاه إبرة البوصلة في المكان والزمان المعاشَين، وتشكيل للهوية فيما يقارب الفعل الذي يقوم على إرادات البحث عن مقومات "الأنا"، وانفرادها بخصوصياتها في حضرة "الآخر" المغاير، وعلاقة "الطرفان" في شبكة المعطى الثقافي والاجتماعي، ورسم المسار الحيوي على أساس التفاعل مع المحيط الأوسع لا الانفعال به وحسب.
في المجتمعات العلمانية التي تضع نفسها على مسافة واحدة من الأديان والمعتقدات كافة، والتي تعلي من شأن المواطنة والحريات الفردية، وتؤكّد على التنوع الثقافي في نسيجها الإثنيّ كون التعددية الثقافية والعرقية واللغوية في المجتمع الواحد إنما تشكّل إثراء لبنيته التحتية ثقافيا واجتماعيا وسياسيا، في هذه المجتمعات المفتوحة على التيارات والتغييرات العالمية، والداعمة للحريات كحق إنساني مطلق، يكون ـ عامة ـ طريق الشباب نيّرا باتجاه تقرير الخيارات الحياتية في الانتماء السياسي والديني والفكري، وتنفيذ الإرادات في التحصيل العلمي والالتحاق الوظيفي في ظل تنوع الفرص مقابل الكفاءات، وتحقيق التطلعات العاطفية في اختيار إراديّ لشريك الحياة، موازاة مع اختيار آخر في ممارسة الجنس ( مع الشريك المختار) خارج أو ضمن إطار الزواج التقليدي.
من الجائر أن نرجع عثرات الشباب اليوم إلى المدّ الأصولي وحده مقابل إغفال التراجع الإنمائي الذي يقع في الصلب من إشكالية التحديث وغياب الحريّات. فالبطالة وانعدام الفرص والقهر الأسري وتهميش المرأة والركود التعليمي والتوجّس من التعددية ـ ثقافية كانت أم سياسية ـ وغياب الشفافية وانعدام حس النقد وطغيان البيئة البطريركية الأبوية، إنما تعدّ مجتمعة أسبابا مباشرة لتغييب جيل الشباب، الذين هم البناؤون الحقيقيون للمجتمعات، عن ساحة الفعل التجديدي الذي هو معول التغيير المنشود والحامل الحقيقي لعملية الدمقرطة التي لا يمكن إلا أن تكون منتوجا محليا خالصا يتماهى بانسجام مع روح العصر وشرطها العولميّ.
إن المدّ الأصولي، دينيا كان أو اجتماعيا أو سياسيا، إنما أضحى ملاذا هو أهون الشرّين للشباب القابع في دكان الحدّاد بين سندان العطالة الإرادية التي مردّها حالة الإحباط المعرفي في ما يقابل الهجمة المعلوماتية التي يجد نفسه في موقع المتلقي منها وحسب، وبين مطرقة التعطيل المنظّم الذي يعود إلى غياب خطط حكومية حقيقية لخلق الوظائف والفرص والمحفزّات وتوسيع المشاريع الخاصة الصغيرة وتشجيع الإبداع والإبتكار فيما يشكّل عماد التنمية الاقتصادية والبشرية.
وصف تقرير منظمة العمل العربية الذي صدر في نهاية العام 2008 الوضع الحالي للبطالة في المنطقة بأنه الأسوأ بين جميع مناطق العالم من دون منازع، وأنه في طريقه لتجاوز كل الخطوط الحمراء. ويشير التقرير أن المنطقة العربية قد احتفظت بأعلى معدلات نسب البطالة بين الشباب على مستوى العالم بنسبة فاقت الـ 25%، على الرغم من تحقيق الدول العربية المصدرة للنفط فوائض مالية تقوم بضخها في مشاريع إنمائية للحد من تنامي معدلات البطالة. ويذكر التقرير أيضا أن مرجعية البطالة في البلدان العربية تكمن في تدنّي المستويات التعليمية للعاطلين عن العمل، وانتشارها بين فئات الشباب بخاصة، وضعف الخبرة المهنية المتوفرة لدى العاطلين، وغياب التدريب المهني الموجه لسوق العمل، بالإضافة إلى غياب التخطيط، وارتفاع نسبة الإناث العاطلات عن العمل.
وقد اعتمد تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية العربية للعام 2009 هذه الوقائع، وأشار إلى أن 65 مليون عربي يعيشون في حالة فقر مؤكدا أن البطالة تعدّ من المصادر الرئيسية لانعدام الأمن الاقتصادي في معظم البلدان العربية.
وجاء في التقرير الصادر في بيروت يوم الثلاثاء 21/7/2009 أن معدلات الفقر العام تتراوح بين "28.6 % و 30 % في لبنان وسوريا في حدها الأدنى ونحو 59.9 % في حدها الأعلى في اليمن ونحو 41 % في مصر."
وأفاد التقرير أن البطالة تعد من "المصادر الرئيسية لانعدام الأمن الاقتصادي في معظم البلدان العربية. وحسب التقرير فإن معدلات البطالة المحلية تتفاوت بدرجة ملموسة بين بلد وآخر "إذ تتراوح بين 2% في قطر والكويت ونحو 22% في موريتانيا غير ان البطالة في أوساط الشباب تشكّل تحديا جديا مشتركا في العديد من البلدان العربية." وأضاف أنه "غالبا ما تنعكس البطالة بصورة غير متوازنة على الإناث فمعدلات البطالة بين النساء في البلدان العربية أعلى منها بين الرجال وهي من المعدلات الأعلى في العالم أجمع."
إن تنامي بؤر التطرف الديني والانغلاق الطائفي إنما يتناسب عكسا مع تمكين الشباب، إناثا وذكورا، وتأمين انخراطهم في التيارات المعرفية على اختلاف مشاربها وإطلاق الحريات الفردية وإعادة صياغة العلاقة الجدلية بين المستهلك من جهة والمنتج من أخرى على كافة الصُعُد الإنتاجية، الفكرية منها والاقتصادية والسياسية، والخلوص إلى عقد اجتماعي جديد بين الأجيال الطامحة إلى التغيير والتحديث والانفتاح على التجارب العالمية من جهة، وبين منظومة المجتمع ـ الدولة ـ الدين من جهة أخرى؛ عقد جديد يواكب روح العصر وأدواته ومسوّغاته، ولا ينأى عن الأصل، بل يتماهى فيه ويقولبه بما يساير المسيرة الكونية التي تنهمر سيلا من المعارف المتوفرة عالميا، دون موانع، وبرسوم رمزية، عبر وسائل الاتصال التي استحدثتها ثورة الاتصالات من الشبكة المعلوماتية، إلى القنوات الفضائية، وصولا لأنظمة التعليم المستمر عن بعد.
يقول الرئيس الفرنسي للجمهورية الفرنسية الخامسة وبطل المقاومة الفرنسية ضد الفاشية الهتلرية شارل دوغول: التاريخ لا تحكمه القدريّة.. هنالك لحظات يقوم فيها الأحرار بكسر طوق الحتميّة والانطلاق من جديد.
إن فئة الشباب الخلاقّ في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا ـ والتي تشكل الشريحة البشرية الأعرض في مجتمعاتهاـ محملةً بالطاقة والإرادة على التغيير، عامرةً بالحرية، هي وحدها القادرة على مواجهة المشاريع الظلامية التي تتّخذ من الدين ذريعة، والشوفينية القومية أداة، كن أجل جرّ تلك المجتمعات إلى كمائن التطرّف والعزلة والانغلاق، وإخراجها، مبنى ومعنى، خارج منظومة العصر. إنها الفئة القادرة على دفع عجلة التنمية، والعمل على استدامتها، على المستويين المعرفي والإجرائي، الفئة المؤهلة لإقامة الحوار مع شعوب العالم كافة، حوار متواصل ومؤسِّس طرفاه أفراد أحرار ومختارون، لا حكومات مترهّلة ذات مصالح سياسية تكتيكية، موقوتة، وعابرة.
مرح البقاعي
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات