بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >>  قضايا عربية >>
هـل هذه قناة السويس؟
  01/08/2009

هـل هذه قناة السويس؟

في ذاكرة أي مواطن عربي ولد قبل انتصاف القرن العشرين، تحتل قناة السويس موقعا لا يضارعه موقع أي حدث سياسي آخر، منذ تلك الفترة، حتى أيامنا هذه.
فقبل ثلاث وخمسين سنة، في السادس والعشرين في مثل هذا الشهر تموز/يوليو، أصدر جمال عبد الناصر قرارا باسم رئيس جمهورية مصر، بتأميم شركة قناة السويس شركة مساهمة مصرية، فاسترد لشعب مصر حقوقا وسيادة وكرامة كانت مغتصبة منذ تشغيل القناة في العام 1869، وسيطرة الشركة البريطانية ـ الفرنسية على إدارتها ومقدراتها، حتى تحولت دولة قائمة داخل دولة مصر.
وبما أنني من المحــظوظين الذيــن قدر لهم مـعايشة ذلك اليوم (كنت في التاسعة عشرة من عــمري)، فمــا زلت أذكر حتى يومنا هذا، أن صدى صوت جمال عبد الناصر وهو يصدر قرار تأميم القناة، ذاكرا اسم «دوليسبس» ككلمة سر، يتحرك بموجــبها الطاقم المسؤول عن التنفيذ التفصيلي العملي، لقــرار التـأميم في مواقع الشركة بقــيادة محمــود يونس. هذا الصدى لم يكتف في ذلك اليــوم بالــتردد في مــصر، وسائر البلاد العربية من محيطها الى الخليج، بل في جمـيع أرجاء الكرة الأرضية، حيث اعتبرته جميع شــعوب الأرض المستضعفة في قارات أفريقيا وآسيا وأميركا الجنوبية، وحتى في بعض أقــطار أوروبا الجــنوبية، قرارا يسترد لها حقوقها الخاصة وكرامتها الخاصة من قرون طويلة من الاستعمار السياسي والاقتصادي والنفسي.
ولا تنفصل عن ذكريات ذلك اليوم الأمجد في ذاكرة عرب القرن العشرين، تلك المعركة الفرعية المكملة لمعركة التأميم، حين تمكن مرشدو قناة السويس المصريون، من سد الثغرة التي أراد بها المرشدون الأجانب تعطيل قناة السويس بالانسحاب الجماعي المفاجئ، وهو الموقف الذي خلده الشاعر العبقري صلاح جاهين في أهزوجته الوطنية التي لحنها العبقري محمد الموجي وغنتها العبقرية أم كلثوم، بقوله
ريسنا قال، ما فيش محال
راح الدخيل، وابن البلد كفّى
بعد ذلك، عاد لصوص حقوق الشــعوب الى إعادة سرقة حقوق مصر في إدارة قناة الســويس، بعـدوان العام 1967، الذي بقي جاثما على صدر القــناة يعــطّلها بجحافله المحتمية وراء خط بــارليف، الى أن قام جيش مصر العـصري الذي أســسه جمال عبد الناصر في أعقاب النكسة، والذي أدى معمودية النار لثلاث سنوات طوال، في حرب الاستنزاف بين 1967 و1970، بعبور القناة واستردادها في يوم مجيد آخر من أيام عرب القرن العشرين، ما لبثت الإدارة السياسية أن أفسدت اكتماله بعد ذلك.
لكن القناة عادت رغم هذه الثغرات، الى الإدارة الحرة المستقلة لدولة مصر العربية، تديرها لمصلحة البشرية كلها، وفقا للقانون الدولي.
حتى صحونا ذات يوم، ونحن نقترب من الذكرى الثالثة والخمسين لتأميم القناة، لنفاجأ بخبر يحوم حول احتمال عبور سفن حربية إسرائيلية القناة، بينها غواصات قادرة على حمل رؤوس نووية، من البحر الأبيض المتوسط الى البحر الأحمر، توفيرا للاضطرار الى الدوران حول القارة الأفريقية كلها.
لكن خبر احتمال العبور، ما لبث بعد أيام أن تحول الى خبر صريح ومؤكد في كل وكالات الأنباء العالمية، مع تأكيد على أن تحرك السفن الحربية الإسرائيلية، هو جزء من خطة حربية تعدها إسرائيل للتمكن من احتمالات قيامها بتوجيه ضربة الى إيران.
لكن ما كان أشد هولا من خبر العبور، وتفسير أغراضه الصريحة، تلك الفذلكة القانونية التي خرج بها وزير الخارجية المصري، مؤكدا أن العبور انما تم بناء على بند في اتفاقية القسطنطينية، يسمح بعبور السفن الحربية لقناة السويس، اذا كان هذا العبور «بريئا». (المزدوجان بقلم الكاتب).
الحقيقة أن أياً من المواطنين العرب الذين عاشوا وعايشوا أمجد أيام التاريخ العربي في القرن العشرين، يوم تأميم قناة السويس اسـتردادا لحقوق مصر وسيادتها وكرامتها، لم يكن يتــصور أن يأتي يوم تعبر فيه القناة سفن حربية لدولة تمتلك ســلاحا نـوويا. ما زال وجودها بحد ذاته، وسلاحها النووي، يشــكلان تهـديدا لمصر أولا، وللأمة العربية من بعدها، وما زالت متشبثة باغتصاب كامل أرض شعب فلسـطين وحقوقه منذ ستين عاما ونيفاً، لتشكل بهذا العبور تهديدا لدولة جارة، ما زالت في طور تصنيع طاقتها النووية لأغراض سلمية، ثم بوصف هذا العبور بأنه بريء، بموجب اتفاقية دولية وُقّعت قبل سبعين عاما على اغتصاب الحركة الصهيونية لأرض الفلسطينيين وحقوقهم، وإنشاء دولة اسرائيل.
هل هذه قناة السويس التي عرفناها في السادس والعشرين من تموز/يوليو، في العام 1956؟
الياس سحاب

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات