بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >>  قضايا عربية >>
صمت المكان: كيف دمر الاحتلال الامريكي سوق الصفافير في بغداد
  05/08/2009

صمت المكان: كيف دمر الاحتلال الامريكي سوق الصفافير في بغداد
نسرين ملك
في عهد حكومة الرئيس صدام حسين كان سوق النحاسين في بغداد والذي عرف بسوق الصفافير يعج بالنشاط والانتاجية. وكان يتم طرق النحاس بالطريقة التقليدية القديمة ليكون على شكل قدور وأباريق من جميع الأشكال والأحجام، فتتناغم الأصوات بشكل رائع وتكوّن منظرا جميلا من الدكاكين التي تعج بالأدوات النحاسية المنزلية والزخرفية الجميلة التي تناسب جميع الأذواق. فأسكت الأجتياج الوحشي للقوات الأمريكية واستمرار الأحتلال، السوق بطريقة مأساوية ودمّر كل شيء. وفيما يلي تصف نسرين ملك، زيارتها الأخيرة لسوق الصفافير في بغداد.
بالرغم من انسحاب القوات الأمريكية من بغداد ومدن اخرى، إلا انهم تعتزم البقاء في القواعد التابعة لهما في العراق لمراقبة المدن التي تركتها وراءها. وقد وافق الكونجرس على مزيد من التمويل لبناء المنشآت العسكرية داخل العراق دون اعتماد أية مبالغ لإعادة اعمار العراق الذي دمرته الحكومة الأمريكية. فما زال الناس يعيشون بدون مياه وكهرباء ناهيك عن الأمن.
وسوف يتذكر الناس في المدن العراقية الأمريكيين كغزاة وقتلة ومغتصبين. وقد جلبت الديموقراطية الموعودة لهم الموت والمعاناة والعذاب. فهنالك خمسة ملايين عراقي من الاطفال اليتامى، ومليونا عراقي هجروا داخل العراق، وثلاثة ملايين أرغموا على مغادرة البلاد. هناك أكثر من 2615 قتيلا من الأساتذة والعلماء والأطباء؛ وقتل 338 صحافيا، وأكثر من مليون عراقي قتلوا منذ الغزو. هذا هو الانتصار الأمريكي بالأرقام؛ ويتوقع من العراقيين الاحتفال بهذا اليوم. كيف يمكن لشعب ان يحتفل بمقتل مدنيين أبرياء وتدمير بلاده؟
'لقد رحلت عن بغداد في أواخر السبعينيات، وفي مخيلتي انني سوف اعود اليها مرة اخرى. ولم اتمكن من أخذ أي شيء في ذلك الوقت. وعندما ذهبت الى بغداد في كانون الاول / ديسمبر الماضي، كنت ابحث عن شيء احمله معي كهدية تذكارية من زيارتي، من شأنه أن يذكرني بالثقافة التي كانت لدينا. بحثت وبحثت، ولكن لم أجد شيئا باستثناء المواد الغذائية. لم يجذبني القيمر(وهو نوع من القشطة العراقية يؤكل مع العسل في الصباح) أوالكاهي (وهو نوع من الحلوى العراقية مثل البقلاوة).
فرحت ابحث في هذا العدد الكبير من الأسواق دون جدوى. وطلبت من ابنة عمي مرافقتي لسوق الصفافير، وهو سوق النحاس وكان يتم طرق النحاس بالطريقة التقليدية القديمة ليكون على شكل قدور واباريق وصواني واكواب من جميع الأشكال والأحجام. كان السوق دائما يعج بالعمال الذين كانوا سعداء بحرفتهم. وكانت اصوات طرق النحاس تتناغم في تنسيق رائع ويصعب الحديث في السوق بسبب الضوضاء.
دخلت السوق ومنيت بصدمة. لم يكن هناك ضوضاء، ومشيت ومشيت وشعرت كأن السوق قد انكمش وبات أقل بكثير مما كان عليه، وأضحت وجوه الناس بلا حياة. وأذكر على وجه الخصوص رجلا مسنّا.. في أواخر السبعينيات، كان يجلس على مقعد امام متجره.. نظرت إلى وجهه الذي كان مليئا بالتجاعيد، ولاحت في وجهه خريطة العراق، وشفتاه كانت جافة مثل دجلة، وتغطي وجهه ابتسامة رقيقة. نظر إليّ، وسألني من أين جئت. قلت له اني من الكرادة (حي في بغداد)، واني اريد شراء قطعة أثرية منه. ونظر الي مرة اخرى وابتسم لي من جديد . كنت على يقين أنه لا يصدقني. لم أستطع أن أقول له لقد جئت من كندا. قال لي: إن الأمريكيين جاءوا بعد الغزو وقاموا بشراء كل شيء في السوق ولم يسلم شيء من الأيام الخوالي. وقال ان معظم العاملين في السوق غادروا البلاد. ثم اقترب مني وسألني اذا كان بامكاني مساعدته على مغادرة بغداد، وقلت له كنت اتمنى ذلك. ثم أدركت أن سوق الصفافير لم تكن تلك السوق التي عرفتها، انها تعيش في صمت بلا حراك. كان اصحاب المحال يقومون ببيع التحف المقلدة. بغداد ليست بغداد الجميلة التي عرفتها. جررت قدمي، والأصوات من الايام الخوالي تقرع كالطبول في اذنيّ. وهرعت خارج السوق. وفي نفس اليوم، طلبت من ابنة عمي مرافقتي لزيارة مرقد الكاظم (وهو مزار ديني في بغداد)، كنت اود الذهاب الى هناك لأنعي وارثي وفاة كل ما شاهدته خلال اقامتي.
'ولم تتحمس ابنة عمي للفكرة بل كانت مترددة وخائفة نظرا لوقوع هجوم انتحاري قبل يومين اودى بحياة الانتحارية وحياة آخرين عند الحضرة. وسعدت بموافقتها على اصطحابي. وصلنا الى الحضرة، فخلعنا الأحذية وسرنا حفاة على الرخام النظيف. عندها شعرت بانني في بغداد. دخلت الى الضريح، ولمست الشباك (نافذة ذهبية في منتصف الضريح) واطبقت عليه اهزّه بشدة، وضعت رأسي على (الشباك وانهمرت الدموع من عيني، وسألت من كان بالداخل، لماذا دمرت بغداد، بغداد الجميلة .وكانت النساء من حولي يمسكن بالشباك ومعظمهن يبكين، وكنت أتساءل ترى ما هي رواياتهن، وما مدى خسارتهن.
ونبهتني ابنة عمي أنه حان موعد الصلاة، وأنه ينبغي لنا أن نصلي. وخجلت ان اقول لها انني لا أعرف كيف أصلي. وقفت إلى جانبها وقمت بمحاكاة حركاتها. صليت وبكيت وسألته عن الذنب الذي ارتكبناه لنجتر مثل هذا العقاب. انتهيت من صلاتي وشعرت أنها كانت بمثابة تطهير لروحي ونفسي..
تركنا الحضرة وتذكرت ان صديقي وطبيبي هنا في تورونتو كانا قد طلبا مني احضار شريط أخضر من هنا. سألت امرأة، وأشارت إلى غرفة وقالت لي ان نذهب الى هناك واسأل. ذهبت الى هناك ورأيت بعض الرجال يرتدون السيدية الخضراء (العمامة) فوق رؤوسهم. سألت واحدا منهم عن شرائط خضراء، ومرة أخرى عندما سألته، بدأت انتحب. نظرالرجل اليّ وسألني من أين جئت. قلت له اني جئت من كندا. ذهب الرجل الى الداخل واحضر لي بعض الأشرطة وعددا قليلا من التربة (حجر يضع الشيعة رؤوسهم عليه عندما يصلون)، وسبحة، وقطعة صغيرة من السيراميك. قال لي إن القطعة سقطت من جانب حد المآذن وانه احتفظ بها لفترة طويلة. وعندها فقط شعرت بأن شيئا ما تملكته من بغداد.
الآن استيقظ كل يوم وقبل أن اقوم بعمل أي شيء الامس هذه القطعة. ولعل هذه القطعة الخزفية تعمل على إعطائي الحافز على الاستمرار في العيش بعيدا عن البلد الذي انتمي اليه، وإعطائي الأمل في أن العراقيين سوف يشهدون الأيام الطيبة من جديد في وقت ما قريبا.
(حضرة الإمام موسى الكاظم في منطقة الكاظمية في بغداد، واحدة من أهم الحضرات في العالم. لقد تعرضت للهجوم عدة مرات منذ أن جاء الغزاة الامريكيون، مرة في عام 2004، ومرة قبل ايام من زيارة نسرين فى كانون الاول (ديسمبر) الماضي ومرة واحدة منذ زيارتها. وكان مئات من العراقيين قد قتلوا في الضريح منذ بدء الغزو الامريكي للعراق).
كاتبة من العراق
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات